تحقيق تكافؤ الفرص مهمة صعبة في المناظرات الرئاسية

الرغبة في ترشيد الخطاب السياسي في الحملة الانتخابية، والعودة إلى التلفزيون ليشاهد الناخبون المرشحين وينصتوا إليهم... أمر جيد لكن لا ينبغي أن يجعل التلفزيون كالمستجير من الرمضاء بالنار.
الثلاثاء 2019/08/13
في انتظار التجربة التونسية

يجازف التلفزيون التونسي بتنظيم أول مناظرة انتخابية رئاسية قبل الدورة الأولى مع العدد الكبير للمرشحين للانتخابات، في حين أن الديمقراطيات العريقة تنظمها قبل الدورة الثانية بين مرشحين اثنين فقط.

كأنّ الصحافيين الفرنسيين اتفقوا يوم الخامس من أبريل 2017 على نعت الحوار بالصاخب. هو نعت اختاره عدد كبير منهم لوصف الحوار التلفزيوني الذي جمع الأحد عشر مرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية، في استوديو واحد، لما طغى عليه من صياح وجلبة وأصوات حادة ومختلطة عطلت الفهم. كان واضحا أن تلك التجربة الأولى في قناة “بي.أف.أم.تيفي” فشلت بدليل أن قناة “فرانس 2” عدلت عنها بعد أن برمجتها.

ولا يمكن ألاّ نتذكر تلك التجربة الأولى في التلفزيون الفرنسي عند إعلان التلفزيون التونسي بداية أغسطس عن قراره تنظيم “مناظرات” بين المرشحين للانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى في 15 سبتمبر القادم. ولا يعني ذلك أن تجربة القناة الفرنسية الفاشلة تحكم مسبقا على التجربة التونسية القادمة بل إن التلفزيون التونسي أعلن عن اللعبة الديمقراطية الجديدة دون الإعداد لقواعدها.

وفي التجربة التونسية مجازفتان، الأولى أن التلفزيون التونسي سينظم أول مناظرة انتخابية رئاسية، والثانية أنها ستكون قبل الدورة الأولى في حين أن الديمقراطيات العريقة تنظمها قبل الدورة الثانية بين مرشحين اثنين. ويمكن أن تكون التجربة مفيدة، حتى قبل الدورة الأولى، بالنظر إلى الفوضى التي عمت الخطاب السياسي السابق للانتخابات بفعل الشبكات الاجتماعية التي أفسدت كل شيء.

إن الرغبة في ترشيد الخطاب السياسي في الحملة الانتخابية، الذي شتتته الشبكات الاجتماعية ومسخته وعلى رأسها فيسبوك، والرغبة في العودة إلى التلفزيون ليشاهد الناخبون المرشحين وينصتوا إليهم في مكان واحد وفي وقت واحد أمر جيد لكن لا ينبغي أن يجعل التلفزيون كالمستجير من الرمضاء بالنار.

فما هي الاحتمالات الممكنة، في انتظار الإفصاح عن الخطة، لتنظيم تلك المناظرات إذا كان عدد المرشحين فرضا عشرين مرشحا؟ هناك ثلاثة احتمالات لا رابع لها. الاحتمال الأول هو تقسيمهم فرقا باعتماد القرعة، كما يُروّج، والثاني جمع المرشحين كلهم في استوديو واحد والثالث انتقاء البعض منهم.

إن الاحتمال الأول أي تقسيم المرشحين إلى خمسة فرق مثلا أو أربعة يثير سؤالا عسيرا:  كيف تكون القرعة؟ هل تكون بسيطة أم معدّلة كما هو معمول به في كأس العالم؟ ومن نختار رؤساء للمجموعات؟ وبناء على ماذا؟ وإذا كان الجواب أن يكون رؤساء المجموعات من نواب البرلمان المرشحين للرئاسة، كما قيل، فماذا نفعل بالبقية؟ هل نبقيهم جميعا في سلة واحدة أم نوزعهم في أربع سلال في كل سلة فئة، لسحب الأسماء بعد تعيين الرؤساء؟

