تحولات الشرق الأوسط ومآلاتها

السبت 2014/02/01

منذ بداية الربيع العربي، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة تغيير نوعية، وحتى اللحظة تعيش هذه المنطقة تفاعلات الثورة وارتداداتها. صحيح أن صورة المشهد لم تتوضح حتى اللحظة على “تعيّنات” محددة، سواء على الصعيد السياسي، أم على الصعد الجغرافية والديمغرافية، غير أن قطار الشرق غادر محطته السابقة نهائيا، وقد يطول مشوار السفر إلى المحطة، وأية محطة.

لكن ثمة أمور كثيرة بدأت تكشف عن نفسها في سياق مسار التحولات التي شهدتها المنطقة، وبالإمكان محاولة قراءة تلك التغييرات، من صورة المشهد المتوقع للمنطقة في الأفق القريب، وبناء تصور مآلات التشكل الذي سيكون عليه في مرحلة لاحقة.

أولا: التحولات العنيفة التي شهدتها منطقة القلب من الشرق الأوسط “سوريا لبنان والعراق” تنبئ باستمرار نمط التفاعلات لزمن غير محدود، ذلك أن الشرخ الحاصل بين مكونات المنطقة أكبر من أن يصار إلى استعادته في زمن قصير، ولعل أحد المشكلات الأساسية عدم وجود رؤى سياسية عقلانية ممزوجة بعدم توفر إرادة لدى هذه المكونات تساعدها على الخروج من هذا الوضع المأزوم، إلى نمط جديد يقوم على الشراكة ووحدة المصير واستعادة دور الدولة الوطنية الجامعة، ذلك أن طبيعة الصراع الذي تخوضه مكونات المنطقة يجعل هذا الصراع يسير وفق قاعدة “قاتل أو مقتول” وهي قاعدة طاردة لأي شكل من ممكنات التلاقي في المرحلة الراهنة.

وما يزيد من تعقيد هذا الواقع، انفراط عقد الدولة الوطنية، وتحول الفعالية إلى مكونات أصغر ذات هويات مذهبية أو عرقية، ومن المرجح أن يستمر تأثير هذه الفواعل، وخاصة أنها تتغذى من ديناميات صراعية ما قبل دولتية، وهذا الواقع يضع دول المنطقة على سكة تغييرات مفتوحة الاتساع، إذا لم تتدخل إرادة أكبر من إرادة هذه الأطراف للمساعدة في وقف التداعيات الحاصلة.

ثانيا: تتفاعل الأزمة في مصر بشكل يفوق قدرة نخبها على التحكم بمصائر الأمور، صحيح أن مصر تتميز بتراث مؤسسي وخبرة في مجال الدولة، ولا تعاني الإشكالات التي تعيشها منطقة القلب، لكن رغم كل ذلك، ورغم الإجراءات التي قام بها الجيش المصري، فإن الأزمة تتدحرج وتكبر مثل كرة الثلج، وهذا توصيف أكثر مما هو تحليل، وإذا كان يمكن القول بالارتكاز إلى الخبرة التاريخية، بأن مصر تستطيع تجاوز الأزمة مع مرور الزمن وهضمها نظرا لما تمتلكه من أدوات فاعلة وإرادة شعبية، غير أنه من المؤكد أن الأزمة ستحفر عميقا في الواقع المصري، وهي وإن انتهت في مرحلة ما، إلا أن المتوقع أن تتولد عنها حزمة من الأزمات.

ثالثا: أدى امتزاج مشهدي الثورة في ليبيا وتونس في وجدان الشارع المغاربي عموما إلى تولّد ميل ذي طبيعة أقرب إلى الإصلاح والتهدئة، فقد عملت الكيانات السياسية في هذا الجزء على توليف سياق سياسي ودستوري قابل للتطور ومسايرة التغييرات التي تحصل في الزمن المنظور، مما يعني أن احتمالات حدوث تغييرات عميقة وثورية أمر بات خارج الحسابات في هذه المرحلة، وإن كان هذا الاحتمال لا يزال حاضرا في الجزائر مثلا لتخلف أدواتها الدستورية بعض الشيء عما هو في تونس والمغرب، وكذا الوضع في ليبيا الذي لا يزال غير مستقر حتى اللحظة.

رابعا: تتركز التفاعلات الخليجية على الأدوار الخارجية أكثر من الأوضاع الداخلية، حيث تشكل الأوضاع الاقتصادية المريحة في هذه الدول عامل طرد لأي تفاعلات تغييرية ممكنة على المستوى السياسي، في حين تشير المعطيات إلى إمكانية أن تلعب دول الخليج أدوارا مهمة على الصعيد الخارجي، وخاصة في مناطق القلب ومصر.

خامسا: رغم كل ما قيل عن فقدان الشرق الأوسط لأهميته الإستراتيجية لصالح مناطق أخرى، غير أن ذلك بقي كلاما نظريا لا توجد له أسانيد واقعية، وما يثبت هذه الحقيقة حجم الانخراط الدولي في قضايا الشرق الأوسط قياسا بمناطق أخرى، صحيح أن هذا الانخراط يبدو متخففا من أية حمولات أيديولوجية وأكثر ارتباطا بالمصالح المرتبطة بقضايا محددة، غير أن هذا الانخراط مرشح لإنتاج وقائع جديدة في الوضع الإقليمي الشرق أوسطي.

والحال، فإن مسارات قطار الشرق الأوسط تعتمد على طبيعة التطورات الحاصلة واتجاهات تطورها المستقبلية، بعض من هذه التطورات مرشح للاستمرار بوتيرة تصاعدية منفلتة، وبعضها الآخر صنع ديناميته الخاصة ويسير بحركة مضبوطة، لكن السؤال عن المحطة يشغل سكان هذه البقعة من العالم وكذا المتابعين والمهتمين.


كاتب سوري

9