تحسين الخطيب: النقد المبدع لا يصلح له إلا الشعراء

العديد من الاتهامات تُكال إلى ترجمة الشعر على وجه الخصوص، دون غيره من التراجم، إلى الحد الذي دفع البعض إلى تبني دعوات لمنع ترجمته لما فيها من خيانة للنص الأصلي ولروح القصيدة الأصلية والتي لا يمكن الاحتفاظ بها في الترجمة وفق رأيهم، فخلافًا للترجمات الأدبية الأخرى، تحتاج ترجمة الشعر إلى جهد أكبر للحفاظ على الإيقاعات والأصوات الباطنية في القصيدة. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر والمترجم الأردني تحسين الخطيب حول الشعر وترجمته.
الأحد 2016/08/14
تحسين الخطيب: شاعر ومترجم شعر وصاحب سؤال نقدي

يبدأ تحسين الخطيب حديثه عن الترجمة والشعر وخصوصية كل عالم منهما لديه قائلًا “لا تعارض البتّة بين كتابة الشعر وترجمته. فلا خصوصيّة معيّنة، بالنسبة إليّ، تفصل بين كتابة الشعر وترجمته. فأنت حين تترجم قصيدة ما، فإنّك لا تنقل معاني الكلمات فحسب، وإنما تحاول -بكل ما أوتيت من قوّة- كتابة أنفاس الشاعر والدخول إلى دفاتر أحواله ومقامات وجوده أيضًا.

تحاول، في التأرجح على الخيوط الرفيعة للكلمات، بعصا التوازن، ألّا تسقط في الهاوية، هاوية أن تفقد الترجمة روحها، وتصبح أيّ شيء آخر. أنت الشاعر، في الترجمة، وليس المؤلف الأصلي. فإن كان القارئ هو شاعر آخر -كما يقول أكتافيو باس- فإنني أستطيع القول إنّ كل ترجمة ‘جيّدة’ هي قصيدة أخرى”.

يرى الشاعر الإنكليزي بيرسي شيلي أن “ترجمة الشعر محاولة عقيمة تماما، مثل نقل زهرة بنفسج من تربة أنبتتها إلى زهرية”.. ويوضح الخطيب رأيه في المسألة قائلًا “في الحقيقة، ينطلق شيلي -في موقفه من ترجمة الشعر- من النظرة الرومانسيّة للقصيدة بوصفها وحيًا إلهيًّا. ولكننا، حين نحدّق مليًّا في عبارته، وحين نعرف بأنه قد مارس الترجمة الشعريّة بنفسه، نعرف المقصد العميق الذي يذهب إليه، لا يستطيع ترجمة الشعر ترجمةً بديعة إلّا من كان شاعرًا، وليس بالضرورة أن يكون ‘الشاعر’ هو ذاك الذي يمارس كتابة الشعر”.

إشكاليات الترجمة

العديد من الإشكاليات لا تنفصل عن ترجمة الشعر، فالكثير من اتهامات خيانة النص الأصلي توجّه لهذا النوع من الترجمة على وجه الخصوص، وهنا يلفت الخطيب إلى أنه لا توجد سبل مثلى للترجمة، ولا ينبغي أن توجد، فالنظر إلى الترجمة بوصفها “خيانة” للنص الأصلي، أسطورة من أساطير الترجمة الشائعة. لا تفقد القصيدة الجيّدة شيئًا من “شعريّتها” في الترجمة البتّة. قد تفقد بعض سماتها الشكلية، كالموسيقى، على سبيل المثال؛ ولكنّ الصور الشعريّة الجميلة (وهذا هو الأساس) لا تضيع في الترجمة الجيّدة.

لا توجد سبل مثلى للترجمة، ولا ينبغي أن توجد، فالنظر إلى الترجمة بوصفها {خيانة} للنص الأصلي، أسطورة من أساطير الترجمة الشائعة. لا تفقد القصيدة الجيدة شيئا من {شعريتها} في الترجمة البتة. قد تفقد بعض سماتها الشكلية، كالموسيقى، على سبيل المثال؛ ولكن الصور الشعرية الجميلة (وهذا هو الأساس) لا تضيع في الترجمة الجيدة

