تحولات الحراك الجنوبي.. ورقة أخرى عصية على إيران

يمثل اليمن، إلى جانب العراق وسوريا، وجهة استراتيجية تصب في عمق الأهداف الإيرانية في المنطقة، وهو ما دفعها إلى الانخراط في جملة من الأحداث الكبرى التي جرت وتجري في هذا البلد، بما في ذلك الحراك الشعبي الجنوبي الذي حاولت تغيير مساره وفق ما يخدم مصالحها، لكن يبدو أن الكثير من الفاعلين اليمنيين ميدانيا قد انتبهوا لهذا البرنامج، وأغلقوا المنافذ أمام المد الإيراني جنوب اليمن.
الخميس 2016/04/07
كل الظروف باتت ضد إيران في اليمن

صنعاء - في مبنى مكوّن من عدة طوابق في قلب الضاحية الجنوبية ومن داخل استوديو متواضع في شقة تقع بين مقر قناة المنار التابعة لحزب الله وقناة المسيرة الحوثية، كان المذيع يتلو، بصوت عال هز أرجاء المبنى، خطابا حماسيا لأحد قادة الحراك الجنوبي.

استمر المذيع في إلهاب حماس الجماهير الذين احتشدوا أمام شاشة صغيرة في مقهى شعبي في أحد أحياء مدينة المكلا، قبل أن تحلّ محلّه مذيعة لبنانية ترتدي الحجاب الذي يميز مذيعات قناة المنار لتقرأ نشرة أخبار الجنوب العربي.

كان الصيف قائظا في ذلك الوقت من السنة، وكانت الأحداث السياسية على الساحة اليمنية تشهد حالة غير مسبوقة مع استمرار الاحتجاجات التي دعا إليها المجلس الأعلى للحراك الجنوبي المطالب بانفصال جنوب اليمن.

تحولت شوارع عدن والمكلا والضالع على وجه التحديد إلى ساحات مواجهة مستمرة بين قوات الأمن، وبين مجاميع غاضبة من المحتجين الذين دأبوا على رفع أعلام وشعارات وصور الحراك الجنوبي.

في العام 2007 بدأت ملامح حركة منظمة وصاخبة تظهر في الأفق، وكانت البداية عندما أعلن عدد من ضباط ما كان يسمى بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عن البدء بسلسلة احتجاجات تجاه ما اعتبروه استهدافا ممنهجا لإقصاء الكوادر الجنوبية من القوات المسلحة والأمن.

ويرى الكثير من المراقبين أن ما عرف بجمعية المتقاعدين العسكريين والأمنيين التي تم الإعلان عنها في ذلك العام كانت بمثابة الجذوة التي حولت مطالب الجنوبيين من نطاق الهمس إلى مرحلة الصراخ.

وفي العام 2008 اتسعت حركة الاحتجاجات بشكل متسارع، وسارعت القوات الأمنية لإلقاء القبض على العشرات من قادة الحراك، وهو الأمر الذي فاقم من حالة الاحتقان الشعبي في جنوب اليمن وساهم في إذكاء جذوة “الكفاح الثوري” الذي ظل خلال العقود الماضية أبرز سمات الشخصية اليمنية الجنوبية.

الحرب كشفت عن خارطة قوى جديدة مما تسبب عمليا في خسارة حزب الله ومن ورائه إيران لرهان مصادرة الشارع الجنوبي

كان نائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض يراقب الأحداث عن كثب من قصره الفاره في إحدى ضواحي العاصمة العمانية مسقط، وبدأت روح التحدي التي عرف بها تسري مجددا في عروقه التي أوشكت على التجمد.

لم ينتظر علي سالم البيض طويلا فقد شعر بأن الفرصة باتت سانحة للعودة مجددا إلى دائرة الضوء واختطاف اللحظة التاريخية التي منحتها له حالة السخط الشعبي التي اجتاحت الشارع الجنوبي.

وفي ذكرى قيام الوحدة بين شطري اليمن في الحادي والعشرين من مايو 2009 ظهر علي سالم البيض مجددا بعد اختفاء استمر لسنوات ليعلن عبر خطاب تلفزيوني هو الأول من نوعه، تم بثه من مدينة ليستبو النمساوية عـن استجابته لدعوات الحراك الجنوبي وسعيه للانفصال وفك الارتبـاط مع شمال اليمن، باعتباره الرئيس الشرعي لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، مطالبا بعودة الوضع إلى ما قبل مايو 1990.

