تحطيم تمثال الطاهر الحداد محاولة اغتيال للذاكرة والرمز

الثلاثاء 2015/02/10

تحطيم تمثال الطاهر الحدّاد، رائد تحرير المرأة في تونس، أمس الأّوّل، في مدينة “الحامّة” مسقط رأسه وبين أهله وأحفاده، جاء ليوجّه رسالة واضحة المعالم إلى التونسيين جميعهم، مفادها أنّ تهديد نمطهم المجتمعيّ لا يزال هدفا ذا أولويّة للمتشدّدين، وأنّ معركة الحريّات لم تُحسم بعد لمجرّد خسارة الإسلاميين خلال الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة الأخيرة.

مشهد التخريب هذا لم يكن الأوّل من نوعه خلال سنوات ما بعد الثورة. فقد تعرّض ضريح المصلح التونسي نفسه إلى الاعتداء، تماما مثل ضريح الزعيم الوطني ومؤسّس الاتحاد العام التونسي للشغل فرحات حشاد. وقبل ذلك خُرّب النصب التذكاري للمناضل السياسي التحرّري شكري بلعيد بعد اغتياله بأسبوعين في مثل هذا الشهر من عام 2013. ولا ننسى أيضا أنّه تمّ إفشال عمليّة تفجير ضريح الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي استمدّ من كتاب “إمراتنا في الشريعة والمجتمع”، لصاحبه الحدّاد، معالم “قانون الأحوال الشخصية” وروحه التحرريّة.

لا ريب أنّ معركة الحال تفوق، على مستوى دلالاتها، مشهد إسقاط التماثيل نظرا إلى تحريمها دينيّا، كما فعلت طالبان بتدميرها، في 2001، أكبر تمثالين لبوذا في إقليم “باميان” الأفغاني، أو مثلما خُرّبت العشرات من الأضرحة ومقامات الأولياء في تونس، أو تدمير أنصار تنظيم القاعدة لجميع الأضرحة التاريخية في مدينة “تومبوكتو” في مالي.. فتحطيم تمثال الطاهر الحدّاد وقطع رأسه لا يهدف إلى تحقيق تلك الاعتبارات بقدر ما يرقى إلى محاولة اغتيال للذاكرة الجماعيّة للتونسيين، فالحدّاد يُجسّد رمزا استثنائيّا لنموذج مجتمعيّ بأسره، وهو بلا منازع من وضع الأسّ -قبل بورقيبة- لنموذج تحرّري للمجتمع التونسي، عبر إفراد المرأة بحقوق مساوية للرجل.

اليوم نرى بجلاء كيف يحاول أعداء الحريّة والمساواة، بشتّى وجوههم وتصنيفاتهم، إعادة اغتيال الطاهر الحدّاد وجلد تراثه بعد مماته بحوالي ثمانين عاما. فكُتب التاريخ شاهدة على تخصيص الحدّاد كتابه “إمرأتنا في الشريعة والمجتمع”، سنة 1930، للنهوض بوضع المرأة وإعطائها المكانة التي هي بها جديرة وإنقاذها من الاضطهاد الاجتماعي البيّن باسم الدين.. مُورست على الحدّاد آنذاك صنوف القهر والمعاناة، فقد مُنع من مواصلة دراسة الحقوق، وجُرّد من شهاداته العلميّة وحُرم من الحق في التدريس والعمل، كما رُمي بالخيانة رغم أنّه من مُؤسّسي “الحزب الحرّ الدستوري” الذي قاد البلاد إلى الاستقلال.

وإمعانا في تجريد الحدّاد من كلّ حقوقه المدنيّة والسياسية، طالب شيوخ جامع الزيتونة آنذاك بـ”إخراجه من الملّة”، فأصدر محمد الصالح بن مراد كتابا للغرض بعنوان “الحِداد على إمرأة الحدّاد”. ففُـرضت عليه العزلة الشاملة حتّى سيق إلى الموت ولم يتجاوز سنّه السادسة والثلاثين عاما.

جُوبه الحدّادُ بمثل تلك القسوة لأنّه كان بحقّ سابقا عصره في المطالبة بترسيخ الحريّات، وأوّلها منح المساواة الكاملة لنصف المجتمع، صارخا ضدّ “المأسسة اللاهوتيّة” للظلم المُسلّط على المرأة في تونس وفي غيرها من بلاد العرب. ومن ثمّة ليس غريبا أن تتجدّد محاولات إسقاط الرمز، اليوم وربّما غدا، خوفا من حريّة الفكر واعتقادا زائفا بأنّ تحطيم التمثال قادر على محو الذاكرة، في بلد ما كان لينعتق من حكم من أجّجوا مخاوف التونسيين من التراجع عن مكاسبه إلاّ بأصوات مليون إمرأة.


باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال

2