تحولات الخطاب الإسلامي في أفريقيا… إشكالية يمتد تأثيرها إلى العرب

تتحول دول القارة الأفريقية تدريجيا إلى حاضنات استراتيجية للمجموعات المتطرفة، لا سيما دول غرب القارة، بل وتؤكد مؤشرات كثيرة أن هذه المناطق تعاني اليوم من صراع كبير على مستوى التعامل الفكري مع مفهوم الإسلام الذي نشأ كفكر صوفي سلس ومرن وانتهى في مجمله إلى فكر متطرف يتعارض مع مختلف ملامح التجديد التي يشهدها الفكر الإسلامي في أكثر من مكان. وفي هذا الإطار يتنزل كتاب “تحولات الخطاب الإسلامي في أفريقيا: من الصوفية إلى بوكو حرام” لحمدي عبدالرحمن، أستاذ العلوم السياسية بمعهد دراسات العالم الإسلامي في جامعة زايد بدبي، وأستاذ الدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة.
الاثنين 2016/01/18
أفريقيا من التصوف إلى التطرف

القاهرة - تعاني العديد من الدول الأفريقية مما يمكن تسميته بـ”متلازمة التجديد والتكفير في الخطاب الإسلامي". فرغم الجهود التي تبذلها الهيئات الإسلامية الرسمية لتجديد الخطاب الديني، بما يتوافق مع متطلبات العصر واحتياجات جمهور المسلمين في تلك الدول، نجد أن الجماعات المسلحة التي تتخذ الدين ستارا لأهدافها، تواصل زحفها مستغلة الترحيب العام أو على الأقل مناخ عدم الممانعة السائد بين جموع المسلمين لكسب المزيد من الأرض وبشكل مطرد.

وقضايا خطاب التجديد الديني في أفريقيا، واحدة من أهم الإشكاليات التي تعيشها القارة السمراء منذ عقود، بدءا بـ”صوفية” أحمد بمبا في السنغال، و”سلفية” عبدالله جومي في نيجيريا، مرورا بـ”تقدمية” فريد إسحق في جنوب أفريقيا، ومفهوم “الحداثة” عند حسن الترابي في السودان، وانتهاء بـ”راديكالية الخطاب الثوري العنيف” الذي تبنته جماعة بوكو حرام في نيجيريا، وشباب المجاهدين في الصومال.

ويرى حمدي عبدالرحمن، أستاذ العلوم السياسية بمعهد دراسات العالم الإسلامي في جامعة زايد بدبي، وأستاذ الدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة ومؤلف كتاب “تحولات الخطاب الإسلامي في أفريقيا: من الصوفية إلى بوكو حرام”، أن الملاحظة الأساسية المرتبطة بحقيقة الأديان التقليدية في أفريقيا محلية الطابع، ولا تمتلك فعالية خارج نطاق الجماعات التي تعتنقها.

وهذه المفهوم التقليدي جعلها لا تطرح لفترة طويلة رؤى تجديدية ولا تتمكن من الانتشار، على خلاف طرح الإسلام كديانة عالمية الطابع، ما جعله أكثر الأديان انتشارا في القارة. وعندما ظهرت الحركات المتطرفة وانتشرت وتوغلت في كثير من الدول، بينها دول أفريقية، بدأ الخطاب يأخذ طابعا مختلفا وتظهر عليه علامات التوسع والتشدد. ونفى المؤلف أن تكون حالات الفقر والتهميش والديون التي تعاني منها أغلب دول القارة السمراء، أسباب انتشار الجماعات المسلحة، مؤكدا أن الحديث عن المعتقدات قاسم مشترك في حالة الانقسام التي تعيشها أغلب الدول الإسلامية.

وقال في كلمته خلال ندوة عن كتابه المشار إليه سابقا،عقدت بدار نقابة الصحفيين المصرية مؤخرا، إن تراجع مستويات التعليم في القارة الأفريقية سبب رئيسي في انتشار الفكر المتطرف، ما أدى إلى دخول المستعمر تحت ستار التحديث.

حمدي عبدالرحمن: الجماعات التكفيرية تتبنى أفكارا محلية لا تمتلك أي فعالية خارج نطاقها

من هنا طرح المؤلف تصوره الخاص لدراسة التحولات التي طرأت على الخطاب الإسلامي في أفريقيا، وركز على قضايا الإصلاح والتجديد، عبر تقديم رؤية شمولية لفهم بيئة وأنماط الخطاب الإصلاحي التجديدي عبر الزمان والمكان.

هذه الرؤية كانت سببا رئيسيا في خروج الكتاب إلى النور، كأحد الأعمال الأدبية التي لامست وعايشت الواقع الأفريقي من الداخل، وليست مجرد رؤية أكاديمية، وهو ما أكده محمد الشاذلي، مدير مركز الأهرام للنشر.واعتبر الشاذلي أن الكتاب أجاب عن عدة تساؤلات حول القارة الأفريقية، التي تمثل حتى الآن لغزا كبيرا بالنسبة لمستقبل الإسلام في العالم.

