تحليل كتاب: الثقافة العلمية ضرورة لتطوير المجتمع ومعايشة العصر

الثقافة العلمية تعمل على تعظيم القدرة على تحليل المعلومات المتاحة وربط القضايا بعضها ببعض على وجه سليم، وتوليد أفكار جديدة تخدم الفرد والمجتمع.
الاثنين 2018/07/30
الثقافة العلمية تساعد على تأصيل قيم الجمال والنظافة (لوحة: إبراهيم الصلحي)

يرى الكاتب المصري د. منير علي الجنزوري في كتابه ”الثقافة العلمية ضرورة لتطوير المجتمع ومعايشة العصر”، أن هناك خطا فارقا بين عناصر النشاط الذهني المرتبط بالتعلم في إطار مهني معين، والآفاق الرحبة المرتبطة بالثقافة العامة التي توفر دراية واسعة المدى بمختلف الاهتمامات البشرية وتحقق تفاعلا أوسع مع المجتمع، وتستهدف إشباعا وجدانيا وفكريا ونفعيا للفرد، كما تثري الأنشطة المجتمعية في مجالات متنوعة.

وأوضح المؤلف أن المعارف الإنسانية تعاظمت بشكل فائق التسارع منذ النصف الثاني من القرن الماضي مما أدى إلى حتمية التفرقة بين التعلم التخصصي الضيق – ذي النفع الأكيد – والمعرفة العامة بما حولنا من معارف عظيمة التباين في مجالات حقا متباعدة.

وبما أن البشر يعيشون الآن في عصر تستحدث فيه كل يوم معارف جديدة تفتح آفاقا لم تكن معروفة من قبل؛ فقد سمع من قبل عن غزو الفضاء والوصول إلى القمر، والآن يسمع عن الفمتوثانية وعن النانوتكنولوجي، وفي مجال العلوم البيولوجية على سبيل المثال يسمع عن الاستنساخ والهندسة الوراثية والعلاج بالجينات والخلايا الجذعية والبصمة الوراثية وعن نقل الأعضاء والأنسجة وعن تكنولوجيا مساعدة الإنجاب، فضلا عن البحوث في مجالات علم المناعة والكشف عن الجينومات والبيولوجيا الجزيئية.

إن كل ذلك- من وجهة نظر الكاتب- يدفع بالبشر إلى الولوج بثقافتهم العلمية إلى هذه الأطر ليخلقوا حولهم مناخا علميا مواكبا للعصر. كما أن الإدراك الجيد لهذه المستجدات يضع إطارا سليما لمن يتناولون مهمة الكتابة في مجال “الخيال العلمي”، ذلك أن من يكتب في هذا المجال عليه أن يميز بعلمه وفكره ووجدانه أطر الخيال العلمي.

الثقافة العلمية ترتقي بفكر الفرد والجماعة
الثقافة العلمية ترتقي بفكر الفرد والجماعة 

ومن المؤكد أن تقدم العلوم يزيد من واجبات البشر نحو التثقيف العلمي، فلا شك أن ما عليهم أن يتفاعلوا معه من معطيات علمية الآن يزيد كثيرا عن واجبات التثقيف العلمي في بداية القرن التاسع عشر مثلا، ولكن من جانب آخر فإن وسائل التثقيف العلمي المتاحة الآن تزيد كثيرا أيضا عن الوسائل التثقيفية التي كانت متاحة في بداية القرن التاسع عشر، ويكفي فقط ما تتيحه للبشر الشبكة الإلكترونية الآن من معارف عن طريق ضغطة إصبع، ولا شك أن ثقافتهم العلمية سيزيد اعتمادها على الشبكة الإلكترونية يوما بعد يوم. كما أن وعي النخبة منهم بثقافة علمية جيدة يتيح لهم سبل القيادة الحكيمة للقاطرة واتخاذ القرارات الصحيحة.

ومن المثير حقا أن يدرك البشر أن العلاقة بين الصفوة من أهل العلم في مجتمع ما من جانب، وعموم الجمهور من جانب آخر هي علاقة ذات اتجاهين، فإذا ما حرص مجتمع ما على دفع الصفوة لإشاعة الثقافة العلمية بين عموم الجمهور وتم توفير الآليات المحققة لذلك، فإن عموم الجمهور المثقف علميا سيشكل عندئذ قوة ضاغطة على المجتمع وعلى الصفوة من أهل العلم لكي يعملوا على تحقيق إنجازات علمية على مستوى رفيع تضع البلاد في مستوى علمي لائق بين الدول الأخرى، ويحقق طموحات الوطن.

ويرى الكاتب أن الثقافة العلمية تعمل على تعظيم القدرة على تحليل المعلومات المتاحة وربط القضايا بعضها ببعض على وجه سليم، وتوليد أفكار جديدة تخدم الفرد والمجتمع، حيث تستهدف الثقافة العلمية إكساب الفرد الطرق إلى المعرفة، وليس فقط تزويده بالمعرفة. وبالثقافة العلمية نستطيع أن نتخذ موقفا سليما وإيجابيا ضد من يوظفون العلم لأغراض غير سوية.

إن توفر الثقافة العلمية لدى الأفراد يوفر لهم القدرة على التفكير المنطقي في مختلف الأمور التي تواجههم، ويساعدهم على حل بعض المشاكل التي قد تعترضهم، كما تجعلهم يتسمون بالعقلية الرقمية التي تدفعهم إلى استخدام الأرقام في عرض آرائهم، وتجنب الأساليب الخطابية المرسلة، كما توفر لهم الثقافة العلمية استخدام المصطلحات العلمية السليمة، وتفعيل التفكير في تحقيق الأهداف، وتحول الفرد – إذا جاز التشبيه – من لاعب طاولة إلى لاعب شطرنج، أي من ممارسة حياتية بطريقة عشوائية تعتمد على الحظ والصدفة إلى التفاعل مع الأمور الحياتية اعتمادا على إمعان الفكر. وفي النهاية فإن الثقافة العلمية ترتقي بفكر الفرد والجماعة بما يؤدي إلى أن المجتمع يصبح مستشعرا لقدر العلم ومدركا لمكانة العلماء.

وأكد الجنزوري أن الثقافة العلمية تساعد على تأصيل قيم الجمال والنظافة، فالثقافة العلمية تجعل الأفراد يرتادون متاحف الفنون ومعارض الزهور، وتجعلهم يتأملون التماثيل المقامة في الميادين، وتأمل المباني الجميلة ذات التصميمات الجاذبة، وتجعلهم يقدرون الشوارع والميادين النظيفة الأنيقة، والقاعات العامة مبهرة التصميم، والحدائق التي تلقى أشجارها وزهورها التشذيب والرعاية. ورغم أنه لا توجد صلة مباشرة بين العلم وهذه المشاهد؛ إلاَّ أن من يتمتع بثقافة علمية رفيعة نجده يتمتع أيضا بوجدان مشتاق، وإحساس مرهف، ومشاعر ودودة، وتواصل حميم، نحو عناصر الجمال في ما حوله ككل.

12