تحطم الطائرة المصرية يطيل أمد الأزمة الاقتصادية في البلاد

جاء حادث الطائرة المصرية المنكوبة التي سقطت في البحر المتوسط وهي في طريقها من باريس إلى القاهرة، ليزيد المخاوف ليس فقط بشأن صناعة السياحة ولكن أيضا بشأن الاقتصاد ككل، خاصة في ظل الوضع العام الذي تعيشه البلاد وفي ظل ما يشهده الشارع المصري من احتقان وغضب شعبي ضدّ مجموعة من السياسات التي اتخذتها الحكومة المصرية.
السبت 2016/05/21
ضغوط تستنزف الاستقرار الهش

القاهرة - تضاف الكارثة الجوية الأخيرة التي طالت قطاع الطيران في مصر إلى سلسلة من الضربات التي تلقاها مؤخّرا اقتصاد البلاد القائم على السياحة، والذي يجهد للتعافي بعد سنوات من الاعتداءات "الجهادية" والاضطرابات السياسية، وتزيد من الأعباء التي باتت تثقل كاهل النظام السياسي وسط اضطرابات الشارع المصري بمختلف أطيافه.

ويعدّ حادث الإيرباص إيه 320، التابعة لشركة مصر للطيران، الحادث الجوي الثالث الذي يتعرض له الأسطول التجاري المصري في أقل من عام، ما يقوض الجهود الساعية إلى استقطاب السياح وإيراداتهم التي تشكل حاجة ملحة، بحسب ما يقول محللون.

وقال مسؤولون إنه من المبكر حاليا تحديد ما إذا كان الحادث ناجما عن “خلل تقني” أو “عمل إرهابي” أدى إلى تحطم طائرة مصر للطيران التي كانت تقوم بالرحلة أم-أس 804 في البحر المتوسط بين جنوب اليونان وشمال مصر، في طريقها من باريس إلى القاهرة. لكن مهما كانت أسباب الحادث الأخير، فالأكيد أنه سيؤثر على مسيرة تعافي الاقتصاد المصري، وفق محللين.

ويرى الخبير الاقتصادي عمرو عدلي، في معهد كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط في القاهرة، أنه “لا شك في أن عودة مصر إلى صدارة العناوين الإخبارية في إطار تحطم طائرة من أسطولها الوطني، مضر جدا”. وأضاف أن “هذا الأمر سيطيل فترة تعثر القطاع السياحي” الذي يعتبر عمود الاقتصاد المصري وقد تضرر في الفترة الأخيرة بشكل كبير جراء سلسلة من الكوارث.

الحادث قد يساهم في التشكيك بالرئيس لأنه تعهد بمكافحة الإرهاب لكن الإرهاب لا يزال يهدد مصادر دخل المصريين

التعافي مؤجل

أسفرت إطاحة الرئيس المصري حسني مبارك في العام 2011 عن سنوات من الاضطرابات السياسية حالت دون استقبال عدد كبير من الزوار الأجانب؛ وارتفع خلالها منسوب التهديد الإرهابي، حيث شن مسلحون إسلاميون هجمات عدة أودت بحياة المئات، معظمهم من قوات الأمن، ولكن أيضا من السياح وبينهم أولئك الذين كانوا على متن الطائرة الروسية التي قال تنظيم الدولة الإسلامية إنه أسقطها بتفجير عبوة مخبأة في علبة صودا، في 31 أكتوبر الماضي بعد دقائق من إقلاعها من منتجع شرم الشيخ على البحر.

وقد أكّد كريم محسن، عضو غرفة شركات السياحة، في تصريحات صحافية أن شركات السياحة في مصر لازالت تعاني من تداعيات حادث سقوط الطائرة الروسية والذي أدى إلى انهيار القطاع السياحي في مصر، مضيفا أن حوالي 16 فندقا أغلقت بسبب حالة الكساد التي سيطرت على القطاع مؤخرا.

ولقوات الأمن أيضا نصيب في قتل سياح أجانب عن طريق الخطأ. إذ قتل ثمانية سياح مكسيكيين في 13 سبتمبر 2015 عندما أغار الجيش المصري على آلياتهم على وجه الخطأ خلال ملاحقته لجهاديين إرهابيين، قائلا إن هؤلاء السياح كانوا في منطقة محظورة. وفي مارس الماضي، قام مصري أراد مقابلة زوجته السابقة بخطف طائرة تابعة لشركة مصر للطيران وأجبرها على تغيير مسارها باتجاه قبرص. لكنّ أحدا لم يتعرض للأذى حينها، واستسلم الخاطف للشرطة بعدما سمح للرهائن بالتقاط صور معه.

وأشار هاني فرحات، كبير الاقتصاديين في سي آي كابيتال في القاهرة، إلى أن “كل هذا يضاف إلى الشعور السلبي تجاه قطاع السياحة المصري”. وأضاف “بالتأكيد، فإن هذا يؤجل أي احتمال للتعافي في العام 2016، بما أن هناك قلقا حيال العائدات السياحية”.