خلال أعوام قليلة، شهد الحراك الجنوبي العديد من التحولات. وبينما اكتفى البعض باستجابة الرئيس السابق علي عبدالله صالح لمطالب عودة العسكريين المسرحين، توسّعت دائرة المطالب بشكل سريع لتصل إلى المطالبة بعودة دولة الجنوب، غير أن ظهور آخر رئيس جنوبي قبل الوحدة ونائب رئيس مجلس الرئاسة بعدها منح حركة الاحتجاجات الجنوبية زخما جديدا.

وتعززت المطالب السياسية وتمكّن علي سالم البيض من منح تحركاته طابعا دبلوماسيا وإعلاميا من خلال مطالبته المنظمات والهيئات العربية والدولية بدعم انفصال جنوب اليمن؛ لكنه لم يفلح في تحقيق اختراق حقيقي وخصوصا في دول الإقليم التي لم تتحمس أبدا لمغازلات البيض معتبرة أن دعم الحركات الانفصالية في المنطقة يمكن أن يشجع على خلق المزيد منها.

في مكتبه في الضاحية الجنوبية، كان مسؤول الإعلام الخارجي في حزب الله اللبناني ناصر أخضر يستقبل للمرة الأولى مبعوثا خاصا من الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض، وكان النقاش يدور حول كيفية دعم الحزب لمطالب الحراك الجنوبي السياسية والإعلامية على وجه الخصوص.

تسرب اليأس إلى علي سالم البيض من عدم جدوى حصوله على أي التفاتة من دول الخليج التي كانت غير متحمسة للغاية لمناقشة خيار الانفصال، بل إن بعض دول الخليج شنت حملات أمنية لمنع تدفق الأموال إلى الحراك الجنوبي في الداخل إثر شكاوى تقدم بها الرئيس علي عبدالله صالح.

"الموت أو الوحدة"

دور حزب الله

كان حزب الله وإيران يراقبان الموقف ولأسباب يظل الكثير منها غامضا قررا فتح قناة اتصال مع علي سالم البيض، وهو الأمر الذي فسره البعض برغبة إيران في استثمار حالة الفوضى الخلاقة التي بدأت تتشكل في جنوب اليمن.

وعرض أخضر على من يعتقد أنه مدير مكتب علي سالم البيض أن يقدّم حزب الله خدماته من خلال تدريب العديد من عناصر الحراك الذين يرشحهم البيض، كما اقترح استضافة الحزب لقناة الحراك الجنوبي وتقديم الدعم المادي والفني لها.

في العام 2011 ومع تصاعد الاحتجاجات المطالبة برحيل الرئيس علي عبدالله صالح اعتبر العديد من قادة الحراك الجنوبي وعلى رأسهم أمين عام المجلس الأعلى للحراك العميد عبدالله الناخبي، أن مطالب الانفصال لم تعد منطقية وأن الأجدر الوقوف مع الثورة الشبابية لإسقاط نظام الرئيس علي عبدالله صالح الذي اعتبره السبب الحقيقي في معاناة الجنوبيين. وأثار موقف الناخبي غضب العديد من أجنحة الحراك التي سارعت في أول اجتماع لها في شبوة في يونيو 2011 باستبدال الناخبي بأحد صقور الحراك.

في شقة جديدة تم افتتاحها في ذات المبنى الذي يضم قنوات المنار والمسيرة والساحات كانت قناة عدن لايف تبث نوعا جديدا من الخطابات التي لم يعهدها اليمنيون، وقد ساهم هذا الخطاب وفقا لمراقبين في تغيير مزاج الشارع الجنوبي وجعله أكثر تشددا، بل وصل الأمر إلى وصف اليمنيين بالمحتلين وحتى إنكار يمنية الجنوب.

وكان علي سالم البيض قد قرر الانتقال إلى بيروت برعاية وحماية من حزب الله اللبناني، وتحولت بيروت إلى مركز رئيسي لأنشطة الحراك وفعالياته.

وفي العام 2013 ومع رحيل الرئيس السابق علي عبدالله صالح وتولي عبدربه منصور هادي سدة الرئاسة باعتباره أول جنوبي يتولى هذا المنصب، شهد الحراك الجنوبي في الداخل موجة تراجع إضافية، وكان القيادي الجنوبي البارز محمد علي أحمد هذه المرة أبرز وجوهها، حيث وافق على قيادة فريق الحراك الجنوبي في مؤتمر الحوار الوطني الشامل في ظل معارضة شديدة في صفوف أفراد الحراك الجنوبي الذين قالوا إن هذا الحوار لا يعنيهم.