وعن معايير وحدود مفهوم “الأمانة” في ترجمة النص الشعري، يقول الخطيب “ربّما أكثر معايير الأمانة في الترجمة هو الحفاظ على أسلوب الكاتب -سواء في ترجمة الشعر، أو الرواية، أو أيّ عمل آخر- مهما بدا هذا الأسلوب ‘غريبًا’ عمّا ألفه الترجمان، أو بعيدًا عن ‘الذائقة’ اللغويّة السائدة ، و’أعرافها’، في اللغة التي ينقل إليها. فكثير من الترجمانات، عندنا، يلجأون إلى ما يسمّى بـ’التّعريب’ في محاولة قسرية منهم إلى إيجاد نسخة ‘عربيّة’ من النص الأصلي، وهذا لعمري ‘خيانة’ ما بعدها خيانة. فكثيرًا ما نسمع عبارة ‘لو كان المؤلف يكتب باللغة العربيّة، فكيف كان سيقول هذه العبارة أو تلك’ تبريرًا لتشويه أسلوب الكاتب من طرف الترجمان. لذا، بالنسبة إليّ على الأقل، يتوجب على الترجمان أن يحافظ على أسلوب الكاتب، بأقصى درجات الأمانة الواجبة، أن يحافظ على خصوصيّته اللغوية، على طريقته في بناء الجمل، وعلى أسلوبه في التقديم والتأخير، على أسلوبه في خلخلة البنى اللغوية السائدة في لغته التي يكتب بها، إن كان يلجأ إلى ذلك، حتى وإن كان الكاتب يلجأ، مثلًا، إلى التخلي عن علامات الترقيم أو إلى بناء جمل طويلة بلا أيّ تسلسل منطقي بينها، يتوجب على الترجمان ‘الأمين’ أن يحافظ على ذلك، لا أن يلجأ بحجة ‘التعريب’ إلى نسف أسلوب الكاتب متعذرًا بأن ذلك لا ‘يحتمل’ في اللغة العربيّة التي ينقل إليها”.

ويستطرد “يتوجب عليه أن يحافظ على ذلك كلّه، فالكتابة أسلوب لغويّ أوّلا وأخيرًا، حتى وإن بدت هذه ‘المحافظة’، بالنسبة إلى الذائقة السائدة، ‘ركيكة’ أو ‘غير مقبولة’. فقد يصبح ما هو ‘ركيك’ و ‘غير مقبول’، اليومَ، جزلًا ومقبولًا في قادم السنين”. ويتابع الخطيب قائلا “من معايير الأمانة، أيضًا، ألّا يعمد الترجمان إلى حذف أيّ شيء من عمل المؤلف الأصليّ بحجة التقاليد والأعراف السائدة؛ فإما أن ينقل الكتاب كلّه، أو يتم التخلي عن ذلك. الترجمة الأمينة لا تكون انتقائيّة البتّة، ولا تسقط معاييرها الأخلاقيّة على النصّ المترجم أبدًا، ولا تنزع البتّة إلى ‘مسخ’ أسلوب الكاتب مأخوذة بخرافة ‘التعريب’. فلا تكمن ‘أمانة’ الترجمان في حدود نقل المعاني فحسب، وإنما في موقفه من اللغة.

وفيما يتعلق بالصعوبات التي تواجهه في ترجمة الشعر، ومعاييره في اختيار نصوص بعينها لترجمتها، يقول الشاعر الأردني “لا أستطيع ترجمة الشعر الذي لا أحبّه. علاقاتي بالنصوص علاقة عشق بالدرجة الأولى. أكثر صعوبة تواجهني في الترجمة تتعلق بالقدرة على إيجاد ‘أجمل الكلمات في أجمل نسَق’. لذا، فإنني لا أبحث عن معاني الكلمات فحسب، بل أبحث عن أجمل المعاني لهذه الكلمات؛ ساعيًا- وفق ما أستطيع- إلى العثور على أجمل نسَق. أنجح أحيانًا، وأخفق في أحيان أخرى. ولكنني أظل أشتغل وأشتغل حتى أصل إلى ما أصبو إليه. فالترجمة، أيضًا، صنعة ككتابة الشعر نفسه”.

خطاب القصيدة

وانتقالًا للحديث عن الطُرق المثلى لقراءة القصيدة، يبيّن ضيفنا أن كل من يعتقد بوجود طريقة “مثلى” لقراءة القصيدة -أيّ قصيدة- أو يسعى إلى فرض ذلك، هو واهمٌ. فالقصيدة الجيّدة -على حدّ قول تي. إس. إليوت- تُخاطِب قبل أن تُفهَم. الشعر الجيّد يدلُّ على نفسه بنفسه، ويحدث تأثيره القويّ في نفس القارئ على الفور. لا يحتاج القارئ الجيّد للشعر؛ القارئ اللصيق، إلى أدنى مشقّة تذكر في معرفة القصيدة البارعة من النظرة الأولى.

ويضيف الخطيب “في الحقيقة، إن أكثر ما يشوّه ‘جماليّات’ القراءة هي القوالب الجاهزة. أنت لا تستطيع أن تقرّر سلفًا بأنّك ستقارب هذه القصيدة أو تلك -منذ البداية- وفق نزعة تفكيكيّة، أو بنيويّة، على سبيل المثال؛ أو بأنّك ستقوم بتلك القراءة وفق ‘جدول’ محدّد. وممّا يدعو للأسف أن كثيرًا من النقّاد، لدينا، يقومون بهذا الفعل؛ ولهذا السبب، فإننا نجد بأنّ النقد الرائج للشعر -وللأدب عمومًا- في عالمنا العربيّ، نقد جافّ، لا روح فيه، يجعل القارئ ينفر من الشعر ويبتعد عنه. إنّني حين أقرأ نقدًا في الشعر لأكتافيو باس أو تشارلز سيميك أو روبرت بلاي -على سبيل المثال- فإنني أقرأ، في المقام الأول، لغةً نقديّة باذخة كأنها الشعر في حدّ ذاته؛ حتى بتُّ على قناعة شخصيّة بأنّ النقد المبدع لا يصلح له إلّا الشعراء”. ويشير الخطيب إلى أنه لا وقت معيّن للقصيدة، ولا طقس لديه لاستدعائها. هي تأتي من تلقاء نفسها، ومن ثم يشتغل عليها. “الصنعة” ضروريّة في الشعر؛ ولكنها تالية على “الشرارة” الأولى، وليست سابقة عليها.

