تحلية المياه في الأردن حل مكلف لمواجهة العطش

الجفاف والكثافة السكانية وراء معاناة البحث عن الماء الصالح للشرب والزراعة.
الجمعة 2019/10/11
تحلية المياه مشروع مكلف

يعاني الأردن من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب والزراعة بسبب ارتفاع عدد السكان والجفاف، إضافة إلى تراجع معدلات سقوط الأمطار وعدم تعويض النقص في الاحتياطات الجوفية، ولمحاولة حل الأزمة المتفاقمة يبحث الأردن تحلية المياه المالحة، لكن ذلك يواجه تحديات التكلفة الباهظة.

 عمان – يقتصد حاتم السعدي وأفراد أسرته بصورة كبيرة جدا في استهلاك المياه، خاصة في فصل الصيف، فمثلهم مثل العديد من الأردنيين، يعانون من نقص دائم في المياه.

يقول السعدي (47 عاما) “لم تصلني مياه تقريبا هذا الصيف”. ويعيش السعدي على مسافة كيلو متر ونصف إلى الغرب من خزان روماني قديم عند مدينة جرش، شمال العاصمة عمان.

ويوضح كيف أن شح المياه أجبره على زراعة أشجار “لا تحتاج إلى الكثير من الماء، مثل الخروب”.

ويعد الأردن إحدى أكثر دول العالم جفافا، إلا أن انخفاض مستويات المياه الجوفية وتغير المناخ وتزايد عدد السكان بسبب تدفق اللاجئين يعني أن الوضع مرشح للمزيد من التدهور خلال السنوات القادمة.

ولحل المشكلة، يعلق الكثير من المسؤولين آمالهم على مشاريع تحلية المياه، ولكن هذا الحل أيضا لا يخلو من تحديات سياسية خاصة.

العطش يطال الحيوانات
العطش يطال الحيوانات

ويجبر نقص المياه في الأردن منذ فترة طويلة السلطات على تطبيق نظام توزيع خاص عن طريق ضخ المياه إلى مناطق مختلفة مرة واحدة في الأسبوع، بحيث يتمكن السكان من ملء الخزانات الخاصة بهم.

وفي بعض الأحيان، تحدث اضطرابات في جدول التوزيع ولا يحصل الناس حتى على حصتهم الأسبوعية. ويجبرهم ذلك على شراء المياه من الصهاريج المتنقلة، وهو بديل مكلف حيث يبلغ سعر الستة أمتار مكعبة 25 دينارا (35 دولارا).

وفي بعض الأحيان، لا يستطيع السعدي، الذي يعمل في محل عصائر، دفع ثمن صهريج المياه كاملا، ولذلك فإنه يتقاسمه مع أحد الجيران حتى يأتي موعد تقاضي راتبه التالي.

ويقر إياد الدحيات أمين عام سلطة المياه في الأردن بوجود استياء شعبي بسبب النقص المستمر في المياه.

وقال إن “هناك مناخا عاما من الاستياء … الوضع شديد الصعوبة، نجد أنه من الأصعب أكثر فأكثر أن نزود شعبنا بالمياه”.
وتأتي نحو 70 بالمئة من موارد الأردن من المياه من مصادر جوفية، حيث يتم استخراجها من تحت الأرض. إلا أن الدحيات يقول إن هذا المصدر يتناقص بسبب الزيادة في عدد السكان والإفراط في استخدام المياه في القطاع الزراعي وتغير المناخ.

عدد اللاجئين الذين يعيشون في الأردن يضغط هو الآخر على الموارد المائية، إلا أن الحياة أصبحت أفضل  بعد توافر ثلاثة آبار وخط أنابيب لتوزيع المياه داخل المخيم الزعتري
 

ويعني ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات سقوط الأمطار عدم تعويض النقص في الاحتياطات الجوفية.

ويتم حجز كمية أقل من المياه في 15 سدا في الأردن، بالإضافة إلى نحو 250 سدا صحراويا أو رمليا والتي يمكن أن تحجز ما يصل إلى 450 مليون متر مكعب.

ووفقا لتقديرات فولك لينديماير، منسق مشاريع المياه الجوفية في الأردن بـ”المعهد الفيدرالي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعية”، فإن مستوى المياه الجوفية تراجع بنحو 50 مترا خلال 22 عاما.

وأوضح لينديماير أن المشكلة لا تعني أن المياه الجوفية ستختفي، وإنما تعني أنه سيتعين الحفر لأعماق أكبر للوصول إلى المياه الجوفية، كما أن معالجة هذه المياه ستصبح مكلفة بصورة أكبر بكثير.

