تحلية المياه سبيل ناجع لتحقيق الأمن المائي في الشرق الأوسط

الأربعاء 2014/10/08
السعودية تعتزم تشغيل جميع محطات تحلية المياه بالطاقة الشمسية

لندن- ما فتئت المياه العذبة الصالحة للشرب تمثل تحديا مستقبليا لكل شعوب الأرض، خاصة تلك التي يتسم مناخها بالقسوة والجفاف، ممّا دعا البعض إلى القول ان الماء سيكون محور الحروب القادمة ودافعا لاندلاعها. هذه المعضلة وإن غاب الوعي بخطرها المحدق على بعض الدول، إلا أنّ دولا أخرى أدركت أهميتها وانكبّت تبحث عن حلول كفيلة بتجنب عواقبها شأن بلدان الخليج العربي.

يمثِّل الحصول على المياه العذبة النقية أحد التحدِّيات الكبرى التي تواجهها شعوب العالم، المتزايدة أعدادها، يومًا بعد يوم. ففي حين تتناقص موارد المياه العذبة في جميع أنحاء العالم، تتجه الأنظار إلى مياه البحار والمحيطات المتاحة بوفرة، كمصدر جذّاب؛ لتلبية احتياجاتنا من المياه العذبة من خلال عمليات التحلية.

وتشير دراسة للباحث فيصل والي بعنوان: “أبحاث تحليـة المياه تعطي أملا للشرق الأوسـط”، صادرة عن مجلة “nature”، إلى أن محطات تحلية المياه شهدت خلال العقدين الماضيين تطورات سريعة في استخراج المياه العذبة من البحر. وفي الوقت الحالي، تعتمد حوالي 150 دولة على عملية تحلية المياه لتوفير متطلباتها من المياه العذبة. وفي كل يوم تنتج أكثر من 17 ألف محطة تحلية حول العالم ما يقرب من 80 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب، وأكثر من 50 بالمئة من هذه المحطات تحصل على المياه اللازمة لها من البحار والمحيطات.


هل يعاني الشرق الأوسط مشكلة مياه؟


تحلية المياه المالحة من البحر العربي والخليج العربي هي الحل المنطقي لمشكلة ندرة المياه

انطلق فيصل والي في دراسته من واقع مفاده، أن غالبية الدول في الشرق الأوسط رغم أنها غنية بموارد الطاقة الحفرية من النفط والغاز، إلا أن الماء يعد سلعة نادرة في هذه البقعة من العالم 2.3 بالمئة. ويرى تقرير منظمة “الفاو” للأنظمة المائية العالمية “AQUASTAT” (نشر في العام 2005)، أن 4.4 بالمئة من سكان العالم يسكنون في منطقة الشرق الأوسط، لكنهم لا يحصلون سوى على 1.1 بالمئة من موارد المياه المتجددة في العالم.

وفي هذا السياق، يغدو تطوير التقنيات الفعّالة والبِنْيَة التحتية القابلة للتطوير والتوسيع لسد الحاجة إلى المياه الصالحة للشرب على قائمة أولويات الحكومات المحلية في منطقة الشرق الأوسط. فتحلية المياه المالحة من البحر العربي والخليج العربي هي الحل المنطقي لمشكلة ندرة المياه، والمجال الذي يجدر بالبحوث العلمية في الشرق الأوسط أن تُولِيَه عناية بالغة. ففي الوقت الحالي، توجد 70 بالمئة من إجمالي محطات التحلية في العالم بالشرق الأوسط، بل إن المملكة العربية السعودية وحدها تنتج 20 بالمئة من المياه المحلاة في العالم.


أية مشاكل تعترض تحلية المياه؟


4.4 %من سكان العالم يسكنون الشرق الأوسط ولا يحصلون سوى على 1.1 بالمئة من موارد المياه

ثمة تقنيتان ناضجتان لتحلية المياه المالحة في العالم، حسب دراسة فيصل والي، هما التحلية الحرارية، والتحلية من خلال تقنية الضغط الأسموزي العكسي (Reverse Osmosis). وكلا التقنيتان تُستخدَمان في دول الشرق الأوسط، فالسعودية مثلا بها الآن أكبر محطة للتحلية الحرارية في العالم، وتنتج 640 ألف متر مكعب في اليوم.

وهذه التجارب انطلقت منذ زمن، حيث أن دول الشرق الأوسط تستخدم عملية التحلية الحرارية منذ الستينات من القرن الماضي كعملية رئيسة في إنتاج المياه الصالحة للشرب، لكن متطلبات التحلية الحرارية التي تَستهلك كميات كبيرة من الطاقة، جعلت التركيز يتجه إلى تطوير تقنيات تحلية أقل استهلاكا للطاقة، مثل الضغط الأسموزي العكسي.