وفي العام 2013 مر الحراك الجنوبي بأضعف مراحله وبدا علي سالم البيض يغرّد وحيدا خارج السرب من مقر إقامته في بيروت، في حين بدأ حل القضية الجنوبية يلوح في الأفق من خلال طرح قضية الفيدرالية التي رأى الكثير من الجنوبيين أنها ستكون حلا عادلا وممكنا، مع استحالة دعم مطلب الانفصال إقليميا ودوليا. لم يقف البيض مستسلما فقد وجه أنصاره إلى إحراق صور الرئيس عبدربه منصور هادي وخصوصا في عدن والمكلا، كما تحدثت الكثير من التقارير عن تواصل البيض مع زعيم الجماعة الحوثية بهدف تنسيق الجهود بين الطرفين.

وبدأت نتائج هذا التنسيق من خلال تبني الحوثيين إعلاميا لمطالب الجناح المتشدد في الحراك الجنوبي، فيما أخذ حراك علي سالم البيض يتغنى بمظلومية الحوثيين وحقهم في نشر فكرهم. وظل الشارع الجنوبي منقادا لتوجهات قياداته التي انخرط الكثير منها في صراعات جانبية.

وتوزعت خارطة الولاءات بشكل حاد؛ فبينما لزمت قيادات بارزة الصمت مثل الرئيس السابق علي ناصر محمد، ظهرت قيادات أخرى غير راضية عن التقارب بين بعض أجنحة الحراك وإيران وحزب الله.

علي سالم البيض ينتقل إلى بيروت برعاية من حزب الله الذي حول بيروت إلى مركز رئيسي لأنشطة الحراك وفعالياته

انقلاب الحوثيين

استمرت حالة العبث والتخبط حتى سقوط صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014. ورحب الجناح الأبرز في الحراك الجنوبي الذي يقوده علي سالم البيض ضمنيا بهذه الخطوة، انطلاقا من التنسيق السابق مع الحوثيين واعتقادا منهم بأن الحوثي سيفي بوعوده المعلنة في ما يتعلق بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم.

في خطابه الأول بعد السيطرة على العاصمة صدم عبدالملك الحوثي الجنوبيين، عندما استعار لسان الرئيس السابق علي عبدالله صالح وجوهر شعاره الشهير الذي رفعه في حرب صيف 94 “الوحدة أو الموت”. وسرعان ما تحولت شعارات الحوثي إلى أمر واقع عندما وصلت طلائع ميليشياته إلى مشارف مدينة عدن في مارس من العام 2015.

وتعرضت مدينة عدن ومدن الجنوب عموما لحالة دمار غير مسبوقة وصمت الحراك الجنوبي ولم يصدر مجلسه الأعلى الذي يقيم معظم قادته في بيروت أي بيان يذكر، فيما شعر الجنوبيون بخيبة أمل فائقة عندما التزمت قناة عدن لايف الصمت بل ولم تخف انحيازها للحوثيين الذين نشروا الخراب في مدن الجنوب.

فكر الجنوبيون بقادة الحراك الجنوبي الذين تبين أن الكثير منهم قرروا ربط مصيرهم بمحور إيران على حساب قضيتهم وفضلوا الالتفاف هذه المرة حول القادة الميدانيين للمقاومة الجنوبية التي فرضتها الحرب، وهو ما تسبب في نهاية المطاف في ولادة جيل جديد من القادة أكثر التصاقا بالشارع الجنوبي وهمومه.

وظهر لاحقا بعض صقور الحراك التقليديين في بيروت وظهر آخرون في صنعاء يحظون برعاية الميليشيات الحوثية، غير أن الحرب كشفت عن خارطة قوى جديدة، كما غيرت المزاج الشعبي مجددا وهو الأمر الذي تسبب عمليا في خسارة حزب الله ومن ورائه إيران لرهان مصادرة الشارع الجنوبي، الذي بات أكثر عدائية لكل ما يتصل بالمشروع الإيراني في المنطقة.

كاتب من اليمن

إقرأ أيضاً:

المكلا اليمنية: هنا القاعدة

6