تحقيق حلم عودة روسيا العظمى يمر عبر سوريا

الثلاثاء 2013/08/13
ثورة السوريين ضد النظام تهدد مصالح روسيا

لندن- تنوعت التحليلات الصحفية والأكاديمية وتباين التركيز الإخباري في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة حول خلفيات ومستقبل الموقف الروسي في سوريا. وتجنبا للدخول في آتون تجريم الجهات المختلفة المتصارعة، أو اتهام جهة بالإرهاب والوحشية دون الجهة الأخرى، فقد يكون من المفيد عرض موقفين لخبيرين بارزين في شؤون سوريا والشرق الأوسط في جامعتين تتصدران جامعات بريطانيا في دقتهما وجديتهما وهما جامعتا أكسفورد ولندن (معهد الدراسات الشرقية والأفريقية) إزاء مثل هذا الوضع الهام جدا والمطلوب الدقة والموضوعية في تناوله وهو لماذا تستمر موسكو في تأييد النظام السوري؟

الباحث جلبير لشقر، أستاذ دراسات العلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، أصدر مؤخرا كتابا قيما بعنوان «الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية» عن دار الساقي في لندن، تناول فيه الموضوع السوري ومواضيع أخرى تعني دولا عربية وشرق أوسطية أخرى.

وأصدر هذا العام أيضا الباحث روي آليسون، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد المتخصص في شأن علاقة روسيا بالعالم والشرق الأوسط، كتابا بعنوان «روسيا، الغرب، والتدخل العسكري» تناول فيه علاقة روسيا وسوريا.

يعتبر الأشقر أن عامل النفط كان الحافز (الرئيسي) وراء التدخل العسكري الواسع للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي- الإيراني في عام 1990-1991 ونشرها لأكثر من نصف مليون جندي وأسطول هائل، بحري وجوي، ثم احتلالها العراق سنة 2003».

ويضيف الأشقر قائلا: «إن المصالح النفطية الأميركية تندرج ضمن الأسباب الرئيسية للدعم العسكري الذي تقدمه حكومة الولايات المتحدة لإسرائيل».

ويستشهد الأشقر بمصدر يعتبر إسرائيل «اسبرطة إسرائيلية تعمل كنائب عن الولايات المتحدة في المنطقة (مما يسفر).. العلاقة الخاصة مع إسرائيل والسياسة المتمثلة في منح أسلحة أميركية متطورة للدولة اليهودية مما يقلق موسكو حول مصالحها في المنطقة.

النظام والسنة

«الدولة في سوريا تقوم نظريا على المساواة فيما يتعلق بالمواطنين العرب إلى حد أن حافظ الأسد اعتنق المذهب السني في ممارسته للشعائر الدينية كي يندرج ضمن الأغلبية الشعبية»، وفق الأشقر

ويضيف: «والحال أن انتماء أغلبية العلويين في صفوف ضباط الجيش السوري حدث بالتدرج خلال ستينات القرن العشرين ولم يكن نتيجة العملية مخططة سلفا ومنظمة».. وقد سبق الانقلاب العسكري المسمى الحركة التصحيحية لحافظ الأسد في 16 نوفمبر- تشرين الثاني، 1970 حين كان الأسد وزيرا للدفاع ثم أصبح رئيسا للبلاد. وقد استقبل انقلابه بحفاوة من السنة ولا سيما البورجوازية السنية المدنية.

ويضيف الأشقر: «حرص الأسد على أن يحيط نفسه برجال من السنة في مناصب مرموقة، ورجال لديهم مصلحة مباشرة في الحفاظ على استقرار السلطة. لكن حافظ الأسد أبقاهم تحت إمرته أو رقابته.. وشملت الطائفة السنية في حاشيته كصديقه العماد مصطفى طلاس رئيس أركان الجيش (ووزير الدفاع تحت رئاسته) وصديقه الآخر عبد الحكيم خدام وحكمت الشهابي، رئيس أركان الحرب حتى 1998.

ويشير الأشقر إلى أن الرئيس بشار الأسد قام «بإقصاء شخصيات سورية بارزة (بينها شخصيات سنية) كانت جزءا من الحاشية الرئاسية لوالده.. فيما اعتبره بعض الجهات اغتصابا سلطويا لمصلحة إقليمية طائفية وزادت الشكوك في مسؤولية النظام السوري في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في عام 2004». وبرغم ذلك استمرت روسيا بوتين في دعم هذا النظام بسبب براغماتيتها المفرطة التي تركز على المصالح أولا.

روسيا وإيران

يعتبر البروفسور روي أليستون، من جامعة أكسفورد، في مقال مستند إلى كتابه «روسيا والغرب والتدخل العسكري» أن «إيران كانت الدولة الأساسية المؤيدة للنظام السوري في محنته الحالية، ومازالت تعتمد هذا الموقف إيديولوجيا وميدانيا. وأن روسيا وفرت درعا منيعا على الصعيد الدولي للدولة السورية، وضخت إلى سوريا مختلف أنواع الأسلحة المتطورة التي ساهمت في عدم سقوط النظام بالتعاون مع النظام الإيراني».