هل نفرض على وسائل الإعلام أن تعلق على المشاركين غداة المناظرة بمراعاة المساواة بين المرشحين؟
هل نفرض على وسائل الإعلام أن تعلق على المشاركين غداة المناظرة بمراعاة المساواة بين المرشحين؟

وإذا فرضنا جدلا أن القرعة ممكنة وأن المرشحين قبلوا بها، بالقانون أو بالتراضي، سيكون في المناظرات مواطن خلل كثيرة. أولها أن الفريق الواحد يمكن أن يضم عددا من المرشحين يراهم التونسيون أهلا قبل غيرهم للرئاسة، في حين يضم الثاني مرشحين لا يريدهم التونسيون في الانتخابات أصلا وهو أمر يغيّب التكافؤ إذ يكون الحوار بين أعضاء الفريق الأول على درجة من الأهمية في حين يُفرغ الثاني من محتواه.

 وهناك خلل ثان وهو أن الفريق الذي يُبدأ به يكون خاسرا إذ سيستفيد المرشحون اللاحقون من أخطائه ومن ثغرات الحوار الأمر الذي يمكنهم من الاستعداد لما لم يستعد له من سبقهم. وثالثها أن الصحافي أو ربما الصحافيين الذي سيديرون الحوار الأول سيغيرون تعاملهم مع المرشحين اللاحقين مستفيدين من التجربة الأولى.

وهناك خلل رابع سيتصل بمواعيد البث إذ أن مساء الاثنين غير مساء الخميس أو الجمعة وبداية سبتمبر غير منتصفه عشية العودة المدرسية التي تفرض على الناس تنقلات واسعة مما يعني أن الناخبين الذين سيشاهدون الحوار الأول لن يشبهوا كثيرا أولئك الذين سيشاهدون الحوار الثالث أو الرابع وهي مسألة لا تعني الحوار الواحد الذي يسبق الدورة الثانية.

وخلل خامس متصل بأقوال الصحافة عن الحوار الأول والثاني وهي تعاليق ستؤثر حتما تأثيرا عميقا، عند نشرها، في الحوارات اللاحقة وقد تفسدها بالوقوف على الخروق التي قد تحملها الحوارات. فهل نفرض على وسائل الإعلام أن تعلق على المشاركين غداة المناظرة بمراعاة المساواة بين المرشحين أم نسمح لها بالتعليق حسب معايير المهنة؟

إن تُرك للصحافة أن تعلق باعتماد معايير المهنة ومقاييس الأخبار، بالانتقاء والترتيب، فإنها ستجد نفسها مضطرة إلى التعليق على كلام عبدالفتاح مورو مثلا وإبرازه أكثر أو أقل من تعليقها على “ريكوبا” مثلا. وإن فُرض عليها مبدأ تكافؤ الفرص بينهما فإنها ستعامل “ريكوبا” معاملة مورو. أندفع بالإعلام إلى إنكار قواعده ومبادئه للمساواة بينهما مهما كان الأمر؟

وإذا سلمنا بالقرعة حلاّ في تكوين المجموعات وحللنا مشكلة مورو و”ريكوبا”، فكيف تكون المناظرة بين المرشحين؟ ثنائية أم أن الجميع يحاور الجميع؟ وهل تكون الأسئلة نفسها للجميع أم تختلف باختلاف المرشحين؟ وبناء على أي منطق وبأي ترتيب وبأي تداول؟ وهل يرد الصحافيون على المرشح الذي يقول كلاما في غير محله أم يصمتون؟ وهل يُعتبر الصمت، عمن قال كلاما لا يقتضي ردا، إقرارا بأن صاحب الكلام معصوم من الخطأ أم يُرد عليهم جميعا؟

