تحقيقات في انتهاكات جنسية جديدة ضد أطفال بمدرسة تونسية

مطالب بتوفير المتابعة النفسية للحد من تداعيات الاعتداء، وعدد الضحايا يكشف خللا في التواصل بين التلاميذ وأسرهم.
الخميس 2019/03/14
أين الأمان

تسيطر حالة من السخط على المجتمع التونسي وأُسره، حيث تتوالى الأنباء عن زيادة غير مسبوقة في الاعتداءات على الأطفال وانتهاك حقوقهم في المؤسسات العمومية، وفي الوقت الذي مازالت فيه فاجعة 12 من الرضع في مستشفى حكومي طور التحقيق وعقب قضية المدرسة القرآنية بمدينة سيدي بوزيد، وما لحق بالأطفال فيها من أضرار وانتهاكات، تطفو على السطح قضية جديدة تتعلق باعتداءات جنسية ارتكبها معلم في حق حوالي 20 تلميذا في إحدى المدارس الحكومية بالجنوب التونسي.

تونس – أعلنت السلطات التونسية عن فتح تحقيق في انتهاكات جنسية تعرّض لها 20 طفلا حتى الآن في مدرسة عمومية على يد معلمهم في حادثة جديدة بعد فضيحة الانتهاكات بمدرسة الرقاب القرآنية قبل شهر.

وقال المتحدث باسم محاكم صفاقس مراد التركي إن المحكمة تنظر في 20 قضية بشكل مستقل وأن عدد الضحايا مرشّح للارتفاع، وفقا لما ستكشفه التحقيقات المستمرة.

وأفادت وزارة المرأة والطفولة، في بيان لها، بأنه ورد إليها إشعار بشأن تعرض عدد من الأطفال للتحرّش الجنسي من قبل معلم بإحدى المؤسسات التربوية بمحافظة صفاقس وأنه بعد سماعهم تبيّن أنهم تعرضوا “لاعتداء بفعل الفاحشة وتحرّش جنسي واغتصاب”. وأردفت أن قاضي التحقيق أصدر بطاقة إيداع بالسجن في حق المعلم المتهم.

وأوضح المتحدث باسم محاكم صفاقس أن الاعتداءات التي طالت حتى الآن 20 طفلا من بينهم 17 طفلة، حصلت بحسب التحقيق الأولى بين عامي 2018 و2019، وهي الفترة التي بدأ فيها المعلم بالتدريس بعد أن كان موظفا في الإدارة قبل ذلك.

وتتراوح أعمار الضحايا بين خمس وعشر سنوات. وتقدم الثلاثاء أحد الأهالي بدعوى قضائية جديدة ضد المتهم، ويجري التأكد إذا كانت تتعلق به شكاوي سابقة، بحسب المتحدث القضائي، الذي بين أن الأطفال يخضعون حاليا لعمليات تأهيل نفسي ويزاولون دراستهم بشكل طبيعي.

وتأتي حادثة الانتهاكات الجديدة بعد نحو شهر من الكشف عن فضيحة الانتهاكات بمدرسة قرآنية في مدينة الرقاب بمحافظة سيدي بوزيد التي كانت تأوي 42 طفلا مقيما، تعرّض عدد منهم للضرب والاعتداء الجنسي والاستغلال الاقتصادي، بحسب ما أفادت به الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص.

مخلفات الاعتداء الجنسي النفسية والاجتماعية على الطفل تكون أعمق وأشد من الضرر الجسدي، وترافقه طيلة حياته

وقالت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، إنه “تم الاستعانة بقسم الطب النفسي للأطفال بالمستشفى الجامعي الهادي شاكر بصفاقس لإجراء المرافقة والمتابعة النفسية اللازمة بالعيادة الخارجية للأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية من قبل معلم بإحدى المؤسسات التربوية بالجهة”.

كما تم تكليف أخصائية نفسية من المندوبية الجهوية للتربية بصفاقس لمواصلة إجراء المرافقة والمتابعة النفسية لكل الأطفال.

وأفاد المندوب الجهوي للتربية بصفاقس عيسى شطورو بأنّ المندوبية بصدد اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية في قضية الاعتداءات الجنسية التي طالت عددا من التلاميذ من قبل معلمهم، وكشف شطورو أن الحادثة جدّت خارج أسوار المدرسة والقضية تعهّد بها القضاء، وهي محلّ متابعة من قبل وزارة التربية وكل القائمين على القطاع.

