تحفة من شيلي تخطف الأنظار في مهرجان برلين السينمائي

الأحد 2015/02/15
يتميز إخراج بابلو لارين بالثقة، والتوازن، والانتقال الهادئ

برلين - مع تعاقب أفلام مسابقة الدورة الخامسة والستين من مهرجان برلين التي تتضمن 19 فيلما، بدا لنا في وقت ما، أن التحفة المنتظرة ربما لن تأتي أبدا، خصوصا بعد أن خيّب فيلم “فارس الكؤوس″ لتيرنس ماليك آمالنا، في أن يتبع هذا المخرج المرموق مسيرته السينمائية المتميزة، بعمل جديد -هو الأول من بين أفلامه، الذي يدور في عالم اليوم- يرتفع به فوق غيره من الأفلام، وينتزع إعجابنا وحبنا وتماثلنا معه، الأمر الذي لم يتحقق، بكل أسف.

رغم هذا، كانت هناك بعض الأفلام الجيّدة المتميزة التي عرضت، منها على سبيل المثال الفيلم التسجيلي الجديد الذي نفضل تسميته “لؤلؤة الماء” وليس ترجمة اسمه الأجنبي حرفيا The Pearl Button وهو للمخرج الشيلي باتريشيو جوزمان Guzman (صاحب التحفة السينمائية “حنين للضوء” الذي عرض في مهرجان كان السينمائي قبل ثلاث سنوات) وهو هنا يبحث في علاقة بلده شيلي بالبحار، فهي تتمتع بأربعة آلاف كيلومتر من السواحل، إلا أنها عجزت باستمرار، عن الاستفادة من هذه الميزة الفريدة، ومن هذا المدخل يبحث جوزمان بأسلوبه المميز، في الأسباب التي جعلت شيلي بلدا لا يعرف علاقة طيبة مع المياه، ويصل خلال بحثه إلى المنطقة الواقعة في أقاصي الجنوب أي إقليم بتاغونيا الذي عاشت فيه القبائل القديمة من السكان الأصليين والذين اعتمدوا في حياتهم على البحار، ولكن مع مجيء الاستعمار تمّ تدمير تلك المجموعات البشرية واختفت ثقافتها ولغاتها الخاصة.

ومن “لؤلؤة الماء” إلى الإنتاج الفرنسي الجديد لرواية ميرابو الشهيرة “يوميات خادمة” Diary of A Chambermaid التي تدور في نهاية القرن التاسع عشر، وقد سبق تقديمها مرتين في السينما من قبل، في فيلمين لرينوار الفرنسي وبونويل الإسباني.

الفيلم الجديد للمخرج الفرنسي بينوا جاكوت، يعالج الرواية دون أن تكون هناك بالضرورة “يوميات” أو مفكرة تتوالى من خلالها الأحداث وظهور الشخصيات المتعددة في عالم الخادمة الباريسية الحسناء “سيلستين” (لي سيدوكس) التي تذهب للعمل في الريف لدى أسرة ثرية، يطاردها الزوج المترهل المضحك بلا كلل، لكنها تصده بانتظام، بل وتهدده بفضح محاولاته معها، لدى سيدة المنزل، تلك الزوجة العاقر المنفرة القاسية التي تنزل بسيلستين كل أنواع العذاب، بلا مبرر واضح، أو ربما فقط لإحساسها بجاذبيتها المثيرة.

سيلستين الواثقة من نفسها تترك لنفسها العنان للتعبير عن ازدرائها لمخدوميها بصوت شبه مسموع، تحافظ على نفسها في مواجهة الكثير من العروض والإغراءات من جانب الرجال الذين تلتقي بهم. وكل الرجال في الفيلم بلا استثناء، يتسمون بالقبح، شكلا ومضمونا وسلوكا، منهم مخدوم سيلستين ومنهم أيضا القبطان الذي يجاور الأسرة التي تعمل عندها الخادمة. ولا أحد يريد أن يمنح سيلستين قلبه سوى حفيد لسيدة عجوز عملت لديها الفتاة في البداية، لكنه كان مصابا بمرض السل الرئوي، ولقي مصيره التراجيدي في اللحظة التي تذوق فيها طعم الحب الجسدي معها لأول وآخر مرة. أما ما عداه، فجميعهم يريدون أن يجعلوا منها عاهرة يتكسبون من ورائها.

