تحطيم الأعلام السابقين هوس شجعت عليه الإنترنت

نصوص الأعلام هي جزء من تراثنا وإن احتفظت به الذاكرة فلأنها تميزت في ظرفها التاريخي بعناصر فنية مبتكرة تلامس طلاب المعرفة في زمن غير زمانها.
الجمعة 2020/09/18
اعتداء على الماضي (لوحة للفنان إدوارد شهدة)

تستوقفنا في المشهد الثقافي ظواهر عجيبة، أبطالها أدعياء يتراوحون بين من يروم الثورة على الثوابت، وهذا من حقه، ولكنه لا يحمل بين يديه سوى معاول لهدم ما أسّسه السابقون؛ وبين من تضخّمت أناه إلى درجة صار معها يلغي السابقين بجرّة قلم، ويدّعي أنه الأصل والمبتدأ، وما عداه عديم القيمة.

من الظواهر الشاذة في ساحتنا الثقافية هوس التطاول على أعلام كبار نشأنا على أدبهم واقتدينا بأساليبهم قبل أن يحفر كل واحد منّا مجراه، دون أن ينكر فضل السابقين في تكوينه.

وحجة المتطاولين هي معارضة آراء المتقدمين والمتأخرين من أساتذة الأدب ونقاده ومؤرخيه بهدف تحطيم من يعتبرونهم أصناما فُرضت على أجيال متلاحقة في شتى مراحل الدراسة، دون أن يكون لتلك “الأصنام” ما يسوّغ استمرار حضورها الآن كما يزعمون، ويتناسون أن نصوص أولئك الأعلام كُتبت في مرحلة غير مرحلتنا، ومجتمعات لا تشبهنا كثيرا، لها نمط من العيش مغاير، وعقلية مختلفة، ووسائل غير التي نستخدمها اليوم، ورهانات تخالف رهاناتنا.

تطاول وتشويه

نصوص الأعلام هي جزء من تراثنا، وإن احتفظت به الذاكرة فلأنها تميزت في ظرفها التاريخي بعناصر فنية مبتكرة، وعبرت الحدود الجغرافية لتلامس طلاب المعرفة في زمن غير زمانها. ومن ثَمّ لا يجوز النظر إليها بمنظار الحاضر وأدواته، بل ينبغي دائما تنزيلها في عصر مُنشئها وبيئته.

التطاول على الأعلام الكبار

 هي لم تكن مجرد حدث في فضاء ثقافي معيّن، بل كانت في عصرها رمزا للتغيير، تغيير الذائقة والتلقي والعقلية، وأداة لخلق طرق جديدة في التفكير والرؤية والإقامة في العالم. فإذا ألغينا ذلك الإرث نكون قد حرمنا أنفسنا من فهم محطات بارزة من المسيرة التي مرّ بها العالم في تطوره المتواصل، ومن الركائز الأدبية التي يمكن أن نستند إليها لكتابة الحاضر والمستقبل.

إن النصوص الأدبية التراثية، القريب منها والبعيد، يمكن أن ننظر إليها من جهة السبل التي توسلت بها ثقافة ما للإجابة عمّا طُرح عليها من أسئلة، والأساليب التي صاغت بها تلك الأسئلة، ومن جهة الأهمية التي حازتها في مرحلتها. ومن الطبيعي أن يتم اختيار أهمّ النصوص، أو ما يعتقد الساهرون على الشأن التربوي أنها أساسية في تكوين طلاب المعرفة على اختلاف أعمارهم، إما لكونها تعبّر بعمق عن تساؤلات إنسانية كونية، أو أنها مثال للأساليب البليغة التي ينبغي أن يستأنس بها الطالب لتقويم لسانه وتهذيب أسلوبه واتخاذها مرجعا في اللغة، أو أنها وثيقة تاريخية تعكس العادات والتقاليد والقيم التي كانت سائدة في مرحلة ما، بشكل يدعم التاريخ وربما ينافسه ويتفوق عليه، لاهتمام النصوص الأدبية بتفاصيل وطرائف وفئات من السكان لا تحفل بها في الغالب كتب التاريخ.

ولا نظن أن أمة من الأمم تتمرد على كتّابها الغابرين كما نفعل، أو تلغي حضورهم في المناهج المدرسية بدعوى أنهم استُهلِكوا، أو أن الأسئلة التي طرحوها والمواضيع التي عالجوها عفا عليها الزمن، فبوالو وميرابو وماريفو وراسين وكورناي فضلا عن الأسماء الأكثر توهّجا مثل فيكتور هوغو وفولتير وزولا وفلوبير وبودلير ومالارمي لا تزال نصوصهم تتصدر مناهج التعليم في فرنسا، لم يلغها تقادم الزمن، ولم يَدْعُ حتى المتطرفون إلى استبدالها، وإن كانت القائمة غير منغلقة، بل هي مفتوحة تستقبل الأسماء اللاحقة مثل كامو وسارتر وأندري جيد وسان جون بيرس وروني شار وغيرهم.

