تحطيم باب الرواية للوصول إلى اللوحة التشكيلية

تقدم صالة أجيال في بيروت معرضا فرديا هو الأول للفنان ساشا أبوخليل تحت عنوان “جليد البحار المتكسر”، يضم مجموعة كبيرة من اللوحات المشغولة بالألوان الزيتية تحمل عناوين/منارات تدل زائر المعرض إلى منبع الوحي الذي مدّ اللوحات بالأفكار والتيمات والتداعيات الشعورية واللاشعورية على السواء.
الجمعة 2018/01/19
من أعمال ساشا أبوخليل: تشكيل روائي خارج سلطة الرواية

بيروت – غالبا ما يهب الفنان عنوانين للوحاته بعد أن يكون أنجزها أو كاد أن يفعل ذلك. وهناك بعض الفنانين الذين يمتنعون عن وضع عناوين للوحاتهم على اعتبار أن العمل الفني ينطق بلغته البصرية الخاصة ولا يحتاج لمن يدمغه بكلمات وصفية.

وهناك بعض آخر من الفنانين وخاصة المعاصرين يعتبرون إعطاء عنوان للوحة هو بمثابة إقامة حدود لخيال المُتلقي المدعو إلى المُشاركة في صناعة العمل الفني عبر قراءته الخاصة له.

أما الفنان ساشا أبوخليل فهو ينطلق من منارات محددة ليشكل مشهديات وشخوص لوحاته بالكامل. وما هذه المنارات إلاّ رواية من روائع الأدب العالمي الروسي والفرنسي والإيطالي والألماني والتشيكي، إضافة إلى الأدب اللبناني المتمثل في المعرض المُقام بالأديب شريف مجلاني عبر روايته “فيلا النساء”.

فالفنان لم يكتف بوضع عناوين الروايات التي قرأها واستوحى منها اللوحات بل أضاف إليها أسماء الأدباء وسنة إصدار المؤلف ليكتمل التناص ما بين الفن التشكيلي والأدبي بأسلوب فنان قرأ الروايات كفنان مُحمل بمخزونه العاطفي والثقافي الشخصي وبتجاربه الخاصة التي ألقى عليها الألم والحسرة ظلالهما الخاصة، مما ساهم بشكل كبير في جعل اللوحات راشحة بأسلوب يحمل توقيعه الفني الذي من خلاله لم يترجم “حرفيا” أي رواية من تلك الروايات.

نذكر من اللوحات/ هذه المجموعة “المحاكمة-فرانز كفكا”، و”لوليتا-فلاديمير نابوكوف”، و”الجريمة والعقاب-فيودور دوستويسكي” و”ناديا-أندري بروتون” و”العطر- باتريك سوسكيند” وغيرها من الروايات العالمية.

البعض من هذه اللوحات ظهرت فيها ملامح الفنان المُتماهي مع بطل الرواية، كما في اللوحة التي تحمل عنوان “رسائل من أعماق الأرض” لفيودور دوستوفيسكي. أما في لوحتين رائعتين تمكنتا من الإمساك بعصب رواية “البارون الساكن في الأشجار” للأديب الإيطالي إتالو كالفينو فقد رسم الفنان ابنه الذي يظهر في أكثر من هاتين اللوحتين كنسخة شابة عن الفنان ذاته.

ربما يكمن أحد عناصر قوة الفنان في أنه قدم لوحات تحمل عناوين وتواريخ وأسماء أدباء مشهورين، ولكنها بالرغم منذ ذلك استطاعت أن تشقّ طريقها التعبيري الخاص بها خارج سلطة الرواية.

استطاع ذلك الفنان كمن يسحب من تحت بطانة الرواية تعدد أرواحها النائمة بسلام. جاءت بعض اللوحات تركز على لحظات مؤسسة لحبكة الرواية دون أن تكون لعبت فيها دور الوصف المٌباشر كما في لوحة “الجريمة والعقاب”.

الفنان ساشا أبوخليل لم يكتف بوضع عناوين الروايات التي قرأها واستوحى منها اللوحات بل أضاف إليها أسماء الأدباء

أما في لوحة “الطبل الصفيح” للأديب الألماني لغونتر غراس فقد ركز الفنان على الذروة البصرية للرواية عبر الدرامية/الهيبير يالية لملامح وجع قارع الطبل الصغير المُتصل “قدريا” بالهوّة المفتوحة خلفه والتي تحمل أكثر من معنى.

أما في لوحة “لوليتا” وفي لوحة “العالم من خلال نظرة غارب” فقد ظهرت الأنثى في التباس أساسي ومؤثر ما بين القوة والضعف.

قد تكون اللوحتان اللتان تحملان اسم “البارون الساكن في الأشجار” اختصارا لما قدم من أعمال، وذلك من ناحية السرد الذي يهجس بأفكار كالموت والحياة والجنس والحرية والقدرة على التحمل والحزن العبثي الذي يثور عليه الفنان بكل روحه كلما تجلى، وكثيرا ما يتجلى طالما تستمر الحياة الأرضية. حزن قارس في سن الشباب البادي بعدد من اللوحات وعميق في سن الكِبر في لوحات أخرى.

في هذا السياق يستغرب المُشاهد عندما يرى الفنان يتناول هذا الموضوع في لوحاته وكأنه رجل طاعن في السن، اختار أن يرسم ذاته أكبر بكثير من سنه الحقيقي. وتختصر هاتان اللوحتان المذكورتان آنفا الأسلوب الفنيّ الشديد الصلة بمضمون اللوحات.

فالأحمر عندما حضر، كما في جميع لوحاته، هو بلون الدماء المُتخثرة، حتى وإن أراد الفنان أن يعبر من خلاله عن الشغف والحرية.

ليس الأحمر في لوحاته إلا عنوانا “للتضرّج”، إذا صح التعبير، ويكاد فعل التضرج هذا ينسحب على كل الأجواء اللونية في لوحاته. نقول “أجواء” لأن اللون عند الفنان ليس مادة تلوينية بقدر ما هو صفة شخصية، أو مزاج نزق تمظهر بهيئة لون بحدة الأحمر وليس العكس.

ثمة صفة ثانية مرتبطة بخاصية “التخثر” طغت على لوحات الفنان يعثر عليها زائر معرضه عندما يقف حائرا أمام رائحة الألوان الزيتية النضرة ولمعيتها واقترانها بصفة تقشر الطبقات اللونية. تقشر غير ملموس بالأصابع ولكنه حاضر جدا أمام العين. وكيف لا يكون كذلك وعملية “تكسير جليد البحار” بالنسبة للفنان هي عملية حمراء بلون جرح عتيق؟

17