تحطيم أصنام جماعة الإخوان بالدراما التلفزيونية

دحض مقولات التيارات الإسلامية وتفنيد حججها لا يجب أن يعتمدا فقط على الفضاءات المعتادة من صحف وكتب ومحاضرات، بل يجب أن يتصديا لذلك باقتحام مجالات جديدة أقرب إلى المتلقي العادي وإلى فهمه، ولعل قدرة وسائل الإعلام هنا لا تحتاج، إلى إثبات إلا أن للأعمال الدرامية التي تعرض خلال شهر رمضان إمكانيات واسعة للنفاذ إلى فئات واسعة من الرأي العام. مسلسل “الجماعة” تقصّد استعراض تاريخ جماعة الإخوان بما احتواه من سجل زاخر بالعنف والاغتيالات والصراعات وإدارة الظهر للوطن، عينة على هذا المثال الفني المحارب للإخوان وللتطرف.
الأربعاء 2017/05/31
تاريخ من العنف والعداء للدولة

تقدم الكثير من الفضائيات المصرية خلال شهر رمضان وجبة سياسية واجتماعية دسمة، لكن أكثرها إثارة مسلسل الجماعة 2، الذي كتبه المؤلف وحيد حامد، موثقا تاريخ جماعة الإخوان منذ تأسيسها، ومعالجا حقبة الفراغ الذي خلفه مقتل حسن البنا مؤسسها، والذي استمر ثلاث سنوات، ومستقصيا أسرار وخبايا مرحلة تولّي المرشد الثاني حسن الهضيبي مسؤولية الجماعة، وصولًا إلى محاكمات تنظيم عام 1965 الذي حاول الانقلاب على حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

الملاحظ في سرد هذه الأحداث دراميا وسياسيا أن هناك تشابها كبيرا بين الفترة التي يعالجها هذا الجزء وواقع الإخوان اليوم في مصر، منها انتقال القيادة إلى الصف الثاني وازدياد نفوذ القيادات الشابة الداعية إلى الصدام المسلح وبروز التيار القطبي الانقلابي وانقسام الجماعة بين جبهتين متصارعتين، علاوة على التحدي الذي صبغ العلاقة بين قيادة الجماعة وقيادة الدولة.

وجد البعض من المؤرخين أن جماعة الإخوان تصبح أخطر ما تكون حال غياب قيادتها ليصبح التنظيم بلا قائد محدد وواضح، وعللوا ذلك بكثرة الاضطرابات والاغتيالات وجرائم العنف خلال السنوات التي أعقبت اغتيال البنا ومرحلة الهضيبي، وهو ما ينطبق على حال الجماعة في الوقت الراهن، بغياب قيادة الجماعة سواء بدواعي الهروب أو السجن أو الموت.

يقدم المسلسل قضية توظيف الإخوان من قبل السلطة، في إشارة إلى أن الحضور السياسي للإخوان في مختلف الحقب ليس من منطلق قوة ذاتية، فالذي أتاح للجماعة الحضور والاستمرار في المشهد لما يقارب المئة عام هو مصالح بعض الأطراف السياسية للحد من نفوذ خصم سياسي آخر، وهو ما أنقذ الجماعة من الزوال سواء في العهد الملكي قبل وبعد مقتل البنا أو في عهد الرئيس الراحل أنور السادات عندما أنقذهم من الانهيار المحتم للاستعانة بهم ضد خصومه من تيار اليسار السياسي.

وعرض المسلسل في إحدى حلقاته تردد الملك فاروق في حسم مصير الإخوان بالتعاون مع حكومة إبراهيم عبدالهادي، على خلفية نصيحة مستشاره علي ماهر في استخدامهم ضد الوفد خصم الملك السياسي بغرض تقليل نفوذه وإعاقة سيطرته على الساحة، وكانت آخر انتخابات برلمانية أجريت في العهد الملكي في يناير 1950 واكتسحها الوفد بنسبة 87 بالمئة مما أثار فزع القصر الملكي.