ويخطئ من يزعم أن بعض أساتذته حثّوه على التمرّد، لأنّ السّواد الأعظم منهم لا ينظر نظرة رضا إلى من يخالف دروسه، إلا في القليل النادر، وخير الطلبة عنده هو الذي يردّ إليه بضاعته، والويل لمن أراد الاجتهاد فحاد عن الصراط.

السبق الواهم

الأثر الفني له تفرّد غير قابل للتعويض (لوحة للفنان بسيم الريس)
الأثر الفني له تفرّد غير قابل للتعويض (لوحة للفنان بسيم الريس)

الفئة الثانية من المتطاولين لا تقنع بالتعبير عن ضرورة “تحطيم الأصنام”، بل تزعم أن ما تكتبه يتجاوز ما كُتب منذ العصور القديمة، من امرئ القيس إلى شوقي، ومن الجاحظ إلى نجيب محفوظ، وهي تجهل أن المدونة الأدبية تَراكُم، وأن التجاوز يصحّ في العلوم الصحيحة ولا يصحّ في الإبداع الأدبي، وأن الإضافة هي قصارى ما يطمح له هذا المبدع أو ذاك.

يقول الكاتب والعالم فرنسوا جاكوب الحائز على جائزة نوبل للطب ” ثمّة فارق جوهريّ بين الفنّ والعلم، وهو أن الأثر الفني له تفرّد غير قابل للتعويض، في حين أن صاحب الاِكتشاف العلمي متعاوِضٌ، أي يمكن أن يحلّ محلّه شخص آخر، سواء من عصره أو من العصور التي تليه”،  لأن وجود الاِكتشاف العلمي سابق لوجود صاحبه، الذي يُخرجه من طور الكائن بالقوة إلى طور الكائن بالفعل، أمّا العمل الفنّي فلا وجود له قبل صاحبه.

ثمّ هل يكفي أن نردد بيت المعري “وإني وإن كنت الأخيرَ زمانُه/ لآتٍ بما لم تَستطِعْه الأوائل” كي ندّعي أننا سنفتح في مجال القول أبوابا غير مطروقة ونبتكر أسلوبا غير مسبوق؟ وهل يكفي أن نثور على أعلام الأدب الغابرين بدعوى أنهم “أصنام” ينبغي تحطيمها كي يخلو لنا الجوّ فنبيض ونفرّخ ما نحسب أنها فتوحات؟

مثل هذه الظاهرة لم يخل منها عصر، ولكنها كانت محدودة في فضاءات ضيقة، ويتداولها مؤرخو الأدب وكتاب الأخبار كنوادر يروّحون بها نفوس قرائهم بين الفصل والآخر. بيد أنها أخذت أحجاما كبيرة بظهور الإنترنت وانتشار المواقع الإلكترونية، ومنتديات وجمعيات ورابطات رقمية لا تكتفي بنشر محاولات متهافتة لا يملك كتبَتُها موهبة ولا زادا معرفيّا، بل تغدق على أصحابها شهادات وجوائز ورقية ممهورة بتوقيع المشرفين عليها، وويل لمن أبدى رأيه في ما يكتبون، لأنه سيجد نفسه أمام فيالق تتكلّم بصوت واحد وتزعم أن منتقدها هو من عبَدة “الأصنام” وممن يوصد في وجوهها الأبواب، ويرفض “الأدب الحقّ”.

 وكم مرّة صادفنا نصّا متعثّرا، لا ندري إلى أي جنس ينتمي، تتكدّس فيه الأخطاء كأسمال بالية في سوق شعبية، وإذا تحته “لايكات” بالمئات، وتعاليق تمجّد هذا “النصّ الباذخ”، الذي “يقطر شعرا”، وتنوّه بصاحبه وموهبته وقدرته على سبك المعاني المستحدثة، حتى لنخال أنّ فلتة من فلتات هذا الزمان فاتتنا، وضيّعنا على نفسنا فرصة الاستفادة والاحتذاء بمن استحمّ توّا في وادي عبقر.

بل قد نجد من بينهم أحيانا من يتحدث عن نفسه وسَبْقه الإبداعي، فينشر “نصّا” يقدّمه بنصّ في مدح نفسه، والإشادة بموهبته، على غرار الشاعر المخضرم كَعْب بن زهير، وكان إذا أنشد شعرًا قال لنفسه: “أحْسَنْتَ وجاوَزْتَ والله الإحسَان!” أو الشاعر الأموي الكُمَيْت بن زيد الأسدي، وكان إذا قال قصيدة صنَع لها خطبة في الثّناء عليها، وردّد بعد إنشادها: “أيّ عِلم بين جَنْبَيّ! وأيّ لسان بين فَكّيّ!”.
من السهل أن نتطاول على الفحول ونسعى للتحقير من مآثرهم بالدعاوى والهذر العقيم، فهذا في متناول كلّ شخص، ولكن من الصعب أن نبلغ مبلغهم لأن ذلك رهين موهبة، والموهبة لا تباع في سوق الخردة، لو يعلمون.

14