أغلب دور النشر تعزف عن نشر الشعر المترجم بحجّة أنه لا يباع. لذا، نرى غالبية المترجمين يهرعون نحو الرواية، لأنها مطلب الناشرين

وعن مصادره في كتابة الشعر يقول الخطيب “أنا إجمالًا مفتون باللغة الباذخة، ولذلك أجد نفسي دائمًا أقرأ في الكتب السماوية (القرآن والتوراة والإنجيل) فهي، بالنسبة إليّ، خلاصة اللغة. أقرأ فيها دائمًا، بحثًا عن الشعريّ فيها؛ عن الإيقاعات الهادرة، والصور التي تحبس الأنفاس. كما أنني ‘مدمن’ على القراءة في معاجم اللغة العربية القديمة. فثمة شعريّة عظيمة ثاوية هناك. أستطيع القول بأنني أميل إلى قراءة النصوص اللغوية الباذخة أكثر من غيرها. حتى في الشعر، فإنني أجد نفسي ميّالة إلى ‘اللغة العالية’ أكثر من ميلها إلى الصور الشعرية. أكثر ما أمقته هو ‘الثرثرة الشعريّة’.

وللأسف فإن كثيرًا ممن يكتبون قصيدة ‘التفاصيل اليوميّة’ هذه الأيام، يبتعدون عن اللغة، ظنًا منهم بأنّ القصيدة هي صورة فحسب. فقصائد يانيس ريتسوس -أعظم من كتب هذا النوع من القصائد- هي قصائد لغة في المقام الأول، قبل أن تكون قصيدة صور شعريّة”. ويلفت الخطيب إلى أن الشاعر الحقّ لا يظل حبيس برجه العاجيّ، بعيدًا عن الواقع الذي يعيش فيه. فالشعراء -كما وصفهم شيلي- هم المُشرِّعون الحقيقيّون.

ترجمة خجولة

وعن راهن الشعر وترجماته في الوطن العربي، يشير الخطيب إلى أن ترجمة الشعر في الوطن العربيّ خجولة. فأغلب دور النشر تعزف عن نشر الشعر المترجم بحجّة أنه لا يباع. لذا، نرى غالبية المترجمين يهرعون نحو الرواية، لأنها مطلب الناشرين. ففي عالم يتحكّم فيه التجّار الجشعون، لا مكان للشعر. ويرى الخطيب أن ترجمة نص شعري لا تقل صعوبة عن صناعة نص من العدم؛ فكلاهما واحد برأيه؛ فالترجمة خلق من عدم. فكما أسلفت؛ القصيدة النهائيّة، في الترجمة، هي من صنع المترجم، إنها قصيدته هو.

وردًا على سؤالنا له عن دور الترجمة في خلق تفاعل حضاري وبناء الجسور بين الثقافات، يجيب الخطيب “أنا شخصيًا لا أومن بالأدوار. فأنت حين تترجم نصًا ما، فإنك تترجمه لأنك تحبّه في المقام الأول، وليس لدور محتمل يمكن أن يلعبه هذا النص أو ذاك. ولكن، نعم، تساهم الترجمة الجيّدة في أن ‘نُطِلَّ’ على ثقافات الشعوب المختلفة، وتجعلنا نتفاعل ‘جماليًّا’ -بشكل أو بآخر- مع هذه الثقافات، ولكنّ الترجمة، وحدها، لا تكفي لهذا التفاعل. فكيف نستطيع أن نمدّ جسورًا ‘حقيقيّة’ مع الثقافات الأخرى المنفتحة على الإنسانيّة جميعها، فيما نحن غارقون في مستنقعات التطرف والتكفير والانغلاق؟ هل نستطيع أن ‘نتفاعل’ مع تلك الثقافات التي تعلي من قيمة الإنسان وتنتصر لقيم العدالة والحريّة، ونحن لا نزال قابعين في كهوف ذواتنا المتورّمة التي لا تعرف سوى المصالح الضيّقة والرقص على الحبال؟ هل نستطيع أن نتفاعل، بشكل حقيقيّ، مع الفكر الإنسانيّ والطغاة جاثمون على صدورنا في كل مكان؟”.

كاتبة من مصر

14