وهذه المجازفة الروسية حسب رأيه وخصوصا في موقف موسكو في مؤتمر القمة لدول (G8) أدت إلى عزل روسيا عن حلفائها في هذه المجموعة». وتساءل آليسون ما هي العوامل الأساسية التي تدفع روسيا إلى اتخاذ هذا الموقف؟. واعتبر آليسون أن الدافع الأساسي لموسكو هو رفض القيادة الروسية للمنطق الأميركي الغربي القائل بأن لدى أميركا وحلفائها حق التدخل العسكري في دول العالم الثالث عندما ترى ضرورة لذلك حسب تقييمها، متجاوزة بذلك قرارات الأمم المتحدة كما فعلت في العراق وليبيا، ومتعدية على مصالح الدول الأخرى (وبينها روسيا والصين) في هذه المناطق».

ورأى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأثر سلبا بما حدث في ليبيا وبالتدخل العسكري لدول النات في هذا البلد الذي اعتبره غير شرعي، وأن بوتين اعتبر أنه ليس من حق الدول الأجنبية تغيير الأنظمة في بلدان العالم الثالث بحسب هواها ومصالحها على حساب هذه الدول وحلفائها. فمثل هذه السياسات الغربية لا تؤثر سلبا على المصالح الخارجية لروسيا وغيرها فحسب بل أيضا تؤدي إلى زعزعة الأنظمة الداخلية في البلدان المناوئة للمعسكر الغربي وتشجع حركات المعارضة المسلحة ضد روسيا، كحركة الشيشان وغيرها ومثيلاتها في الصين وفي أماكن أخرى. إذن المسألة حسب آليسون اقتصادية وسياسية في الوقت عينه. وبالتالي حسب آليسون فإن سقوط النظام السوري يؤدي إلى تصدع سلطة النظام في روسيا، الحليف الأساسي لسوريا التي تشكل حاليا الموقع الباقي للنفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط».

التدخل العسكري

اعتبر آليسون أنه «إذا استجابت الدول الغربية فإنها ستشجع المعارضات في مقاطعات تابعة للاتحاد الروسي على إنشاء معارضات مسلحة ومجالس تمثيلية تطالب بمثل هذه المساعدات الخارجية العسكرية والسياسية مما سيؤدي إلى زعزعة الدولة الروسية».

وترفض روسيا حسب آليسون، «أي تجمعات سياسية تنظمها واشنطن أو دول (الناتو) في سعيها للتدخل العسكري في سوريا أو غيرها بعد ما عانته من مثل هذه السياسات في ليبيا والعراق، وخرجت روسيا بعدها بسلة فارغة من المصالح وبذل أمام حلفائها وشركائها في الخارج والداخل».

ويؤكد آليسون أن روسيا لديها نفوذ كبير في سوريا، ومازالت تزود النظام في دمشق بالأسلحة المتطورة وهي غير مستعدة للرضوخ لأي قرارات إقليمية أو دولية تسعى إلى إقصاء دورها.

وفي ذلك، هي تتعاون مع الصين ودول (البريكس) لمنع صدور أي قرارات عن مجلس الأمن حول سوريا تسمح بالتدخل العسكري الخارجي بأي شكل. وبرغم بعض الخلافات التي حدثت بين روسيا وسوريا في قضايا إقليمية فإن التعاون الحالي بين البلدين في وضع جيد. وهناك تبادل تأييد بين البلدين لقضاياهما المشتركة الحيوية والقضية ليست بقاء قاعدة عسكرية بحرية روسية في…. أو بيع أسلحة أو ترابط في المصالح النفطية والغازية حاليا وفي المستقبل في المنطقة، بل في تمسك الشعب الروسي ببقاء دولته ودورها في الخارج، واستمرار الاتحاد الروسي دولة موحدة من دون إمكان التدخل الأجنبي فيها عن طريق تحريض أقلياتها الأثنية الدينية، وضرورة احترام واشنطن لموسكو كسلطة موازية يسحب إشراكها في القرارات الدولية المصيرية حول سوريا وإيران وغيرهما وليس كما حدث في العراق وليبيا».

وعلى أي حال يقول الكاتب، فإنه ليس في استطاعة سوريا وحدها دفع ثمن الأسلحة المتطورة التي تزودها روسيا بها، ومع ذلك فموسكو تستمر في تزويد دمشق بالأسلحة لأن في ذلك مصلحة سياسية ولأن إيران تساهم في دفع ثمن هذه الأسلحة. وترى موسكو، حسب آليسون، أن حرب الدول الغربية ضد سوريا موجهة بالفعل ضد إيران وأنه عندما تتحسن العلاقة الغربية الإيرانية فإن الضغط الغربي على سوريا سينخفض وسيصبح بالإمكان تطبيق حل دولي عادل في سوريا تشارك فيه موسكو.

7