أنا وليس الآخر

الرغبة في دعم فكرة عودة التوجه الأفريقي لمصر، كانت من أهم دوافع حمدي عبدالرحمن لتأليف كتابه الذي كان في بادئ الأمر ورقة بحثية أعدها في العام 2007، ودعا المصريين والعرب المنتمين للقارة الأفريقية إلى معرفة كل ما يكتب عنهم، دون التعامل مع أفريقيا باعتبارها “الآخر”، لكن باعتبارها “الأنا”. وأضاف عبدالرحمن، أنه فكر قبل بدء مشروع الكتاب في تحولات الحركات الإسلامية في أفريقيا، ولفت نظره تغيير الخطاب الصوفي المسيطر على القارة، والذي يدعو في الأصل إلى التسامح المهادن، الذي يهيمن عليه الجانب الروحي، حيث لم تعرف الدول الأفريقية هذا الغلو الديني، ولم يكن الإسلام سببا في أي أزمة. وألمح إلى أن الفكر الصوفي ليس إقصائيا بطبعه، وتساءل حول كيفيات ولادة المجموعات المتطرفة على غرار بوكو حرام، وكيفية تحول المجتمع الصومالي الشافعي إلى شباب يهدمون الأضرحة، وأسباب اكتشاف جنوب أفريقيا أن الإسلام لا يتفق مع الحداثة؟

وأكد عبدالرحمن على ضرورة الفصل بين التعامل مع الجماعات المسلحة مثل بوكو حرام في نيجيريا، والتعامل مع شباب المجاهدين في الصومال، والابتعاد عن التعليم التقليدي بمضامين البراء والولاء. ودعا إلى ضرورة التقرب من القارة الأفريقية التي وصفت بقارة الإسلام، الذي انتشر فيها بقوته الذاتية وخصائصه الدفينة، كأكثر الأديان ارتباطا بالواقع الأفريقي.

من جانبه، رفض حلمي شعراوي، المدير السابق لمركز البحوث العربية والأفريقية بالقاهرة، في تعليق له خلال الندوة فكرة أن الأفارقة لا يعرفون النور والتقدم، أو أن العرب هم السبب في نهضة أفريقيا، وقال إن الكتاب يورد حقائق موضوعية للربط بين الشمال والجنوب، وإن الإسلام لم يتوغل في أفريقيا عن طريق الفتوحات.

وما رصده الكتاب ليس مجرد متابعة للتحولات في الخطاب الإسلامي، بل هو تطور بشكل يستحق المراجعة والقراءة، لأنه تناول مباشر للواقع القريب للحركات الإسلامية، حيث تتسم العقيدة في أفريقيا بالطابع الروحي، وهو ما يفسر اتساع نفوذ المغاربة في القارة السمراء، نظرا لاتساع نطاق الجانب الصوفي عندهم، ووجود خيوط طويلة للتواصل بين الجانبين.

ومن الملفات الهامة التي تناولها الكتاب هو اتجاهه بالدراسة لمساحة قد تكون مجهولة في أفريقيا، وهي الحركات الإسلامية الأخرى خارج القارة، والتي انتهجت فكرا معولما مثل الحركات السلفية التي تسببت في تراجع الفكر الإسلامي الصوفي المعتدل.

كمال حبيب: إقحام العقيدة في الإسلام الأفريقي أدى إلى وجود صراعات فكرية

اكتشاف الإسلام

في كلمته علق كمال حبيب القيادي السابق بالجماعة الإسلامية قائلا: إن إقحام العقيدة في الإسلام الأفريقي، أدى إلى وجود صراعات فكرية، وهي الأزمة التي ظهرت بالتوازي مع انتشار الفكر السلفي المتشدد علـى يـد محمـد بن عبـدالوهـاب في السعـودية.

وأوضح أن فكرة اكتشاف الإسلام هي السبب في كل هذه الصراعات، فالحركات السلفية تدعي اكتشاف الإسلام الصحيح وتطالب بمراجعته من جديد، زاعمة أن الإسلام التقليدي المتماهي في جسد المجتمعات لم يعد موجودا، وتحول إلى فكر حركي، ويطالب بتنظيمه على الدول الإسلامية، وهذا فكر حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين والذي بدأ في الدعوة له عام 1924.

ولم يتعلم أبناء هذه الحركات التكفيرية المسلحة المفهوم الديني التقليدي، لذلك فضلوا العزلة تحت ما سمي بالحركات السرية، ومع الصعود التيار السلفي ظهرت الحركات المسلحة مثل بوكو حرام، والأصل في مثل هذه الحركات أنها لم تقم على الحفاظ على المجتمع، لكن تحرص على المواجهة مع المجتمعات التي تنشأ داخلها، وغالبا تكون مواجهات مؤجلة تؤدي إلى التكفير.

كمال حبيب أوضح أيضا أن إحياء الدين من وجهة نظر هذه الحركات خلق القطيعة مع تقاليد المجتمعات، فبوكو حرام بايعت تنظيم داعش وهو التنظيم الأقرب لجماعة التكفير والهجرة، التي أقيمت على يد المصري شكري مصطفى في بداية سبعينات القرن الماضي، بحثا عن قوة ذات طابع عولمي.

من جانبه، وصف أيمن شبانة نائب مدير مركز الدراسات السودانية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة، الكتاب بأنه نافذة لمعرفة الاتجاهات في السودان ونيجيريا، كما شدد على خطورة انطلاق أفريقيا من الفكر الصوفي المتسامح إلى خطاب آخر إصلاحي ثم إلى ثالث تكفيري ينفي الآخر.

هذا وأشارت دراسة حمدي عبدالرحمن إلى أن الفساد والتسلط وعدم القدرة على الحراك السياسي، أسباب انتشار الجماعات المسلحة التي أصبحت ملهمة للشباب في ظـل عدم وجـود فرصة للحصـول على الحقوق.

7