وانخفضت أعداد السياح الوافدين إلى مصر بنسبة 6 بالمئة خلال العام الماضي، مقارنة بعام 2014، فيما بلغ إجمالي السياح الوافدين 9.3 ملايين سائح خلال 2015، مقابل 9.9 ملايين سائح عام 2014، وفقا لإحصاءات وزارة السياحة المصرية.

وتراجعت عائدات القطاع السياحي بنسبة 15 بالمئة عام 2015، كما أن احتياطيات العملة الأجنبية في مصر تتعرض لضغوط شديدة، متراجعة إلى 17 مليار دولار في أبريل بعدما كانت تتخطى 36 مليارا في العام 2010. وخيّبت الحوادث الأخيرة الآمال بأي تعاف في القطاع، الذي كان قد شهد مؤشرات تحسن.

وتدعم هذه الآراء غير المتفائلة كنده شبيب، كبيرة المحللين في يورو مونيتور إنترناشونال، التي أوضحت بدورها أن “عدد الوافدين من البلدان الرئيسية انخفض في العام 2011 وبدأ بالتعافي تدريجا حتى العام 2015. لكن هؤلاء لم يبلغوا أبدا الأداء الذي تم تحقيقه قبل الأحداث”. وأضافت “نعتقد أن الأحداث الأخيرة ستخفض سقف طموحات الحكومة المحلية بتحقيق هدفها، وهو استقبال 20 مليون سائح أجنبي بحلول العام 2020”.

تداعيات الأزمة

ذات التوجه تبناه الخبراء الاقتصاديون في مجلة نيوزويك الأميركية، الذين أشاروا إلى أن حادث سقوط الطائرة المصرية يزيد المخاوف من تراجع النسق الاقتصادي الذي سجّل في الفترة الأخيرة عودة للنمو بعد مرحلة صعبة في السنوات التي تلت ثورة يناير، مسجّلا نموا فاق 4 بالمئة بعد أن كان 2 بالمئة في العام 2014.

واستطاعت مصر، وفق تقرير نيوزويك، أن تحقق تقدما في إصلاح الضرائب والحد من نظام الدعم غير الفعال، وقامت بمحاولات أيضا لتحسين البنية التحتية البشرية والمادية، كما حصلت على مساعدات واستثمارات خارجية، خصوصا من المملكة العربية السعودية. لكن ظلت المشكلات الأكبر قائمة، على المستوى الاقتصادي والأمني والسياسي.

الأحداث الأخيرة ستخفض سقف طموحات الحكومة في تحقيق هدفها، وهو استقبال 20 مليون سائح أجنبي بحلول العام 2020

وعلى المستوى الاقتصادي مازالت مصر تعاني نقصا شديدا في العملة الأجنبية والحاجة إلى تحسين الإنتاج والتنافسية الدولية، كما أن عليها أيضا أن تسيطر على معدل التضخم الذي تجاوز 10 بالمئة. وعلى المستوى الأمني، شهدت البلاد عدة حوادث إرهابية زادت من سوء الوضع، ودفعت الحكومة إلى تشديد قبضتها الأمنية.

وسيشعر النظام المصري بتداعيات هذه الأزمة، خاصة في ظلّ تراجع زخم الأحزاب والقوى السياسية الناشطة على الساحة وزيادة الاحتقان في الشارع المصري الذي شهد في الفترة الأخيرة عدّة حوادث، على غرار تكرار الأخطاء الأمنية في العديد من الأزمات التي مرت بها مصر في الفترة الأخيرة والتصادم بين وزارة الداخلية ونقابة الصحافيين، وسلسلة الحرائق التي اندلعت في أكثر من منطقة بمختلف أنحاء البلاد وسببت خسائر لا يستهان بها، ولا يزال سببها مجهولا.

ويرى مصطفى كامل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أن هذه الحوادث فقد تساهم في التأثير سلبا على حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي”، وأضاف “أن الرئيس المصري حصد شعبية واسعة بعد الإطاحة بمرسي، وقد تعهد بمكافحة الإرهاب واستعادة الأمن، لكن الإرهاب مازال يؤثر على الاقتصاد المصري ويهدد مصادر دخل الشعب المصري”.

وكانت الدولة المصرية كلما تعرضت لحادث يثير الرأي العام، يطفو على السطح الكلام عن وجود مؤامرة تستهدف الأمن والاقتصاد والنظام الحاكم برمته، وهي فرضيات تلجأ إليها غالبا السلطة أو دوائر قريبة منها للتخفيف من وطأة الأزمة، فيما يؤكد المعارضون أن تكرار الفشل في معالجة المشكلات يدفع إلى الارتكان للاستسهال والاستعانة بهذه النظرية.

6