وظن مستشارو الملك أن مشاغبات الإخوان تنتهي بتولي مرشد للجماعة يدين للقصر بالولاء، فكان المستشار حسن الهضيبى الذي طرح اسمه كرجل المرحلة لعقد المصالحة بين الإخوان والحكومة ومحو سبة الجماعة الإرهابية عن الإخوان بوصفه رجل قضاء وقانون.

اجتهاد الملك في أن يكسب الإخوان لصفه قابله الهضيبي باستخفاف، وكان يراه ضعيفا لا يستحق أن يقف إلى جواره، وتخلى عنه الإخوان وساندوا ثورة 1952، ظنا منهم أنهم سوف يحكمون من الظل بتوجيه بعض الضباط صغار السن والتحكم في قراراتهم.

يستدل دارسو تاريخ جماعة الإخوان على كونها غير موثوق بها ببيعة حسن البنا التي أعطاها للملك وإشادته بوطنيته وخروج أعضاء الجماعة إلى الشارع هاتفين بحياته مقابل هتاف الوفد ضده، وهو ما لم يمنع الجماعة من الانقلاب عليه لاحقا ولم يحل دون خيانة الهضيبي له، على الرغم من أنه صاحب الفضل في تعيينه مرشدا رغما عن إرادة التنظيم الخاص بقيادة عبدالرحمن السندي.

تحول عبدالناصر من خندق الحليف والصديق إلى خندق الخصم العنيد بعد أن اختار الهضيبي النزاعَ إلى النهاية، وهدفه كان السيطرة على السلطة من خلال جماعة الإخوان، لذلك قاد تيارا داخل الجماعة للتمرد على الثورة وعلى حكومة عبدالناصر الذي كان صديقا للجماعة وسعى للتوافق معها.

عرض ممارسات الإخوان ضد خصومهم يرسخ نظرة المجتمع للجماعة كونها لم تتطور أو تغير من أساليبها ومناهجها

التيار الداعم لفكرة التكامل والتصالح مع عبدالناصر والثورة، رفع مذكرة لقيادة الجماعة، معددا فيها ما قدمه الرئيس ناصر للإخوان، حيث ألغى جميع الأحزاب وأبقى على الجماعة وأفرج عن المسجونين منهم حتى المحكومين في قضايا التفجيرات والمتهمين في قضية مقتل النقراشي باشا، بل إنه حاكم قتلة البنا، وعندما رفض المرشد جمعوا توقيعات لخلعه.

يعالج الجزء الثاني من المسلسل الأحداث المثيرة التي تخللت الصراع بين عبدالناصر والإخوان وكيف تعامل الهضيبي معه من موقع الند للند، كما يستفيض في عرض دور سيد قطب وزينب الغزالي في قيادة تيار التمرد، كاشفا عن الدوافع النفسية والشخصية لمن تصدروا مشهد الجماعة، علاوة على منهجها وتصوراتها الدينية ومطامعها في السلطة.

خالد الزعفراني الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أوضح أن المسلسل يكشف حقيقة شخصيات وُصفت في تاريخ الإخوان بالإصلاحية، كشخصية الهضيبي الذي لم يحلّ النظام الخاص كما هو شائع إنما سعى لتأسيس نظام آخر يأتمر بأمره.

وكشف الزعفراني لـ”العرب” أن الهضيبي سعى للانقلاب على عبدالناصر قبل سيد قطب بإفشال مساعي الصلح معه من داخل الجماعة وبترسيخ نفوذ خلايا مسلحة داخل الجيش تابعة للإخوان، علاوة على النظام الخاص الذي شكله ليواجه به النظام الخاص القديم للجماعة وعبدالناصر معًا.

ورأى البعض من المراقبين أن ما يعرضه المسلسل من وقائع شبيه بحال الجماعة بعد عزلها عن السلطة عقب ثورة 30 يونيو 2013، خاصة في جانب استعلاء قادة الجماعة الذي جعلهم يرفضون التوافق إلا بموافقتهم أولا على كل قرار يتخذه رئيس الدولة، وعندما فشلوا في فرض وصايتهم بدأوا حرب التحريض والمنشورات والتشويه، بجانب بدء النشاط السري والعمل المسلح والاغتيالات السياسية.

