"تحكيم" إيراني يقرب خصومة العبيدي-الجبوري من نهايتها

بصمات إيران المهتمة بحماية نظام المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية القائم في العراق لما يكفله لها من مصالح، تظهر مجدّدا على الحياة السياسية العراقية، من خلال التوسّط في الصراع الدائر داخل البيت السياسي السني العراقي بين وزير الدفاع ورئيس البرلمان، الأمر الذي يؤشر على إغلاق وشيك للملف بصفقة ترضي الطرفين.
الثلاثاء 2016/08/23
طهران وجهة ضرورية لساسة العراق سنة وشيعة

بغداد - تتطلع الأوساط السياسية والعسكرية العراقية إلى ما ستفضي إليه جلسة البرلمان التي يعقدها الثلاثاء ويتضمن جدول أعمالها النظر في إمكانية سحب الثقة من وزير الدفاع خالد العبيدي، بعد أن كان أغلب أعضاء المجلس قد صوتوا في وقت سابق بعدم اقتناعهم بأجوبة الوزير خلال جلسة استجوابه في البرلمان مطلع أغسطس الجاري.

ويعني سحب الثقة من الوزير إقالته من منصبه، في وقت تراه جهات سياسية عراقية غير مناسب مع دخول الحرب ضدّ تنظيم داعش منعطفا مصيريا بالتزامن مع قرب إطلاق المرحلة الحاسمة من معركة الموصل مركز محافظة نينوى آخر معقل مهمّ للتنظيم المتشدّد بالعراق.

ولا ينبع اهتمام العراقيين بالقضية من أهمية المنصب الذي يشغله العبيدي، بقدر ما ينبع من فضيحة الفساد التي رافقت استجواب الوزير الذي بادر إلى اتهام رئيس البرلمان سليم الجبوري وعدد من النواب بالتورّط في نهب المال العام وبمحاولة ابتزازه للحصول على عمولات من الصفقات الضخمة لوزارة الدفاع.

ومنذ ذلك الحين تحولت قضية استجواب وزير الدفاع إلى معركة سياسية مفتوحة يبدو أن ارتداداتها تجاوزت حدود العراق إلى إيران المستعدة دائما للعب دور الحكم بين فرقاء العملية السياسية العراقية سنّة وشيعة حفاظا على النظام القائم الذي كانت قد أرسته في العراق بالتعاون مع الولايات المتحدة، والقائم على المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية وتقوده أحزاب شيعية تسهر على حماية المصالح الإيرانية الأميركية في البلد. وربطت مصادر عراقية متعدّدة الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري إلى طهران، حيث التقى عددا من كبار المسؤولين الإيرانيين من بينهم الرئيس حسن روحاني، بفضيحة الفساد التي فجّرها وزير الدفاع خالد العبيدي.

وأكّدت المصادر ذاتها أنّ الجبوري غادر طهران بـ”تعليمات صارمة” بوجوب التصالح مع العبيدي ومن يقف خلفه من كبار السياسيين، وذلك منعا لتوسّع الفضيحة وتأثيرها على تماسك الطبقة السياسية المخترقة أصلا بخلافات حادّة وصراعات على المصالح والمكاسب السياسية والمادية.

وبإقفال هذه القضية ستكون إيران قد قامت مجدّدا بدور الحكم بين الفرقاء العراقيين.

إيران غير مستعدة للتضحية بأي طرف سني أثبت عبر السنوات السابقة حرصه على استمرار السيطرة الإيرانية على العراق

واعتبر البعض أنّ الاستثناء في الدور الإيراني تمثل هذه المرّة في انتماء الطرفين المتخاصمين إلى العائلة السياسية السنية. غير أنّ أحد المراقبين السياسيين المعلّقين على زيارة رئيس البرلمان سليم الجبوري المنتمي للحزب الإسلامي، ذراع جماعة الإخوان المسلمين في العراق إلى إيران، أكّد أن علاقة السياسيين العراقيين السنة بإيران ليست جديدة.

وذكّر المراقب السياسي العراقي ذاته بأنّه سبق لوزير الدفاع ورئيس مجلس النواب أن قدما ما يثبت ولاءهما للنظام الإيراني من خلال زياراتهما المتكررة إلى طهران، معتبرا أن ما يحدث الآن يلخص عجز الكتلة السنية عن أن تكون موحدة.

وأضاف أنّ الأدهى من ذلك يكمن في أن تمزق تلك الكتلة يأتي انعكاسا لما شهدته قاعدتها الشعبية من حالة شتات، بسبب نزوح سكان المدن ذات الأغلبية السنية، ما أدى إلى الإطاحة برموزها وسيادة منطق المكائد والدسائس في علاقتهم ببعضهم البعض، وهو ما سرّع في وتيرة التدخل الإيراني من أجل ألّا تؤدي النزاعات السنية-السنية إلى غياب الجهة التي تمثل السنة في الحكومة صوريا.

وبالنسبة إلى إيران -يضيف المراقب السياسي ذاته- فإن وجود السنة طرفا في الحكم ضروري من أجل أن يستمر نظام المحاصصة الذي يضمن لأعوان طهران الغلبة ويضع الأمور كلها تحت سيطرتها. ولذلك فإن سعي إيران إلى التهدئة وعقد الصفقات من أجل تسوية النزاعات إنما يُراد به إبقاء الوضع على ما هو عليه. ومن هنا يستبعد أن تقبل إيران بالتضحية بأي طرف سني أثبت حرصه على استمرار السيطرة الإيرانية على العراق. وقد لا يكون بعيدا عن المنطق أن تؤدي الحماية الإيرانية للكتلة السنية إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ”سنّة إيران”.

وبحسب متابعين للشأن العراقي فإن سحب الثقة من وزير الدفاع العراقي سيزيد من تأجيج الصراع، حيث سيحرّر الوزير من أعباء المنصب والتزاماته ويجعله يتوّسع في كشف قائمة أطول من الفاسدين وسراق المال العام بمن في ذلك السياسيون الذين وقفوا في صفّ رئيس البرلمان وعلى رأسهم زعيم حزب الدعوة، رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

ويخشى أنصار المالكي أن يكون وجود خالد العبيدي على رأس وزارة الدفاع قد مكّنه من الوصول إلى ملفّات فساد متراكمة على مدار السنوات الثماني من حكم زعيم حزب الدعوة.

وعلى هذه الخلفية اتجهت التوقّعات نحو استبعاد تصويت البرلمان الثلاثاء بسحب الثقة من وزير الدفاع بإصدار تعليمات لعدد كاف من النواب بالتصويت ضدّ السحب.

وتأكيدا لهذا المنحى قال النائب حسن الخلاطي القيادي في ائتلاف المواطن بزعامة عمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، الإثنين، إن كتلته النيابية لن تصوت على إقالة وزير الـدفاع معتبـرا أن إقالة العبيدي في ظل ظروف الحرب الراهنة تشكل خطرا على مستقبل العراق وجهـوده في محاربة الإرهاب.

وكان خالد العبيدي ذاته قد بدا واثقا من بقائه وزيرا للدفاع، قائلا في مؤتمر صحافي إن “محاولة سحب الثقة مني مؤامرة، وإن تلك المحاولة ستواجه الفشل”، مضيفا “أغلبية النواب داعمون لنا”.

3