تحفظات فلسطينية على الثورات العربية

الاثنين 2015/05/18

يذهب بعض الفلسطينيين، في سياق تحفظاتهم على “الربيع العربي”، وبالنظر إلى ارتداداته على كل الأصعدة، إلى حد تحميله مسؤولية تراجع مكانة القضية الفلسطينية، وانهيار عملية التسوية، وحتى ضياع حق العودة للاجئين.

اللافت أن هؤلاء، لا سيما من المحسوبين على التيارات اليسارية والقومية أو من أوساط السلطة، والذين يتوجّسون من الثورات العربية، يتناسون أن مكانة القضية الفلسطينية تراجعت في الأجندات العربية، الرسمية والشعبية، في ربع القرن الأخير، لا سيما بعد عقد اتفاق أوسلو (1993)، وتحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة في الضفة والقطاع، بالقياس مع الاهتمام الذي كانت قد استحوذت عليه هذه القضية في السياسات الرسمية العربية.

وفي الواقع فإن العالم العربي، كان على الدوام مشغولا بالتحديات التي تواجهه، داخليا وخارجيا، وكان تعاطيه مع فكرة أن القضية الفلسطينية هي قضيته المركزية مجرد فكرة شعاراتية ونظرية في أغلب الأحوال. الجديد في انشغالات العالم العربي يتمثل اليوم بثلاثة أمور، أولها، استفحال خطر إيران التي تكشّف استخدامها لقضية فلسطين، كأداة لإضفاء شرعية على تغلغلها في المجتمعات العربية، وتغطية إنشائها جماعات ميليشياوية، كما حصل في لبنان والعراق واليمن وتعزيز مكانتها في المنطقة.

وثانيها، أن الثورات وضعت المجتمعات العربية أمام نفسها، لأول مرة في تاريخها، للتعرف على مشكلاتها وعيوبها، مع التفهّم بأن ذلك حصل بطريقة فجائية، وأدى إلى ارتدادات مؤلمة، لا تزال هذه المجتمعات تدفع ثمنها إلى اليوم. علما أن هذه المجتمعات، خصوصا في المشرق العربي، لم تكن في أحسن أحوالها، لا سيما في ظل خضوعها لأنظمة تأسست على الاستبداد والفساد، وأعاقت قيام المواطنة ودولة المواطنين. وثالثها، صعود الجماعات الإرهابية المتطرفة والمسلحة التي تتغطى بالإسلام، من تلك المحسوبة على “القاعدة” أو المنشقة عنها كـ“داعش” و“جبهة النصرة”، وأمثالهما.

وربما لا نحتاج في سياق صدّ الادعاءات المذكورة، التي تتقصّد النيل من الربيع العربي، إلى تكرار بديهية مفادها أن غياب مفهوم المواطنة يغيّب مفهوم المجتمع، إذ لا يمكن الحديث عن مجتمع بمعنى الكلمة في غياب مفهوم المواطنين المتساوين والأحرار. بل لعلّه من المبكر التكهّن بمآلات الثورات، لأن تداعياتها لم تنته بعد، سيما أن التجارب التاريخية تفيد بأن نكوص ثورة ما لا يعني انتهاء مفاعيلها، وأن هذا يمكن أن يمثل لحظة تاريخية محددة، وهو ما حدث في الثورات الأوروبية، التي تعرضت لإخفاقات، لكنها رسمت تاريخ أوروبا التي نراها اليوم.

في ما يخص عملية التسوية، فمعلوم أنها ظلّت واقفة عند حدود اتفاقية أوسلو (1993) بسبب تعنّت الإسرائيليين، وعدم قدرة الفلسطينيين على فرض ما يريدونه في الإطار التفاوضي، وبسبب ضعف الإطارات العربية والدولية الداعمة لهم، وهذا كله كان حصل قبل “الربيع العربي”.

أما في شأن “حق العودة”، فمن المهم التأكيد على أن القيادة الفلسطينية كانت أبدت استعدادا للتنازل عن هذا الحق في مفاوضاتها مع إسرائيل، وسعيها إلى المقايضة بين الحق في إقامة الدولة وحق العودة، وهو ما تمت ترجمته بتهميش منظمة التحرير، واختزال قضية فلسطين بمجرد إقامة دولة في جزء من فلسطين، وهي التي اختصرت شعب فلسطين بفلسطينيي الضفة والقطاع، كأنها بذلك قد تخلت عن وصفها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني. وفضلا عن كل ذلك فقد يصح القول، إن قضية فلسطين تراجعت بسبب الانقسامات بين الفصائل الفلسطينية، وبسبب تحول حركة التحرير الوطني الفلسطيني من المقاومة إلى التسوية، ومن الثورة إلى السلطة.

القصد من ذلك أن الفلسطينيين ليسوا بحاجة إلى مزيد من التخبّطات في شأن إدراكهم لواقعهم، وللتغيرات التي باتت تحيط بهم، والتي لا بد ستؤثر عليهم سلبا أو إيجابا. ولعل الأجدى للفلسطينيين إزاء كل ذلك تذكر أنهم ادعوا يوما أنهم بمثابة طليعة للثورات العربية التي طالما انتظروها، لتغيير الواقع السائد. وأيضا أنهم أكثر من عانى من الظلم والاضطهاد، وأنهم كضحايا معنيون بالتعاطف مع الضحايا، وإدراك أن فلسطين ليست مجرد قطعة أرض، وإنما هي معنى للحرية والكرامة والعدالة.

كاتب سياسي فلسطيني

8