تحصين الطالب الأجنبي نفسيا يؤهله لاستيعاب أي صدمات ثقافية

تواجه الطالب الأجنبي العديد من المشاكل التي تحول دون تحقيقه النجاح في مسيرته التعليمية، وإلى جانب المشاكل المادية التي تعترضه من تكاليف دراسية عالية ومشاكل الإقامة والسكن الجامعي وآفاق العمل بعد التخرج، يعيش الطالب مشاكل نفسية قد تكون الأصعب بينها جميعا لطبيعتها المعقدة وصعوبة إيجاد حلول سهلة ومباشرة لها وهي العجز النفسي الذي يعيق الطالب عن الاندماج في محيطه الجديد في بلد الإقامة ومع زملائه من إطارات وأساتذة في الجامعة بسبب عدم قدرته على قبول الاختلاف الثقافي وعجزه عن الانسجام مع الآخر وهو ما يطلق عليه الصدمة الثقافية.
الثلاثاء 2016/04/05
تدوين نقاط التلاقي

لندن- تعرف الصدمة الثقافية بأنها تأثير الانتقال الذي يعيشه شخص انتقل من موطنه إلى بلد آخر يختلف عنه في العديد من السمات والخصائص منها الدين والعادات والتقاليد والسلوك والقيم المجتمعية إلى جانب اختلافات اللغة والطعام واللباس والبيئة والمناخ…

هذه الاختلافات تؤثر في أي شخص مغترب، وهو أمر يمس الطلبة الأجانب أكثر من غيرهم لعوامل عديدة أهمها صغر السن وبالتالي نقص التجربة في الحياة التي قد تؤدي إلى عدم قبول الاختلاف بسهولة، ومن ثم من شأن ذلك أن يؤثر في السبب الذي جعله يختار الاغتراب أي الدراسة وما يتطلبه النجاح فيها من راحة نفسية تتيح للطالب فرصة التركيز عند تلقيه الدروس وكذلك تمكنه من تحقيق أعلى درجات التواصل والتفاهم والانسجام خاصة في الفضاء التعليمي ليتمكن من بلوغ درجة الاستيعاب المطلوبة.

وينبهر الكثير من الطلبة العرب خاصة الذين لم تتح لهم فرص السفر والتعرف على بلدان وثقافات مختلفة الفوارق الكبيرة بين ثقافات بلدانهم وبين ثقافة بلد الدراسة خاصة إذا كان من إحدى الدول الأوروبية والأميركية التي تختلف كثيرا عن الدول العربية في الدين واللغة والمناخ ونمط المعيشة وغيرها. هذا الانبهار والقيام بالمقارنات بين ما اعتاده في بلده وبين الجديد المغاير في بلد الدراسة يجعل الطالب يعيش صدمة ثقافية تختلف تأثيراتها ومداها باختلاف الشخصيات، لكن الثابت أنها تترك آثارها في مسيرته التعليمية والمهنية في ما بعد.

وعموما كلما طالت فترة الصدمة والانبهار كلما تأخر الطالب في الاندماج والانسجام مع محيطه الجديد خاصة إذا توفرت صعوبات تعوق هذا الانسجام مثل عدم اتقانه للغة التخاطب والدراسة ومثل رفضه اللاواعي لتقبل الواقع والتعامل بشكل إيجابي مع وجوه الاختلاف.

كلما طالت فترة الصدمة والانبهار كلما تأخر الطالب في الاندماج والانسجام مع محيطه الجديد

كما أن التأخر في الاندماج في الوسط الاجتماعي وخاصة في الوسط الجامعي مع الزملاء من الطلبة أو مع الإطار الإداري وهيئات التدريس يعطل التحصيل العلمي للطالب وبالتالي فإن فرصه في النجاح تتضاءل وقد يكون عرضة للرسوب وخسارة عامه الأول في الجامعة. وفي حالات أفضل يتمكن الطالب من التغلب على هذه الصدمة فلا يخسر الكثير من وقته حتى يتقبل الواقع الجديد ويتخلص من المشاكل والضغوط النفسية بسرعة ومن صعوبات الاندماج في المجتمع وكذلك في الفضاء الجامعي فيربط علاقات طيبة مع زملائه الطلبة ومع أعوان الإدارة والتسيير في الجامعة وكذلك مع الأساتذة.