وليس مفهوما كيف تتمنع سيلستين وتصدّ الجميع ثم تستسلم أخيرا لما يعرضه عليها “جوزيف” منسق حديقة منزل الأسرة، الذي تشي نظراته النهمة وصمته المقيت، بشخصيته الشرسة، بل إنه لا يخفي أيضا “فاشيته” وعداءه الصريح لليهود في الفترة التي عرفت محاكمة دريفوس الشهيرة في فرنسا. ولعل من الجوانب التي تشي بضعف السيناريو، فشله في التمهيد لتطور العلاقة بين سيلستين وجوزيف، وهو النموذج الذي يفتقد حتى القدرة على مطارحة فتاة حسناء شابة مثلها، الغرام، بل ونراه يمارس معها الجنس، بطريقة آلية مقززة. أضف إلى ذلك أنه يريدها أيضا أن تتحول إلى عاهرة تستغل جمالها في جمع المال له بباريس التي سيرحلان إليها في النهاية بعد أن تشترك معه في سرقة مقتنيات الأسرة الثمينة والفرار بها.

الفيلم يتحدث عن منزل على شاطىء يقيم فيه خمسة قساوسة وامرأة

لا يقدّم بينوا جاكوت جديدا في طيات معالجته للرواية الشهيرة، رغم ما يزعمه من أنها الأقرب والأكثر صدقا للرواية الأصلية. صحيح أن جوانب الصنعة في الفيلم متميزة: الصورة التي تحافظ على كل تفاصيل الفترة، الملابس والأكسسوارات والإضاءة، ولكن أفضل عناصر الفيلم بلا شك، هو أداء لي سيدوكس في الدور الرئيسي، التي تسيطر على الفيلم سيطرة تامة وتطغى بحضورها المدهش، وفتنتها الطاغية، على كل جوانب الضعف الكامنة في سيناريو لا ينجح في تطوير الفكرة والموضوع، ويكتفي بتقديم كل الصور والقوالب النمطية التي سبق لنا أن شاهدناها من قبل.


تحفة حقيقية


أما أقوى ما شاهدناه في مسابقة المهرجان إلى حدّ كتابة هذه السطور، فهو بلا شك، الفيلم القادم من شيلي “النادي” The Club للمخرج بابلو لارين. إننا بالتأكيد أمام “تحفة” سينمائية حقيقية، ونموذج سينمائي متميز لتناغم الشكل مع المضمون، وللوحدة العضوية والتماسك الداخلي، رغم تعدد شخصيات الفيلم ومحدودية مكان أحداثه.

“النادي” يشير -مجازا- إلى منزل تابع للكنيسة الكاثوليكية، يقع على شاطيء البحر في بلدة مجهولة في شيلي، يقيم فيه خمسة رجال وامرأة، سنعرف بعد قليل، إنهم قساوسة محكوم عليهم بالبقاء في هذا “المنفى”، ومحظور عليهم الاختلاط بأهل البلدة، وكأنه أقرب إلى السجن، حيث يلقون عقابا على ما اقترفته أيديهم في الماضي. أما المرأة فسوف نعرف أنها كانت في السابق راهبة، ثم أصبحت مسؤولة عن إدارة شؤون هذا المكان الغريب القاتم المظلم، أي أنها عمليا “السجانة” التي تحرس مجموعة القساوسة. وهؤلاء لدى كل منهم قصته الخاصة التي سنتعرف عليها تدريجيا مع تطوّر مسار الفيلم.

ومن البداية يكشف السيناريو العبقري عن مشكلة هؤلاء الرجال عندما يصل قس سادس يدعى الأب “لازكانو”، صامت، يقبل ما تمليه عليه الراهبة -السجانة- المشرفة (مونيكا)، ثم يعقب وصوله مباشرة وصول رجل ملتح، يقترب من المبنى كئيب الجوّ من الخارج، ويظل يصيح موجها أبشع الاتهامات بالاعتداءات الجنسية إلى الأب لازكانو. وفي خضم غضبه وانفعاله، يكشف الرجل عما تعرض له في طفولته، من اعتداءات جنسية مباشرة بأشكالها المختلفة التي تصل -من خلال ما يقدمه من أوصاف وتفاصيل- إلى جوانب شائنة حقا.

وعلى الرغم من الغضب البادي على باقي القساوسة واستنكارهم لما فعله الأب لازكانو الذي يصفونه بالشاذ، والمنحرف، ويطالبونه بالرد على هذا الرجل الذي يصرخ في الخارج ويمكنهم رؤيته عبر نوافذ ذلك السجن، إلا أننا سنعرف أيضا فيما بعد، أنهم جميعا موجودون في هذا المكان تحديدا بسبب اتهامات وجهت إليهم بالاعتداءات الجنسية على الأطفال داخل الكنيسة. الأب لازكانو الذي يكرر مرة بعد أخرى، أنه لا يعرف هذا الشخص، الذي يقول إن اسمه “ساندوكار”، يستجيب أخيرا لما يطالبه به الباقون، فيهبط ويخرج ويواجه الرجل، ثم يرفع مسدسا ويطلق النار على رأسه فيلقى مصرعه على الفور في مشهد رهيب.

