تحصين الهوية أم إقبارها؟

كل ما يفعلونه تحديداً هو أنهم يمسحون الأرض والذاكرة من كل أشكال الهوية، ثم يزعمون في المقابل أنهم يدافعون عن هوية افتراضية تسمى بـ”الإسلام”، هكذا بلا ملامح، بلا فنون، بلا ألوان، بلا أنغام، بلا ثقافة، بلا ذاكرة، بلا آثار.
الأربعاء 2018/08/15
حصانة ضد التطرف

“حاميها حراميها”، مثل شائع ومعروف لدى شعوب المنطقة. وهو يصدق على العديد من الحالات التي يكون فيها حماة الشيء هم الخطر الأكبر عليه.

أمثلة التاريخ كثيرة، ونعرف العشرات من الحكايات الشهيرة حول "مكر الحماة بالمحميات"، من قبيل مكر حماة الدين بالدين، ومكر حماة السلطان بالسلطان، ومكر حماة الوطن بالوطن، ومكر حماة الثورة بالثورة، وفي مجمل القول، مكر حماة المعبد بالمعبد.

مقصود القول إن من بين الخدائع المؤسسة للإسلام السياسي هناك فكرة رائجة تزعم بأن الحركات الدينية التي لا تُعنى بالفنون الجميلة إن لم تكن تحرمها، لا تعنى بالفولكلور الشعبي إن لم تكن تحاربه، لا تُعنى بالتراث الموسيقي أو الغنائي أو المسرحي الوطني إن لم تكن تسعى إلى تدميره، ولا هي تعنى بحماية مظاهر الثقافة اليومية والمتوارثة عن الآباء والأجداد، من قبيل أساليب الطبخ المحلي، وأنماط اللباس المحلي، وأشكال المعمار المحلي، ومختلف الحفلات والأعراس المحلية، بل تبخس ذلك كله إن لم تكن تعمل على اجتثاثه من جذوره بدعوى محاربة البدع، ودرء الشبهات، إلا أنها رغم ذلك كله تبقى هي المدافع الأول والأخير عن هوية الشعوب المسلمة ضد خطر “الانسلاخ عن الهوية”، وضدّ “آفة التغريب”، وما إلى ذلك من ادعاءات انطلت بالفعل مثل الخدعة البصرية على ملايين المسلمين! ويا للغرابة، ثم يا للغرابة حين تنطلي مثل هذه الحيلة المدمرة على الجموع بلا جهد يُذكر غير الادعاء بالقول.

والحال، إذا لم تكن الهوية التي يزعمون الدفاع عنها تتجلى في تعابير الفنون الشعبية، ومظاهر الاحتفال والفرح والحياة، فأين يمكنها أن تتجلى إذاً؟ وإذا لم تكن الهوية تندرج ضمن ما يمكننا مشاهدته والتفرج عليه بواسطة حاسة العين، وضمن ما يمكننا سماعه والإنصات إليه بواسطة حاسة الأذن، وضمن ما يمكننا أكله وتذوقه بواسطة حاسة اللسان، وضمن ما يمكننا التعطر به واستنشاقه بواسطة حاسة الأنف، وضمن ما يمكننا تلمسه وإمساكه بواسطة الأنامل واليد، فماذا عساها تكون في الأخير؟

إذا لم تكن الهوية تندرج ضمن المظاهر التي تثير في الإنسان مشاعر البهجة والفرح والرغبة في الحياة، فما عساها تكون؟

وإذا لم تكن الهوية ضمن الرموز والعلامات التي ترسخ لدى المجتمع الشعور بالانتماء، وتقوي الارتباط الوجداني بأرض الأجداد، فما عساها تكون؟

إذا لم تكن الهوية التي يزعمون الدفاع عنها تتجلى في تعابير الفنون الشعبية، ، فأين يمكنها أن تتجلى إذاً؟

وإذا لم تكن الهوية تعبيرا عن حوار الإنسان مع الطبيعة والمناخ والتضاريس ونمط الإنتاج السائد، فما عساها تكون؟

ولنعد طرح السؤال، ماذا يفعل حراس الهوية؟ ماذا يفعلون بالضبط؟

كل ما يفعلونه تحديداً هو أنهم يمسحون الأرض والذاكرة من كل أشكال الهوية، ثم يزعمون في المقابل أنهم يدافعون عن هوية افتراضية تسمى بـ”الإسلام”، هكذا بلا ملامح، بلا فنون، بلا ألوان، بلا أنغام، بلا ثقافة، بلا ذاكرة، بلا آثار، بلا محتوى يُذكر غير الفراغ القاتم الذي يعبر في آخر التحليل عن نزعة معادية للحضارة. نعم، إنها النزعة المعادية للحضارة حين تدمر بقايا أنقاض الحضارة، ومن داخل الأنقاض هذه المرة.

ماذا يفعلون؟ يختزلون التراث الإسلامي بأكمله في بعض الفتاوى وصفحات صفراء شاحبة، ثم يقولون: هذه حضارتنا، هذا تراثنا، هذه هويتنا، وهذا كل شيء. ويا للبؤس والضحالة! أين روائع المقامات الموسيقية؟ أين الرباعيات الصوفية؟ أين الخوارزميات الرياضية؟ أين الطبيعيات الفلكية؟ أين البصريات الطبية؟ أين المناظرات الكلامية؟ أين السرديات الأدبية؟ أين الخمريات الشعرية؟ وأين أين؟.. بل أين الإسلام نفسه؟

ولأن الباقي تفاصيل، ولأن التفاصيل هي الأهم في آخر التحليل، سيواصل الإسلام السياسي الأكثر تطرفا المهمة الباقية، فيعمل على تدمير كل الأضرحة، والمزارات، والقباب، والنصب، ومن ثمة يراهن على مسح الأرض من كل الآثار التي تدل على بقايا الذاكرة، وتدل تحديدا على أن الأرض هي أرض الأجداد قبلنا، ومن ثمة أرض الأحفاد بعدنا. وبكل تأكيد، بعد مسح الآثار لن يبقى هناك من حجر على حجر، ولا من أثر يُذكر، غير تصحر روحي يصرون على تسميته بالهوية. إنها الهوية المغدورة في آخر المطاف.

ماذا يفعلون إذا؟

إنهم ليفرغون الصندوق من كل محتوياته النفسية، ثم يشرعون في الدفاع عن الصندوق الفارغ. وإنهم ليقبرون الهوية بدعوى تحصينها.

هل كان الفيلسوف الألماني نيتشه بعيدا عن الصواب حين جعل التجربة الدينية مرادفا للعدمية؟

13