وبينما يدرك الأردنيون أن الموارد المائية شحيحة بحكم الطبيعة في بلادهم، يرى كثيرون أن السبب في معاناتهم هو الفساد وغياب الإشراف في بلد انخفضت فيه حصة الفرد من المياه سنويا من ألف متر مكعب في الخمسينات إلى 80 مترا في بعض المناطق هذه الأيام.

ووفقا للمتحدث باسم وزارة المياه عمر سلامة، فإن نحو 45 بالمئة من احتياطيات المياه يتم فقدها بسبب السرقة والبنية التحتية السيئة في بعض المناطق. وتحاول الحكومة التصدي للممارسات غير القانونية وفي الوقت نفسه تسعى باستمرار لتوسيع نطاق مصادرها.

وقال الدحيات “لن تكون الأمور سهلة خلال السنوات الثلاث المقبلة ما لم نضخ المزيد من الإمدادات في الشبكة”.

وبدأ في عام 2014 ضخ المياه في واحد من أكبر المشاريع الجديدة في الأردن، وهو مشروع جر مياه الديسي. وهناك أيضا خطط لزيادة قدرة السدود، وللتوسع في معالجة مياه الصرف الصحي، وحفر المزيد من الآبار العميقة.

ويعتقد المسؤولون أن تحلية المياه يمكن أن تكون الحل الأكثر استقرارا.

ولا يزال مشروع نقل مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت مطروحا على الطاولة منذ أن وقعت الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية اتفاقا في ديسمبر 2016.

ومن شأن هذا المشروع توفير المياه المحلاة للأطراف الثلاثة وضخ مياه أكثر ملوحة في البحر الميت. إلا أن المشروع تعطل وسط توترات سياسية بين إسرائيل والأردن، اللذين وقعا معاهدة سلام عام 1994.

إلا أن الدحيات متشائم، ويقول إنه لا يتوقع أن يتم إنجاز هذا المشروع.

ولا يمكن أن يظل الأردن ينتظر أكثر من ذلك، ومن ثم فإنه يتطلع إلى إقامة مشروعه الخاص لتحلية المياه في مدينة العقبة على البحر الأحمر.

70 بالمئة من مياه الأردن من مصادر جوفية لكنها في تناقص بسبب الإفراط في استخدام المياه في القطاع الزراعي وتغير المناخ
 

ويعتقد الدحيات أن هذا يمكن أن يكون الحل الأفضل لأزمة المياه في الأردن، إلا أنه من المتوقع أن تبلغ تكلفة المشروع 1.5 مليار دولار. وفي حال لم تتوافر مساعدات دولية، فإن عمان ستعاني لتمويل هذا المشروع باهظ التكلفة.

وأشار الدحيات إلى ضرورة أن يكون هذا المشروع على قائمة أولويات عمل الحكومة.

وفي ظل الأزمات التي تمر بها العديد من دول الجوار الأردني، فإن عدد اللاجئين الذين يعيشون في الأردن يضغط هو الآخر على الموارد المائية.

وفي مخيم الزعتري للاجئين السوريين، شمال شرق عمان، اعتادت أسرة علي حسين عبدالله طيلة خمس سنوات على الاصطفاف أمام صهريج مشترك للحصول على احتياجاتها اليومية. إلا أنه الآن، بعد توافر ثلاثة آبار وخط أنابيب لتوزيع المياه داخل المخيم، أصبحت حياة هؤلاء اللاجئين أفضل.

ويوضح أحمد الطراونة المسؤول في قسم المياه والصرف الصحي في صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أنه لا يزال يتعين عليهم نقل ألف متر مكعب إضافية يوميا بالشاحنات لتزويد كل شخص بـ55 لترا من المياه، وهو الحد الأدنى المطلوب وفقا لمنظمة الصحة العالمية. وفي فصل الشتاء، تكون حصة اللاجئ 35 لترا يوميا.

ويشعر عبدالله (52 عاما) براحة أكثر كون الوضع في المخيم قد تحسن. وأصبح بإمكان عائلته غسل الملابس وقتما تحتاج إلى ذلك، كما أنه يوفر دلوين من الماء كل أسبوع لري الأشجار القليلة التي يزرعها خارج الكرفان الذي يعيش فيه، وهي الأشجار التي تذكره بنباتات الطماطم والكوسة التي كان يزرعها في سوريا.

20