ويعتبر الدكتور في علم الاجتماع الطيب الطويلي في حديث لـ”العرب” أن ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال موجودة في المجتمع التونسي، وقد أسهم الزخم الإعلامي الذي تلا الثورة في خروج بعض حالات الاعتداء من بوتقة الصمت التي كانت تسكن فيها”.

ويشير الطويلي إلى أن “مخلّفات الاعتداء الجنسي على الطفل النفسية والاجتماعية تكون أعمق وأشد من الضرر الجسدي، وترافقه طيلة حياته عبر أشكال عدة، تكون إما في رغبة المعتدى عليه أن يكرر التجربة مع أطفال آخرين عندما يكبر، وإما تكون عبر اتباعه لميولات جنسية شاذة، أو عبر ارتفاع منسوب العنف والعدوانية لديه، مما يؤثر سلبا على محيطه الأسري في البداية، وعبره على النسيج الاجتماعي ككل”.

ويرى المختصّ الاجتماعي أنه “من الضروري اعتبار أن هذه الجريمة هي جريمة محطمة لإنسانية الفرد، ومدمرة للطفولة بكل براءتها، وهي من أخطر الجرائم التي تمس الإنسانية وتصيب حقوق الإنسان في مقتل، لأجل ذلك فإنه من الضروري التشهير بالفاعل، لكي لا يكون الشعور بالخزي لدى الضحايا مع التركيز على ضرورة الإحاطة والمعالجة النفسية لهم حتى لا تبقى هذه العقدة مرافقة لهم، وتزداد تعمقا وتعقدا مع الزمن”.

Thumbnail

ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي خاصة منها فيسبوك دورا هاما في نشر قضية الاعتداء الجنسي الذي ارتكبه المعلم على ضحاياه من التلاميذ، وقد تم تداول الخبر ونشره بشكل واسع بين مستخدمي فيسبوك. وعلّق الإعلامي والكاتب التونسي عبدالجبار المدوري في صفحته على فيسبوك على الحادثة قائلا إن “قضية الاغتصاب التي تعرّض لها ما يزيد عن 20 تلميذا من طرف معلم في صفاقس تطرح مرة أخرى قضية العلاقة ليس بين التلاميذ ومحيطهم التربوي، وإنما أيضا علاقة الطفل بأسرته”.

وتساءل المدوري “كيف أمكن لهذا المعلم اغتصاب أكثر من 20 تلميذا دون أن يقع كشفه بسرعة من طرفهم؟ لماذا لم يعلم أول طفل تعرض للتحرش أسرته؟ وهنا لا يجب تحميل المسؤولية لهؤلاء الأطفال القصّر بل لأسرهم ولمحيطهم التربوي… ما زالت للأسف العلاقات الأسرية في تونس تحكمها العقلية الأبوية التسلطية التي ترى في الطفل مجرد تابع لها عليه تنفيذ الأوامر والطاعة وعدم الخوض في ‘أمور الكبار’ وخاصة ‘المحرمات'”.

القلة القليلة من أطفال تونس الذين يحظون بتربية أسرية سليمة هم عادة من يكشفون عمليات التحرّش والاغتصاب ويبادرون بإعلام آبائهم وأمهاتهم بذلك، لأنهم تربوا على المصارحة والنقاش وإبداء الرأي والتعبير عن هواجسهم دون خوف من العقاب، على حد تعبيره. وتابع “لا بد من تربية أطفالنا على كشف كل من يتحرش بهم في الوقت المناسب وإعلام أسرهم بذلك وهذا لا يمكن أن يحصل إلا إذا كانت الأسرة متفهمة لوضعية الطفولة ولا تحمّلها مسؤولية أخطاء الآخرين وبأن كل طفل محمي بموجب القانون من كل الانتهاكات، بما في ذلك تلك التي يتعرّض لها من طرف أقربائه، وأن هذا الطفل لا يتحمل أيّ مسؤولية في أي انتهاك يتعرض له مهما كان الخطأ الذي ارتكبه”.

وخلص المدوري إلى القول بأن حماية الطفولة تبدأ من الأسرة لذلك لا بد من توعية الأسرة وتسليحها بأسس التربية السليمة والعناية بالأطفال.

21