تحصين المغرب من التطرف دافع لإصلاح ديني شامل

يمر المغرب بطور مهم من حياته السياسية والاجتماعية والثقافية داخل منظومته، وهو طور يتسم بتحمل المملكة مسؤولية النجاحات التي تسجلها في مستوى الحفاظ على الاستقرار الديني وبناء الحصون الثقافية الشعبية ضد أي اختراق محتمل من الجماعات الإسلامية والخلايا الإرهابية. وتعتبر القرارات الملكية الأخيرة في تجديد مناهج التعليم الديني خطوة أخرى في اتجاه بناء النموذج المغربي المشع.
الجمعة 2016/02/12
تحصين المستقبل من الخرافات والتشدد

الرباط - أعلن العاهل المغربي في الأيام الماضية عن إجراءات جديدة اتخذها على مستوى تعليم المواد الدينية في المدارس، وقد أكد من خلال تلك التدابير أن الإسلام الذي يجب أن يدرّس في المناهج المغربية هو الإسلام الحقيقي، الدين الذي بعث للتفكير والعقلانية والتناغم الاجتماعي.

وتعكس هذه الرؤية تمسكا بتحييد الدين عن أي خطر للتوظيف السياسي، واستعماله لإثارة الفتنة الناجمة عن اختزال الإسلام في تنظيم أو أشخاص، وأيضا عن التمايز بين الجماعات الدينية عبر التكفير.

ولا شك أن قرار تعديل مناهج التعليم الديني بالمغرب الذي أمر به العاهل المغربي نابع من إدراك أهمية هذه المناهج في مكافحة التشدد الديني، وهو التشدد الذي يؤدي مباشرة إلى شحن فئات عديدة من المجتمع عبر الخطاب وتطويع تلك الجماهير لصالح أهداف سياسية مغلفة بالدين، فالإصلاح التعليمي بذلك يأتي لتحصين الفكر الشعبي المغربي ضد أي محاولة لاختراقه.

ويؤكد إدريس الكنبوري، الباحث في الجماعات الإسلامية، في حديثه لـ“العرب”، أن التشدد يتغذى من ركام من المفاهيم الدينية الخاطئة التي تنتقل عبر الأفراد إلى المجتمع من خلال المؤسسة التعليمية، التي تلعب دورا مهما في إعادة إنتاج هذه المفاهيم بين الأجيال المتعاقبة. وباعتبار أن المدرسة هي مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، أي لتكييف الأفراد مع المجتمع وإدماجهم فيه، وكونها مؤسسة للتنشئة الدينية أيضا، يقول إدريس الكنبوري، إن “الدولة المغربية أدركت خطورة المدرسة في التنشئة الدينية السلبية”، بما يعنيه ذلك من خطورة التمهيد لمناخ يمكن للجماعات الإسلامية المتطرفة أن تنمو فيه.

المناهج الدينية التقليدية تحمي التفسير المتحجر الذي تتبناه الجماعات الإسلامية لذلك وجب التجديد

وأشار الباحث المغربي، إلى أن قضية إصلاح مناهج التعليم الديني بالمغرب تندرج ضمن استراتيجية أوسع هي إصلاح التعليم في البلاد، وقد تم تشكيل المجلس الأعلى للتعليم لهذا الهدف، لذلك فإن إصلاح مناهج التعليم الديني جزء من هذا المشروع المتكامل. وقد شرع المغرب منذ أكثر من عشر سنوات في إعادة هيكلة الحقل الديني، من خلال وضع تشريعات خاصة بالمساجد والخطابة والوعظ والإرشاد، وتكوين المرشدين والأئمة، وتوسيع المجالس العلمية وغيرها من الإجراءات، ويأتي إصلاح مناهج التعليم الديني اليوم بوصفه استكمالا لهذه الورشات التي فتحت منذ سنوات.

تؤكد آراء خبراء في مجال التعليم الديني في المغرب أن للإجراءات الملكية الأخيرة دواعي حقيقية دفعت المؤسسة الملكية إلى انتهاج استراتيجية التعديل في تلك المناهج، فالدعوة إلى إعادة النظر في مناهج التعليم الديني بالمغرب نقدا وتجديدا وانفتاحا على الحداثة، تحكمها اعتبارات أهمها أن “التعليم الديني في المغرب وباقي بلدان العالم الإسلامي يقدّس كتب التراث وآراء الفقهاء والمحدثين والمفسرين أكثر مما يقدّس كتاب الله وسنة نبيه الثابتة بالشرع والعقل، وكون التراث الإسلامي الفقهي والكلامي انحرف عن الوحي انحرافا كبيرا، لأنه يقوم على التأويل الخاطئ لآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي العظيم، وهو تأويل متأثر بأوضاع المسلمين الأوائل سياسيا وعسكريا واجتماعيا”، حسب تصريح الباحث محمد ابن الأزرق خريج دار الحديث الحسنية المغربية لـ“العرب”.

ويؤكد الباحث أن التغيرات الإنسانية الحاصلة في مجالات التواصل والبحوث العلمية والتنظم المجتمعي قد فاقت كل التصورات، بشكل يجبر الجميع على التماهي مع تلك التطورات كي لا يفوت الركب الإنساني حياة الشعوب وطاقاتها، وأشار ابن الأزرق إلى أن “المناهج الدينية التقليدية تحمي التفسير المتحجر الذي تتبناه الجماعات الإسلامية، والذي يساعد على زرع بذور التطرف الفكري في عقول أبنائنا مما يجعلهم لقمة سهلة للحركات الإرهابية المارقة من كل شريعة وقانون”.

ومن جهة ثانية أكد محمد ابن الأزرق أن “مؤسساتنا التعليمية لا تزال معتمدة على آليات تقليدية منفصلة عن التطور الهائل الحاصل على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي، فهي تقوم على التلقين ولا تنفتح على الشباب من خلال الوسائل الحديثة التي يحسنون التعامل معها”.

الوحدة الترابية للمملكة تستمد مشروعيتها من الوحدة الدينية لها

ومن الناحية العملية، فإن حزمة الإصلاحات التي أعلن عنها العاهل المغربي في مجال الإصلاح التعليمي الديني، تؤكد في هذا التوقيت والمكان الذي أعلنت منه وهي مدينة العيون الجنوبية، أن المغرب دولة متحصنة دينيا ومنسجمة سياسيا بشكل جعل من اختراق مجتمعها أمرا صعبا للغاية، وهذا ليس جديدا على المغرب منذ أن جاء العثمانيون الأتراك إلى منطقة المغرب العربي وعجزوا عن إخضاع المغرب لهيمنتهم.

وفي السياق، قال الباحث إدريس الكنبوري لـ“العرب” إن ذلك يعد إشارة قوية إلى الوحدة الترابية للمغرب من خلال الوحدة المذهبية، موضحا أن إعلان الملك لهذا القرار من مدينة العيون، كبرى مدن الأقاليم الجنوبية، هو رسالة واضحة إلى مختلف الجهات، داخليا وخارجيا، مفادها أن الوحدة الترابية للمملكة تستمد مشروعيتها من الوحدة الدينية لها، مضيفا أنها “رسالة واضحة في اتجاه أن محاربة النزعات الانفصالية يجب أن تعتمد على بناء حصانة دينية، خصوصا وأن المنطقة أصبحت مهددة بالجماعات المتطرفة، وأن هناك خيوطا تربط هذه الجماعات بجبهة البوليساريو بسبب تقاطع المصالح”.

وأشار الكنبوري إلى أنه لا يوجد ما يمنع غدا من أن يرتمي الانفصاليون في أحضان هذه الجماعات الإرهابية.

13