وشدد هؤلاء على أهمية العمل الدرامي الموثق لكشف حقائق التاريخ وطبيعة جماعة الإخوان التي تنطوي على المكر والعناد والجمود، فلم يصل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مع الجماعة إلى خيار السجون والقسوة المفرطة إلا بعد أن اتضح له أن الإخوان بين خيارين؛ إما رأس الضباط وإما إعادتهم إلى الثكنات صاغرين.

المسلسل يضم حوارات الرئيس عبدالناصر مع قيادات الإخوان وكيف عرّض نفسه للإهانة مرارا أمام استعلاء المرشد بغرض الوصول إلى حلول توافقية دون فائدة، ومن المعلوم أن عبدالناصر كان قد عرض على الإخوان الجانب الشعبي بأن يقوموا على توعية الجماهير دينيا وأخلاقيا.

وثمّة تفاصيل خاصة بالحجج التي ساقها عبدالناصر مفحما بها ما أورده مرشد الإخوان من مطالبات متعلقة بالحريات الفردية كفرض ارتداء الحجاب على النساء وإلغاء المسرح والسينما هادفا إلى تبرير سعي الجماعة للهيمنة على السلطة، ودعم عبدالناصر طرحه بالمنطق الواقعي مستشهدًا بأصول الشريعة وأولويات تطبيقها.

على ضوء مجمل وقائع الصراع ومحصلته راجع البعض من مؤرخي جماعة الإخوان وقيادييها مواقفهم مشددين على أن شخصية عبدالناصر كانت تستحق دراسة وعناية وتعاملا مختلفًا، ومن هؤلاء محمود عبدالحليم وأحمد رائف وفريد عبدالخالق.

وأثنى محمد حامد الخبير الإعلامي المصري على مستوى الحلقات التي عرضت من الجزء الثاني من المسلسل، مشيدا بدقة المعالجة التاريخية وجودة الإخراج، لافتا إلى أن عرض وقائع الاغتيالات السياسية وممارسات الإخوان ضد خصومهم السياسيين يرسخ نظرة المجتمع للجماعة كونها لم تتطور أو تغير من أساليبها ومناهجها.

وأوضح لـ”العرب” أن الشعارات السلبية المسيئة على الجدران تبين من خلال المسلسل أنها ليست وليدة ما بعد 30 يونيو 2013 بل أسلوب قديم للنيل من القيادة السياسية، عندما تولى البعض منهم مهمة كتابة عبارات مسيئة للقيادات السياسية للملك فاروق وإبراهيم عبدالهادي عقب مقتل البنا، أو لقيادة الثورة وجمال عبدالناصر بعد نشوب الخلاف بينهم.

أهم رسائل المسلسل للجمهور العربي غموض استراتيجية الإخوان وكونهم لا تهمهم سوى مصالحهم وتفضيلهم للعنف على الحلول السلمية وللصراع على الحلول التوافقية، وتقديمهم لتحالفاتهم الخارجية على المصالح الوطنية، علاوة على إبراز قيادات الإخوان بنقصهم البشري وما اتسموا به من غرور واستعلاء وتشوهات نفسية، خاصة في ما يتعلق بنموذجي زينب الغزالي وسيد قطب.

يصنع المسلسل حالة من الترميم التاريخي والواقعي لشروخ أصابت تصورات الكثيرين من المغرر بهم والواقعين تحت تأثير الإعلام الإخواني القائم على تخوين الرموز الوطنية المصرية، ويحض على ضرورة تصويب تلك الأفكار من خلال عرض مواقف نماذج محافظة وقيادات سابقة بالإخوان ساندت عبدالناصر في رؤيته، وخاصة طرحه الذي بات ملحا بعد أحداث السنوات الأخيرة، ومفاده حل وتذويب الجماعة في المجتمع وإدماج أنشطتها في الدولة ومؤسساتها وإنهاء أسطورة التنظيم والمرشد.

13