الفيلم يطرح أسئلة جريئة تنعكس في الحيرة على وجه القس المحقق القادم من الخارج

ولأن هذا يعدّ حدثا جللا في أحد بيوت الكنيسة الكاثوليكية، ترسل الكنيسة قسيسا آخر أكثر شبابا وثقافة ووعيا، للتحقيق مع هؤلاء القساوسة والراهبة مونيكا، عما عساه يكون قد حدث تحديدا هناك.

وفي مواجهات متقطعة ومجزأة من خلال المونتاج الذكي، يكشف لنا الفيلم عن جوانب أخرى في شخصيات الرجال، ولكن دون أن يصل المحقق الشاب قط، إلى معرفة الحقيقة كما وقعت وكما كانت: من المسؤول، وكيف حدث أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، وما هو الثمن الذي يتعين دفعه، ومن الذي سيدفع الثمن: الكنيسة أم الفرد، وهل نحن أمام أزمة أخلاقية، أم أزمة مؤسساتية، وكيف يمكن التعامل مع الميول الجنسية للرجال، الذين اختاروا طواعية إنكار رغباتهم الجنسية الطبيعية التي خلقها الله، ثم فشلوا في ذلك فاتجهوا إلى حيث يحظر عليهم الذهاب، وهل ما ارتكبوه يدخل في عداد “الخطايا” التي ليس من الممكن غفرانها؟ أي هل تعدّ المثلية الجنسية خطيئة، أم أنها ميل طبيعي لا يجدي قمعه وإنكاره؟ وهل العلاقة بين الرجال على هذا النحو، يمكن أن تكون مقبولة؟ أما من غير المقبول وما يعدّ في حكم “الجريمة”، هو ممارسة هذه العلاقات مع الصغار، كما يقول أحد الرجال في الفيلم.

كثير من الأسئلة يطرحها الفيلم في سياق موضوعه الجريء، وتنعكس في الحيرة على وجه القس المحقق القادم من الخارج بغرض إنهاء وجود هذا المكان وإغلاقه ونقل المقيمين فيه بعيدا، الأمر الذي يلقى مقاومة ضارية بل وتهديدا بتفجير فضيحة علنية في وسائل الإعلام، من جانب الراهبة مونيكا. ويرحل في النهاية دون أن يصل إلى قرار نهائي، بشأن هذا المكان الذي يرمز على نحو ما، إلى كل مؤسسات القمع والسرية والعلاقات الغامضة، والأسرار التي تدفن مع الرجال في مقابرهم.


توازن فني


يتميز إخراج بابلو لارين بالثقة، والتوازن، والانتقال الهادئ المحسوب بدقة بين الشخصيات المختلفة، يجمع ثم يفصل، يكشف ثم يعود ليترك للمشاهد بعض الإشارات التي قد تقوده إلى التعرف على الجوانب المعقدة في كل شخصية على حدة، فالإنسان في حدّ ذاته هو أيضا لغز كبير، كل إنسان هو لغز خاص، والمشاهد لا يمكنه، مهما فعل، أن يكتشف ببساطة ما يكمن داخل كل من هؤلاء الرجال، وهو ما يتوصل إليه القس القادم للتحقيق فيما وقع.

ومن أبرز عناصر الفيلم تمثيل أنطونيا زيجرز في دور الراهبة- السجانة مونيكا، بنظراتها الخبيثة، وإيماءاتها التي تخفي أكثر مما تعلن، وحركاتها التي تنمّ عن سيطرة ومعرفة بتفاصيل كثيرة عن كل الرجال، تفضل الإبقاء عليها سرا. ورغم البراعة والقدرة التمثيلية الكبيرة التي يتمتع بها طاقم الممثلين جميعا وخصوصا روبرتو فارلاس في دور سندوكار، إلا أن الفيلم يتخذ أبعادا أكثر عمقا وقوة منذ دخول الممثل مارسيللو أرونسو في دور القس غارثيا، مبعوث الكنيسة الذي يكثف بعمق، الحيرة الوجودية لرجل يحيا معلقا بين الأرض والسماء، بين الفهم والإنكار، وبين الرحمة ورفض الغفران.

وبسبب كل جماله الداخلي وجرأته وتوازنه وثرائه وقيمته الفنية العالية، لن يكون مدهشا أن يفوز فيلم “النادي” بالدب الذهبي، أو بإحدى الجوائز الرئيسية في المهرجان.

16