وعندما يتحقق الإندماج والإنسجام فإن حصول الطالب الأجنبي على المساعدة اللازمة لفهم واستيعاب المواد الدراسية يصبح أسهل خاصة في وسط اجتماعي يعتبر فيه غريبا وبالتالي يضمن لنفسه مسيرة دراسية تتوفر فيها حظوظ أوفر للنجاح، ولم لا تّفتح له آفاق العمل في بلد الإقامة؟

وتكشف آخر التقارير التي تهتم بحياة الطلبة الأجانب أن غالبيتهم غير مستعدة للصدمة الثقافية وأن هذا لا يخص فقط الطلاب العرب في الدول الأوروبية والأميركية بل إنه مشكلة تواجه كل طالب أجنبي مهما كانت جنسيته، فالابتعاد عن المنزل يمكن أن يكون أمرا شاقا.

وفي مقال لصحيفة الغارديان البريطانية كتبت إيما لاغاردي وهي إحدى الطالبات الأجانب في جامعة ستيرلينغ في إسكتلندا أنها بعد أن انتقلت من أمستردام للدراسة بدأت تدرك أن عددا قليلا من التفاصيل التي تبدو ثانوية وغير هامة بدأت تفقدها توازنها، وتقول “كنت أعاني من صدمة ثقافية طفيفة”، ولكن لم أكن أتوقع أن الحياة الطلابية في إسكتلندا قد تختلف عن موطني الأصلي هولندا. ورغم كل شيء، نحن نشاهد نفس الأخبار والبرامج التلفزيونية على الإنترنت”.

عندما يتحقق الاندماج فإن حصول الطالب الأجنبي على المساعدة اللازمة لفهم واستيعاب المواد الدراسية يصبح أسهل

وأضافت “في السنة الأولى، سرعان ما اكتشفت أن لغتي الإنكليزية ليست جيدة كما كنت أعتقد، فقد ولد معظم شركائي في السكن في إسكتلندا وعاشوا فيها، لذلك وجدت نفسي في حاجة إلى أن يكرر الناس ما يلفظونه من كلمات بلهجتهم الإسكتلندية لأفهمها، وكنت طوال الوقت ألفظ الأسماء والأماكن بشكل خاطئ… كما أنني كنت أخلط بين بعض الأمور الثقافية الصغيرة. وللتسلية أخذني اثنان من شركائي في السكن إلى حفلات عيد الميلاد لأكتشف أن فطائر اللحم المفروم لا تحتوي في الواقع على لحم البقر المفروم”.

وتؤكد لاغاردي أن حاجز اللغة زاد من صعوبة حياتها، فمثلا استعمال وسائل النقل العام، واجهت فيه مشاكل كبيرة حيث جعل النقص في توفر المعلومات حول أسعار الحافلات وكيفية الحصول على التذاكر، رحلة بسيطة لا تستغرق 15 دقيقة تتحول إلى مهمة شاقة بالنسبة إليها.

أما ايومي كريستوف، فهي طالبة من من ميونخ، تدرس علم النفس في جامعة ستيرلينغ وتقول إنها تناضل لملاحقة وسائل النقل العام، وعندما وصلت لأول مرة كانت المعلومات شحيحة حتى عن وسائل النقل العام حيث لم تكن تعرف حتى كيف يتم شراء تذكرة الحافلة، وتضيف بعد ذلك “اضطررت إلى التكيف مع الحياة الاجتماعية الجديدة، وفوجئت بالثقافة الموجودة في الحرم الجامعي، على خلاف تلك التي في هولندا. كل شيء مختلف هنا، ويظل الحل الأنسب لتحقيق الانسجام وقبول كل شيء هو بذل القليل من الجهد”.

وتدرس ايميار مكارثي علم النفس الرياضي في ستيرلينغ، وهي أصيلة أيرلندا وتقول “يمكن أن تحدث الصدمة الثقافية رجة في البداية. ولكن يكفي بعض الوقت حتى يتأقلم الطالب الأجنبي ويبدأ في التعود على كل الاختلافات”.

17