تحقيق الرؤية البحرينية للسلام العربي الإسرائيلي

حل الدولتين العادل والآمن والمتفاوض عليه للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني لن يتم التوصل إليه في مناخ من الخوف وانعدام الثقة، ولا يمكن تحقيقه بعدم التحدث إلى إسرائيل أو التظاهر بأنها غير موجودة.
السبت 2020/09/19
رؤية بعيدة

في عام 1995، عاد دبلوماسي بحريني شاب إلى وطنه من أول منصب له في واشنطن، بعد تكليفه بمرافقة وفد صغير من اليهود الأميركيين الذين نالوا دعوة لزيارة دولته.

تضمن مسار الرحلة اجتماعات مع وزير الخارجية الذي خدم لفترة طويلة، ووزير العمل، ووزير النفط والغاز. كما زار الوفد متحف البحرين الوطني، وتناول الغداء مع مجموعة متنوعة من رجال الأعمال، واجتمع مع السفير الأميركي.

وأكد الدبلوماسي الشاب أن الوفد لاقى الترحيب باحترام وانفتاح في كل محطة خلال زيارته التي استغرقت يومين. حينها، كانت أربع سنوات قد مرت على مؤتمر مدريد للسلام، وسنتان على اتفاق أوسلو، وسنة على المعاهدة الأردنية الإسرائيلية. بدا السلام في الأفق. لم يكن هناك تجاوز للحدود.

تشرفت بتنظيم أول زيارة للجنة اليهودية الأميركية إلى البحرين ومرافقتها. فقد كانت تلك الزيارة الأولى لأي مجموعة دعوة يهودية. أتذكر طرح العديد من الأسئلة حول التطلعات البحرينية، وعن التنسيق الإقليمي مع الولايات المتحدة، والطموحات الإيرانية في الخليج، وتداعيات حرب الخليج (الأولى)، ودور البحرين في مجموعة العمل متعددة الأطراف المتعلقة بالبيئة.

لكن السؤال الذي طرحناه أكثر من مرة، والذي كان الدبلوماسي البحريني الشاب يعرف أنه شاغلنا دون أن تُمْكِنَ الإجابة عليه بالكامل، كان هذا: متى وكيف يمكن للبحرين وإسرائيل، وهما دولتان صغيرتان في منطقة مضطربة، أن تدركا وعد السلام؟

غادرنا المنامة، متفائلين لكننا غير متأكدين من المستقبل، ملتزمين بالعودة سنويا. بمرور الزمن، سمعنا عن ترقية الدبلوماسي البحريني الشاب مرات عدّة. وفي 2005 عيّن الملك حمد بن عيسى آل خليفة الدبلوماسي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزيرا للخارجية، وكان يبلغ من العمر 45 سنة. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار 15 سنة، شغل منصب كبير الدبلوماسيين البحرينيين حتى أصبح مستشار الملك للشؤون الدبلوماسية خلال السنة الحالية، ولم يفقد اهتمامه ولا التزامه بتوسيع دائرة السلام العربي الإسرائيلي.

أعلن الرئيس دونالد ترامب في 11 سبتمبر أن البحرين وإسرائيل ستقيمان علاقات دبلوماسية كاملة، بعد أن أعلن عن الاتفاق التاريخي المفاجئ في 13 أغسطس بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. وكان نتاجا للعديد من العوامل الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية ولجهود العديد من اللاعبين: إدارة أميركية حازمة، ودبلوماسيون إسرائيليون نشطون ومتمرّسون، وقادة بحرينيون ذوو نظرة براغماتية للأمور، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين الآخرين. كما لعبت الجسور التي شيّدتها اللجنة اليهودية الأميركية على مدى ربع قرن دورا داعما.

لكن الشيخ خالد كان منارة التشجيع والإلهام على مدار سنوات طويلة من السعي لوضع نموذج جديد للشرق الأوسط. وقال لصحيفة عربية قبل 11 سنة إنه ينبغي إدراج إسرائيل، إلى جانب إيران وتركيا، في منتدى عربي جديد كطريقة لحل المشاكل الإقليمية.

وغرّد على تويتر في مناسبات متعددة للدفاع عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من الهجمات الإرهابية. ونشر تقارير صُحفية وصور لقاءاته مع وفود اللجنة اليهودية الأميركية بكل فخر، مدركا أنه سيضطر إلى شرح تلك اللقاءات للمنتقدين القلقين من أي انفتاح على إسرائيل وأنصارها.

ليس الشيخ خالد بأي حال من الأحوال صاحب الرؤية الشجاع الوحيد في البحرين أو العالم العربي. لكنه يعكس وجهات نظر الملك حمد وولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة الثابتة. وسيعمل خليفته المحترم، وزير الخارجية عبداللطيف الزياني، على المضي قدما في نهجه.

في الإمارات العربية المتحدة، وجّه ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان ووزير خارجية الدولة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان عملية شراكة إبداعية مع الولايات المتحدة. وعرض وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية الدكتور أنور قرقاش، الذي ألقى كلمة في المنتدى العالمي للجنة اليهودية الأميركية في يونيو، مجالات التعاون المحتملة مع إسرائيل. كما استقبل سلطان عمان الراحل، قابوس بن سعيد، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مسقط قبل سنتين. وتحدث وزير الخارجية آنذاك، يوسف بن علوي، عن مكانة إسرائيل في المنطقة صراحة.

إن ما أدركه هؤلاء القادة وغيرهم، وما تجرّأوا على قوله والسعي لتحقيقه، هو أن شعوبهم وقضية السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي ستستفيد من علاقة مباشرة فوق الطاولة مع إسرائيل تشمل الوقوف معا ضد التطرف والعدوان الإيراني والاستفادة من نتاج التعاون الثري.

كما أدركوا أن حل الدولتين العادل والآمن والمتفاوض عليه للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني لن يتم التوصل إليه في مناخ من الخوف وانعدام الثقة، ولا يمكن تحقيقه بعدم التحدث إلى إسرائيل أو التظاهر بأنها غير موجودة.

سيبدأ تطبيع العلاقات بين دولتين خليجيتين وإسرائيل في استبدال الخوف بالشراكة وانعدام الثقة بالتفاهم. وسيضع الأساس لسلام دائم بين الدولة اليهودية وجميع جيرانها العرب، وهو حلم شاركه دبلوماسي بحريني شاب ذو رؤية بعيدة مع زواره اليهود الأميركيين قبل ربع قرن.

8