وأما الاحتمال الثاني فهو مرفوض لأن حضور عشرين مرشحا أو أكثر أو أقل في استوديو واحد لن يؤدي إلى حوار، فالحوار يقوم على التبادل لا على المونولوج. فهل سيحاور المرشح الأول بقية المرشحين التسعة عشر ثم الثاني والثالث والرابع… وهكذا دواليك؟ هل ذلك ممكن زمنا ومنطقا؟ وإن نحن اكتفينا بالمونولوج فما الفائدة من جمعهم أصلا في استوديو واحد ندّعي أنه مناظرة؟

إن صعوبة تنفيذ الاحتمال الأول، أي القرعة، وانعدام جدوى الاحتمال الثاني، أي جمع المرشحين معا في استوديو واحد، يقودنا إلى فحص الاحتمال الثالث أي انتقاء بعضهم للحوار كما فعلت القناة الفرنسية الأولى “تي.أف.أن” في 20 مارس 2017 عندما قررت دعوة الخمسة مرشحين جاؤوا في المراتب الخمس الأولى في الاستطلاعات. صحيح أن الأمر مستبعد الآن في تونس غير أن عدوى الاستطلاعات ستصيب يوما الحملات الانتخابية قبل أيام من الاقتراع.

في التجربة التونسية مجازفتان، الأولى أن التلفزيون التونسي سينظم أول مناظرة انتخابية رئاسية، والثانية أنها ستكون قبل الدورة الأولى في حين أن الديمقراطيات العريقة تنظمها قبل الدورة الثانية بين مرشحين اثنين

ولو فرضنا جدلا أن الاستطلاعات ممكنة مع انطلاق الحملة في سبتمبر، فهل من المعقول إعطاء الكلمة لخمسة مرشحين أو أربعة أو ثلاثة وحرمان البقية بناء على استطلاعات نعلم قصورها؟ وحتى لو كانت الاستطلاعات صادقة فسيكون من السذاجة بل من المكر إقصاء البقية. بل يمكن القول إن المنطق الذي يخول الاعتماد على الاستطلاعات لاختيار خمسة مرشحين أو أربعة أو ثلاثة منطق يخول لنا اختيار اثنين فقط أي الأول والثاني فيستريح الجميع.

وبصرف النظر عن الحالة التونسية وبالعودة إلى الحالة الفرنسية فإن في اختيار المرشحين للحوار التلفزيوني، بناء على الاستطلاعات، خطرين يهددان الديمقراطية. يتمثل الخطر الأول في حصر إمكانية الفوز بالرئاسة في عدد من المرشحين برغبة من صانعي الاستطلاعات الذين يقولون للناس إن أحد الخمسة فقط يمكن أن يكون رئيسا، ويتمثل الثاني في أن الإعلام يجاريهم بل يسوّق لهم صناعتهم بقبول تنظيم المناظرة. إن في ذلك استغفالا للناخبين بل اغتصابا لإرادتهم بمنعهم من سماع المرشحين “الصغار” أو المتأخرين في ترتيب الاستطلاعات، وفيه اختزالا لنوايا التصويت في عينة لا يمكن أن تحل محل المواطنين، إن قبلنا أنها تمثلهم، وفيه أيضا تفويتا في النقاش العام الذي يصبح صناعة تلفزيونية فرجوية. إن تغطية مسألة المرشحين إعلاميا، بالتركيز على ترتيب الاستطلاعات، تشبه تغطية رياضة سباق الخيل التي لا يكون فيها  شيء مهم إلا ترتيب الخيول في السباق.

إن العقل يملي أن يؤدي الإعلام دوره بمهنية وبمراعاة أخلاقيات المهنة دون الزج به في أنماط غير مدروسة بل مرتجلة. وللحوار الانتخابي أوجه منها الحوار المباشر بين مرشحين اثنين، أو أكثر عند الإمكان، ومنها غير المباشر بإنجاز تقارير محايدة وريبورتاجات وتحقيقات ينجزها الصحافيون ويعرضون فيها مختلف أوجه النظر بالنص وبالاقتباسات الحية. إن مبدأ الجميع يحاور الجميع فوضى صاخبة ومبدأ الاستوديو الواحد يحاور فيه الصحافي كل مرشح على حدة عرض إلى الامتحان الشفوي أقرب.

18