وبالفعل، اتجهت 70 بالمئة من محطات التحلية الحرارية في جميع أنحاء العالم إلى تقنية الضغط الأسموزي العكسي، لكن دول الشرق الأوسط لا تزال تنتج 50 بالمئة فقط من المياه الصالحة للشرب بهذه التقنية. ومن أبرز عيوب هذه التقنية أن الأغشية المستخدَمة ليست مهيأة تماما لدرجة الملوحة العالية لمياه البحر الأحمر والخليج العربي. كما أن الحرارة العالية في المنطقة تؤثر على الكفاءة والقدرة التشغيلية لمحطات الضغط الأسموزي العكسي.


ماهي تقنيات المستقبل؟


أوضح فيصل والي في دراسته الصادرة عن موقع “nature”، أنّ ثمة تقنيات جديدة عديدة للتحلية يجري تطويرها؛ لتقليل استهلاك الطاقة، وإنتاج عمليات التحلية المستدامة بالاعتماد على التقنيات المتجددة، منها التحلية بالامتزاز “Adsorption Desalinatio”، التي تُعَدّ واحدة من أوفر تقنيات تحلية المياه المتاحة توفيرا للطاقة. وكان فريق من الباحثين بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، قد أنشأ نموذجا تجريبيا ناجحا، وتمت الموافقة رسميا على إنشاء أول محطة صناعية ضخمة تَستخدم تقنية التحلية بالامتزاز في المملكة العربية السعودية.

وتَستخدِم تقنية التحلية بالامتزاز الطاقةَ الشمسية المباشرة، أو فائض الحرارة من التطبيقات الصناعية في تحلية المياه عالية الملوحة، ولكن لا تزال هناك بعض المخاوف المرتبطة بحجم تكلفة رأس المال المباشر، وتلك المخاوف التي ينبغي التعامل معها من خلال نمذجة وفَحْص دورة التكلفة.

وهنالك تقنية أخرى تُعرف بتقنية التقطير الغشائي “Membrane distillation”، وهي تقنية حرارية منخفضة الاستهلاك من الطاقة تَستخدِم غشاء دقيقا صادّا للماء؛ لفصل الماء العذب من خلال التوازن بين السوائل والبخار. وتَعتمد هذه التقنية على المَزْج بين التقنيات التقليدية للتقطير، واستخدام الأغشية التي تتضمن الحرارة ونقل الكتلة.


كيف يتم تخطي العقبات؟

منافع الجمع بين التحلية والطاقة المتجددة:
◄ إيجاد مورد مياه مستدام

◄ إيجاد قطاع مائي آمن من ناحية الطاقة

◄ الاستدامة البيئية


بَيَّنَت الدراسات الأولية أن الأغشية الصادة للماء ذات التدفق العالي، يمكنها إنتاج مياه عالية الجودة في درجات حرارة متدرِّجة، تبدأ من 10 درجات مئوية بين التيارات الباردة والساخنة.

ومع ذلك بقيت هناك عقبات كبيرة تمنع التسويق التجاري على نطاق واسع، منها الدَّفْق منخفض النفاذ، وتَدَنِّي الكفاءة الحرارية لوحدات التقطير الغشائي؛ الأمر الذي يعني زيادة الحاجة إلى المزيد من الأبحاث؛ لتطوير أغشية جديدة للتقطير الغشائي بإنتاجية عالية؛ لزيادة النفاذ من خلال الضغط، وتعزيز التوفير في الطاقة اللازمة للتسخين باستخدام الحرارة الصناعية الفائضة، أو من خلال دَمْج الاستخدام المباشِر للطاقة الشمسية.

كما يُمْكِن تضمين تقنية الضغط الأسموزي الأمامي “forward osmosis” بصورة مباشرة، أو غير مباشرة؛ لكي تصبح عملية التحلية أوفر في استهلاك الطاقة. فعملية التحلية غير المباشرة باستخدام تقنية الضغط الأسموزي الأمامي تَستخدِم مياها منخفضة الملوحة، مثل مياه الصرف؛ لتخفيف الملوحة الشديدة لمياه البحر، منتِجةً مياهًا محلاة جزئيا، يمكن استخدامها في الزراعة والري.

وتُبيِّن الأبحاث الجارية أن هذه العملية تخلِّف قدرًا أقل من القاذورات على أسطح الأغشية، مع إمكانية الإزالة الكاملة للملوّثات، مثل عناصر التلوث الدقيقة، والمواد العضوية الطبيعية، وبقايا المعادن والمواد الغذائية من مياه التلقيم.

ومع ذلك.. لا يزال هناك عدد من الجوانب التي ينبغي استكشافها، قبل تطبيق التكنولوجيا على الإنتاج التجاري في الشرق الأوسط، فتطوير الأغشية المستخدمة بتقنية الضغط الأسموزي الأمامي عالية الإنتاجية، سيمثِّل نقلةً نوعيّة تساعد على توسيع العمليات والتدشين التجاري واسع النطاق.


