تحقيق أمنية.. أبسط حقوق الأطفال المرضى في الإمارات

يقال إن الطبيب والأدوية والتحاليل والمختبرات لا تكفي لطرد الأمراض وخاصة المستعصية منها عن المريض، بل يحتاج الأخير إلى حالة نفسية مرتفعة ليقبل على الحياة رغم ما يعانيه من سقم، ولا يكون ذلك إلّا بالإحاطة بالمريض وزرع البسمة على محياه ودفعه إلى أن يرى من الدنيا الجانب المشرق منها، وهذا ما تفعله المنظمة الخيرية “تحقيق أمنية” من خلال سعيها الدؤوب إلى تجسيد أحلام الأطفال المرضى وتحويلها إلى واقع يجعلهم سعداء بغض النظر عن جنسياتهم أو نوعية أمراضهم.
الثلاثاء 2016/05/17
الفرحة تهزم المرض

أبوظبي- ظل الطفل خالد طارق، المصاب بمرض خطير لا شفاء منه، يحلم كثيرا بلقاء نجم المنتخب البرتغالي ونادي ريال مدريد الأسباني، كريستيانو رونالدو. وكانت هذه الرغبة، حلما يصعب تحقيقه، لكون طارق يعيش في الإمارات، ولا يملك القدرة على السفر إلى أسبانيا، ولا يملك وسيلة للتواصل مع النجم العالمي، لكن مؤسسة “تحقيق أمنية” الإماراتية، استطاعت أن تحوّل حلم الطفل المريض إلى حقيقة، ليجتمع خالد برونالدو في جلسة جرت بمدينة دبي.

لم يكن هذا الحلم هو الوحيد الذي تحققه مؤسسة “تحقيق أمنية”، بل هناك أكثر من ألفي أمنية لأطفال مرضى من مختلف الجنسيات العربية والأوروبية والآسيوية، حولتها المؤسسة كلها إلى واقع.

ومؤسسة “تحقيق أمنية”، هي مؤسسة تطوعية غير ربحية، تهدف إلى رعاية الأطفال المصابين بأمراض خطيرة، والاستماع إلى احلامهم وأمنياتهم مهما كانت كبيرة، وتحويلها إلى حقيقة لإسعادهم. لقد بدأت المؤسسة نشاطها عام 2003 وتعمل على تحقيق أمنيات الأطفال المرضى ممن يعانون من الأمراض التي تهدد حياتهم. وكل أسبوع تقريبا، تحقق المؤسسة حلم طفل بلقاء شخصية شهيرة، أو السفر لمتنزهات عالمية، ومواقع سياحية، واقتناء ألعاب وأجهزة إلكترونية ذات أسعار عالية، أو ممارسة مهن مختلفة، مثل التحول إلى أطباء ومهندسين ورجال إطفاء وضباط شرطة.

الطفل خالد لم يصدق أنه مع رونالدو الذي يتسابق الجميع لالتقاط الصور التذكارية معه

تقول والدة الطفل خالد طارق إن ابنها كان ينتظر كثيرا لتحقيق أمنيته بلقاء اللاعب البرتغالي رونالدو، ويرجو أن تتحقق في وقت قريب، وعندما علمت مؤسسة “تحقيق أمنية” بهذا المطلب، سارعت بالتواصل مع اللاعب ومدير أعماله، ونجحت في التنسيق لتحديد موعد خلال زيارة اللاعب لدبي يتمّ فيه لقاء الطفل به.

وتضيف الأم “السعادة التي علت وجه ابني لم أر مثلها منذ ولادته، وكاد أن يطير من الفرحة بعد تأكيدات قوية من مسؤولي المؤسسة بوصولهم إلى اتفاق مع مدير أعمال اللاعب بالموافقة على لقاء خالد”.

ولم يخف الطفل خالد (15 سنة) سعادته بتحقيق أمنيته بلقاء رونالدو، وقال إنه كان وكأنه في حلم أمام اللاعب، ولم يصدق للوهلة الأولى أنه أمام رونالدو، الذي يتسابق الجميع لالتقاط الصور التذكارية معه في جميع الأوقات والمناسبات.

وقبل أيام، أعربت الشيخة شيخة بنت سيف آل نهيان رئيسة مؤسسة “تحقيق أمنية” عن فخر المؤسسة بالوصول إلى تحقيق الأمنية رقم 2000 والتي كانت أحد الأهداف الأساسية للمؤسسة للعام الجاري. وذكرت أن المؤسسة استطاعت خلال العام الماضي تحقيق أمنيات نحو 428 طفلا في دولة الإمارات ينتمون إلى 22 جنسية من مختلف دول العالم.

