تحقيق التوازن بين الآمال والمخاوف في الشرق الأوسط

الخميس 2015/08/06
واشنطن مترددة في اتخاذ التدابير العدوانية ضد داعش في العراق وسوريا

من الجيّد أن تشير التقارير الواردة من واشنطن إلى استقرار رأي الإدارة الأميركية بشأن استراتيجية جديدة لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، لكن، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الإستراتيجية يمكن أن تخدم أهدافا متناقضة ويمكن أن تكون مكلفة لاستقرار العراق والهدف الأميركي بإسقاط نظام بشار الأسد في سوريا.

أحيانا يكون أمر مواجهة عدو واحد وتجنب تقديم مزايا لعدو آخر، أقل جاذبية؛ فهكذا تسامحت إنكلترا مع صعود ألمانيا النازية، التي شكلت تهديدا متزايدا لها، بدلا من أن تواجهها لصالح البلشفية الروسية.

ويعتبر الشرق الأوسط، اليوم، أدل مثال على اعتماد سياسة الكيل بمكيالين، لكن لا يمكن للأميركيين ارتكاب حماقة إسقاط نظام بشار الأسد لأن الخراب الذي سوف يخلفه ذلك يمكن أن يعطي فرصة ثمينة لتنظيم داعش.

وهذا الخطر هو ما يجعل الأميركيين مترددين في اتخاذ بعض التدابير العدوانية ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا، لأن ذلك من شأنه أن يفسح المجال أمام طهران لبسط المزيد من نفوذها على بغداد ودمشق. وفي ظل هذا الوضع، يعيش الأميركيون حالة من الشلل جراء تفضيلهم تسبيق تحقيق المكاسب على الصبر على الخسائر طويلة المدى.

وهذه الإستراتيجية هي بمثابة النفور من الخسارة. وقد أكّدت العديد من الأبحاث في الاقتصاد السلوكي أن أغلبية الناس يفضّلون التخلي عن المكاسب بدلا من تحمل الخسائر. وعلى سبيل المثال، أثبت عدد من علماء النفس في العديد من المرات أن الأغلبية الساحقة من الناس يفضلون تجنب رسم إضافي بقيمة 1 دولار بدلا من الحصول على خصم بنفس القيمة.

وبالمثل، ربما تحجم الدول عن المجازفة، وهو ما من شأنه أن يقدّم مزايا إلى عدو، حتى لو أدى هذا التقاعس إلى تحقيق ربح لعدو آخر. هذه اللاعقلانية هي أكثر من محل اهتمام أكاديمي عندما يتعلق الأمر بالتخلي عن مكاسب محتملة من شأنها أن تفوق الخسائر.
لا يمكن الاعتماد على فاعلية العقوبات الحالية، ويجب أن تفشل المعاهدة ليتم سن عقوبات أخرى أكثر نجاعة، ومن المرجح أن يجني الأميركان أسوأ النتائج

ولكن، يمكن للمرء أن يعترض، بحجة أن الدول لا تخضع للعلوم النفسية. لكن قادتها يخضعون لهذه العلوم، وبإمكانهم تحديد مكاسب دولهم وخسائرها. والحروب التي تم خوضها للدفاع عن شرف وطني قد يكون هذا أساسها. ولا يجوز لأحد أن يعترض على عدم فقدان شيء جراء التراخي لأن الدول تمتلك شيئا من النسبية.

يتم تشجيع هذا التراخي واستحسانه لأن الدول لا تستغل الخيارات المتاحة أمامها خاصة إذا كانت محفوفة بالمخاطر. يعتبر البعض أن تجنب القيام بعمل ما يؤدي إلى تجنب جعل الأمور أكثر سوءا. ولكن هؤلاء يتجاهلون حقيقة أن الأمور قد تزداد سوءا إذا ما تراخينا وتقاعسنا عن إنجاز أعمالنا، وقد تكون تكلفة ذلك أكبر بكثير على مصالحنا، لأننا لم نتمكن من تخفيف الخسائر عبر تدخلنا.

إن قرار عدم التدخل قد يكون هو القرار الخاطئ ويؤدي إلى نتائج عكسية جراء التراخي. قد يكون التدخل هو الحل الأمثل حيث أن تكاليف التقاعس عن التدخل قد تفوق في كثير من الأحيان التكاليف المباشرة للتدخل. كثيرا ما يقال إن شركاء الولايات المتحدة لا يتفقون على بعض تصرفاتها التي يصفونها بالمتهورة، وهذا بلا شك أمر صحيح. ولكن على من تعتمد الولايات المتحدة في الأزمات: على الشريك الذي يقف في صفها في كل آن وحين لمساعدتها والوقوف جانبها أم على الشريك الذي يضع مصلحته في الحسبان وينتظر نتائج كل خطوة؟

هذا أمر صعب. كيف يمكن للولايات المتحدة قياس هذا الأمر غير القابل للتقدير؟ كيف يمكنها تحقيق مكسب باتخاذ إجراءات أكثر حزم تجاه إيران في ظل “تهاوي” تنظيم الدولة الإسلامية؟

هذا المثال على ظاهرة “النفور من الخسارة” – ربما هو أفضل من حيث الفكر وليس على سبيل التحليل الاقتصادي- ويتجلى ذلك في المفاوضات حول الاتفاق مع إيران لتقييد قدراتها النووية.

الأميركيون مستعدون للتخلي عن نظام العقوبات الذي كان إنجازا رائعا نظرا لاتساع نطاقها وتماسكها
الأميركيون قلقون بحق من ضخ أكثر من 50 مليار دولار من أجل تعزيز سلطة الدولة الدينية في طهران، والتي يمكن أن تجد طريقها إلى القوى الإرهابية، خصوصا وأن النظام الإيراني ساهم في إقامة خلايا إرهابية على غرار حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.

يبدو أن الأميركيين مستعدون للتخلي عن نظام العقوبات الذي كان إنجازا رائعا نظرا لاتساع نطاقها وتماسكها. إن العديد من النقاد درسوا فوائد توقف تطوير النووي الإيراني لمدة 15 عاما أكثر من الخسارة الناجمة عن رفع العقوبات التي تقيد الكثير من أنشطة النظام الأخرى.

للأسف، لا يمكن الاعتماد على فاعلية العقوبات الحالية، ويجب أن تفشل المعاهدة ليتم سن عقوبات أخرى أكثر نجاعة، ومن المرجح أن يجني الأميركان أسوأ النتائج، وهي: تطوبر برنامج نووي غير مقيد من جانب دولة إيرانية سوف تصبح غنية جراء رفع العقوبات التي لا تتحكم فيها الولايات المتحدة، إلى جانب، إهمال تأثير ذلك على حلفاء الولايات المتحدة الذين يمتازون بالنفور من الخسارة، وفي سياقات أخرى يمكن أن يتم التثبت جيدا حتى تكون النتائج أفضل بالنسبة إلى الجميع. على النقيض من ذلك، وفي أعقاب الاتفاق النووي الإيراني، تعتبر مسألة استعادة الثقة في العلاقات الأميركية مع إسرائيل والأردن ودول الخليج على رأس جدول أعمال الولايات المتحدة.

محلل اسراتيجي بمركز ستراتفور

7