هل من حلول أخرى؟


تستخدِم تقنية التحلية بالامتزاز الطاقةَ الشمسية المباشرة، أو فائض الحرارة من التطبيقات الصناعية في تحلية المياه عالية الملوحة

مع تَنَامِي الطلب المستمر على المياه العذبة في الشرق الأوسط، يَعتمِد مستقبَلُ تحلية المياه على الخلط بين التقنيات القائمة والجديدة. وينبغي للأبحاث المستقبلية أن تركِّز على المزج بين تقنيات الضغط الأسموزي الأمامي”FO”، والتقطير الغشائي”MD”، والتحلية بالامتزاز “AD” مع ـ أو من دون ـ تقنيات التحلية التقليدية، مثل التحلية الحرارية، أو الضغط الأسموزي العكسي.

وهذا المزج سوف يُسهم في تطوير تقنيات التحلية التي تعمل بالطاقة المتجددة، كما أنه سيسهم في ترشيد استهلاك الطاقة. ويتطلب الأمر التخطيط والإدارة الرشيدة لموارد المياه؛ لعلاج ندرة المياه في المنطقة، إلى جانب تطوير تقنيات التحلية الفعّالة والصديقة للبيئة.


كيف تربط التحلية بالطاقة الشمسية؟


في هذا السياق، يشير تقرير صدر عن البنك الدولى عن “تحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة”، من جهته، إلى أنّ الربط بين التحلية ومصادر الطاقة المتجددة، يعدّ أحد الحلول المهمة التي يمكن أن تقلل من تكلفة هذه العملية.

ومن بين هذه المصادر المتجددة – سواء كانت طاقة الرياح أو الكتلة الإحيائية أو الحرارة الأرضية أو الطاقة الكهرومائية- تبرز الطاقة الشمسية في المنطقة؛ إذ تمثل أكبر مورد للطاقة فيها، فهي متوفرة في كل مكان طوال السنة، وتزيد ألف مرة عن مجموع المصادر الأخرى للطاقة المتجددة بالمنطقة. بل تعادل إمكانات الطاقة المحتملة من أشعة الشمس في المنطقة لكل كيلومتر مربع في السنة، حجم الطاقة المولدة من مليون إلى مليوني برميل نفط.

ويمكن استخدام الطاقة الشمسية في تحلية المياه، إما بشكل مباشر أو غير مباشر. فنظم الجمع التي تستخدم الطاقة الشمسية لإنتاج نواتج تقطير بشكل مباشر في المجمع الشمسي، تسمى نظم التجميع المباشر، بينما تلك التي تضم نظم تجميع الطاقة الشمسية إلى نظم تحلية المياه التقليدية تسمى نظما غير مباشرة.

هل ينجح التعويل على الطاقة الشمسية؟

تُعَدّ أنظمة تركيز الطاقة الشمسية “CSP” خيارا جذابا لإمداد محطات تحلية المياه بالطاقة على نطاق صناعي

العوائق الأساسية لاستخدام الطاقة الشمسية الحرارية في محطات تحلية المياه هي: انخفاض معدل الإنتاجية، والكفاءة الحرارية المنخفضة، ومتطلبات المساحة الواسعة لتلك المحطات، ومن ثم فإن محطات التحلية القائمة على الطاقة الشمسية الحرارية ملائمة أكثر للإنتاج على نطاق صغير، خاصة في المناطق النائية القاحلة وفي الجزر؛ حيث تندر موارد الطاقة التقليدية.

في المقابل، تُعَدّ أنظمة تركيز الطاقة الشمسية “CSP” خيارا جذابا لإمداد محطات تحلية المياه بالطاقة على نطاق صناعي، التي تحتاج كلا من السوائل عالية الحرارة والكهرباء، حيث يمكن لأنظمة “CSP” أن توفر إمدادات مستدامة للطاقة للعمل بشكل مستمر في محطات تحلية المياه.

وعلى أرض الواقع، شرعت عدّة بلدان عربية بالفعل – منها الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية- في تطوير مشروعات كبيرة لأنظمة تركيز الطاقة الشمسية، ما يبشر بحقبة جديدة في الشرق الأوسط. وباعتماد هذه التقنيات، ستجني المنطقة ثلاث منافع كبرى من وراء الجمع بين التحلية ومصادر الطاقة المتجددة، ولاسيما مواردها غير المحدودة من أشعة الشمس، وهذه المنافع تتلخص في؛ إيجاد مورد مياه مستدام، وإيجاد قطاع مائي آمن من ناحية الطاقة، وكذلك الاستدامة البيئية.

يخلص تقرير البنك الدولي إلى القول، ان بلدان العالم العربي، سوف تحتاج في المستقبل القريب لزيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة، وضخ استثمارات ضخمة بها؛ لزيادة إنتاجها من المياه المحلاة حتى تسد جزءا من الشح في موارد المياه الصالحة للشرب.

6