وأكدت الشيخة حرص المؤسسة على الاستمرار في جهودها الإنسانية لإيصال رسالتها النبيلة للعالم، من خلال تنفيذ العديد من المبادرات الرامية إلى تحقيق أمنيات الأطفال الذين يعانون مشكلات ومعوقات صحية ونفسية وغيرها على مستوى الدولة.

عناق أمنيات الحياة

و أشادت كذلك بالدعم المستمر من الجهات والمؤسسات الحكومية والخاصة والأفراد للمؤسسة، الأمر الذي يعكس التزام المجتمع الإماراتي بالعمل الخيري والإنساني إضافة إلى كادر العمل والمتطوعين والتزامهم بتحقيق أهداف مؤسسة “تحقيق أمنية” السامية في دعم شريحة الأطفال المرضى في الإمارات وخارجها.

وأضافت “الإمارات من الدول السباقة في المجال الإنساني، ونحن في المؤسسة نعكس هذه الجهود التي تنسجم مع توجهات دولتنا في تقديم الدعم والمساندة للحالات المحتاجة إلى المساعدة”.

وقالت إن “تحقيق أمنية” تكثف جهودها لإيصال رسالتها الإنسانية بالتعاون مع عدد كبير من الجهات والمؤسسات الحكومية والخاصة التي أسهمت في دعم أهدافها النبيلة، إذ يختار الأطفال الذين يتقدمون بطلباتهم للمؤسسة بين فئات الأماني المتنوعة، منها مقابلة شخصية شهيرة أو الذهاب في رحلة لمكان يختارونه، أو الحصول على شيء يرغبون فيه، أو أن يكونوا ليوم واحد مثلما حلموا أطباء أو عناصر شرطة أو أميرات.

وتحرص “تحقيق أمنية” على التواصل مع المستشفيات والجهات ذات العلاقة بالدولة التي تعالج الأطفال، ولا تقتصر أنشطتها على الإمارات، إذ تهدف للوصول إلى أطفال العالم العربي المرضى لإسعاد أكبر عدد منهم، وحققت خلال 2014 و2015 أمنيات 126 من أطفال مركز الحسين للسرطان بالأردن.

ومن أبرز الأمنيات خلال 2015 تحقيق أمنية كل من الطفلين خالد وناصر بمقابلة اللاعبين عمر عبدالرحمن وجيان من فريق العين، وتحقيق أمنية الطفل أحمد خالد بمقابلة المطرب محمد عساف، في حين أصبحت الطفلة رغد أميرة لمدة يوم واحد، إضافة إلى تنظيم رحلات لأداء العمرة لـ24 طفلا.

مشاهير يزرعون البسمة على وجوه شاحبة
وقد احتفلت المؤسسة بتحقيقها الأمنية رقم 2000 منذ تأسيسها عام 2003 للإماراتية زينة التي تبلغ من العمر 17 عاما وتعاني من مرض السكري من النوع الأول، وتمنت تغيير ديكور وأثاث منزلها في عجمان بشكل كامل، فتواصلت المؤسسة مع محلات كبرى للأثاث التي قامت باصطحاب زينة مع عائلتها إلى المعرض لاختيار الأثاث وغرف النوم والطعام بالإضافة إلى إرسال فريق مختص من مهندسي الديكور لمعاينة المنزل وتجهيز خطة تغيير كاملة.

وحجزت المؤسسة غرفا فندقية لإقامة زينة وعائلتها في إمارة عجمان خلال عملية تجهيز المنزل التي استغرقت أسبوعا، وأبدت العائلة فرحتها بتحقيق أمنية زينة التي لم تصدق أنه منزلها، فكل شيء بدا جميلا ومنسقا.

وشاركت فروع مؤسسة “تحقيق أمنية” في احتفالات الإمارات بـ”اليوم العالمي للأمنية” الذي يصادف التاسع والعشرين من أبريل من كل عام، وقد تضمن الاحتفال إضاءة فنادق كبرى في أبوظبي ودبي باللون الأزرق احتفالا بالمناسبة.

وقال هاني الزبيدي، الرئيس التنفيذي للمؤسسة إن “تحقيق أمنية” بدأت مشروعها التوسعي في ترجمة “أمنيات الأطفال” إلى واقع على مستوى الوطن العربي، خلال العام الماضي، حيث بدأت في الأردن، في حين تدرس حاليا نقل نشاطها الإنساني إلى دول عربية أخرى، بالتعاون والتنسيق مع الجهات المختصة فيها.

وبيّن أن حصاد أمنيات الأطفال المرضى، التي حولتها المؤسسة إلى واقع، تضمن ما يفوق 50 حالة طلبت خلال الأعوام الماضية السفر وأداء مناسك العمرة مع أسرهم، وهو ما نفذته المؤسسة لهم، موضحا أنها تقدم الفرصة في هذا النوع من الأمنيات للطفل المريض و3 من أفراد أسرته.

وألقى الزبيدي الضوء على أكثر أمنيات الأطفال طرافة وغرابة، مما تلقته المؤسسة، منها أمنية لطفلة مصابة بمرض خطير، كانت تبلغ حينها 7 أعوام، وتقضي أمنيتها بأن تقابل شخصية باربي، الدمية الشهيرة في العالم، ثم تطير على متن طائرة حول العاصمة أبوظبي، حيث تعيش الطفلة صاحبة الأمنية مع أسرتها، لترى العاصمة ومعالمها ومناطقها من الأعلى، وهو ما حققته لها المؤسسة، من خلال تكليف سيدة متطوعة بارتداء زي باربي، وتلتقي لاحقا بالطفلة الصغيرة، وتطير أيضا فوق العاصمة.

ومن تلك الأمنيات أمنية طفل من رأس الخيمة، طلب من المؤسسة مؤخرا أن يمتلك ورشة نجارة، بصورة فاجأت المسؤولين عن المؤسسة، التي تجاوبت بدورها مع حلم الطفل، وتنسق حاليا مع أسرته، ويجري حاليا توفير الورشة داخل منزل الطفل وأسرته، وفق المقاسات المتاحة في المسكن، فيما ستزودها المؤسسة بأدوات النجارة، التي تناسب عمر الصغير.

وأكمل “تحققت كذلك أمنية الطفلة الباكستانية سارة عمران في أن تصبح أميرة لمدة يوم واحد وسط احتفالية خاصة نظمتها مؤسسة تحقيق أمنية بفندق فاخر في أبوظبي، بحضور العشرات من الطلاب الذين شاركوها فرحتها في هذا اليوم”.

أحلام صغيرة

واستقبلت “الأميرة” سارة بحفاوة بالغة وأحاطها الأطفال وموظفو الفندق بالورود وحملوها على أكتافهم في أجواء مليئة بالفرح والبهجة عند المدخل الرئيسي، وبعد ذلك انتقل الجميع إلى الصالة التي تم تخصيصها للاحتفال بالأميرة، حيث استمتع الحضور بالتفاعل مع الشخصيات الكرتونية والتقاط الصور التذكارية بالإضافة إلى عروض الساحر الشيقة وتقطيع قالب الحلوى، كما استضافت إدارة الفندق الطفلة وأسرتها لمدة ليلة واحدة.

وتعاني سارة (7 سنوات) من سرطان الدم “اللوكيميا” منذ أكثر من عام، وتتلقى العلاج في مستشفى توام في مدينة العين. وكانت أمنيتها الأولى الدخول إلى المدرسة وقد تحققت بداية هذا العام.

واعتبر الزبيدي أن أقسى الحالات والمواقف في مسيرة المؤسسة وعملها على تحقيق أمنيات الصغار المرضى، تتمثل في مفارقة عدد منهم الحياة، ممن سبق أن حققت لهم أمنياتهم، وعشنا معهم، وشاركوا في فعاليات مشتركة مع المؤسسة، وهم من الأطفال المصابين بأمراض خطيرة، خصوصا بالأورام السرطانية وأمراض القلب.

ولفت إلى أن فرع المؤسسة في الإمارات هو أحد الفروع الرسمية لمؤسسة تحقيق أمنية الدولية، وهي من أبرز المؤسسات الخيرية التي تعمل في مجال رعاية الأطفال، وتمتلك 48 فرعا تنتشر في قارات العالم.

ويحرص فرع المؤسسة في الإمارات على تجسيد حلم الطفل على أرض الواقع في أجواء من الحب والمرح، حيث نظم طوال العام الحالي العشرات من الفعاليات والحفلات للأطفال من سن الثالثة إلى 18، والذين يشكون من أمراض مستعصية قد تتهدد حياتهم.

ومؤخرا كرّم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في منطقة الخليج، مؤسسة تحقيق أمنية للعام الثاني على التوالي، تقديرا لدورها المتميز في تحقيق المئات من الأمنيات للأطفال الذين يعانون أمراضا خطرة تهدد حياتهم. ويأتي التكريم تقديرا لاستمرارية المؤسسة في تقديم المبادرات والخدمات بمجال دعم الطفولة وتحقيقها أمنيات للمئات من المرضى من مختلف الجنسيات والشرائح في المجتمع.

20