تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي

الأحد 2014/01/26
رسم من مخطوط أندلسي

يعد محمد جابر الأنصاري من بين أهم النقاد في مشهد الفكر العربي المعاصر، ولقد صدرت له عدة مؤلفات من بينها تلك التي تناولت بعض “التجارب الآسيوية الناجحة” مثل تجربة اليابان والصين على نحو خاص.

وفضلا عن ذلك فإنه يمكن اعتبار كتابه ” تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي” من المشاريع النقدية المهمة التي تعالج أزمة الفكر العربي الإسلامي الذي لم يستطع إلى يومنا هذا أن يبتكر حلولا ذاتية راديكالية لتحقيق الاندفاع الحيوي المؤدي إلى بناء مجتمعات عربية متطورة وحديثة. أعتقد أن الفكرة الأساسية التي يناقشها ويحللها الدكتور الأنصاري في هذا الكتاب والمتمثلة في مشكلة “التوفيقية” في حاجة إلى تحليل وإلى نقد صارم خاصة وأن هذا الناقد يعتبر عدم حسمها من بين الأسباب الأساسية المؤسسة لظاهرة تخلف الفكر العربي وعدم قدرته على الانتقال إلى مرحلة تحقيق التطور والتحديث الملموسين في بلداننا.

يرى الدكتور الأنصاري أن التوفيقية ” نظرة منهجية وجدناها متجذرة في تكويننا وطبيعة منطقتنا وحضارتنا فاعتمدناها لنفسر بها فكرنا وحاضرنا من الداخل وفي ضوء جذوره، بدل توصيفه بمناهج تعبر عن واقع حضاري مغاير”. بهذا الخصوص يرى الدكتور الأنصاري أن وراء نشأة “التوفيقية” في الفكر العربي قوتان اثنتان وهما ” القوة الأصولية والقوة التحديثية”، وفي نفس الوقت يؤكد أن هاتين القوتين لم تحصل بينهما ” المواجهة الحاسمة و الفاصلة” التي بموجبها يتم إنجاز تجاوز “التوفيقية ذاتها”. إنه يبدو واضحا أن الدكتور الأنصاري يسعى هنا إلى “تبيان خصائص وعلامات وآليات فكرة محورية في تراثنا القديم والحديث” وهي فكرة التوفيقية.


النزعة التوفيقية

في هذا السياق نجده يستنتج في دراسته للفكر العربي قديما وحديثا أن الاتجاهات الغالبة في الشرق العربي المعاصر، من فكرية واجتماعية وسياسية تندرج في مجملها تحت “الظاهرة التوفيقية التي تعود بجذورها إلى التوفيقية الإسلامية القديمة بين الدين والعقل”، وبين مختلف “ المؤثرات المتباينة والمتعارضة التي هضمتها الحضارة العربية الإسلامية بعد أن قامت بعملية التوفيق فيما بينها”. ويرى الدكتور الأنصاري أن هذه النزعة التوفيقية تظهر “عندما يتعرض المجتمع العربي للعنف الاجتماعي والانشطار الحضاري بين التمسك بالتراث و محاكاة الغرب”، ويعلمنا في الوقت نفسه أن بروز هذه النزعة تحدث للحيلولة دون تصدع وانقسام هذا المجتمع العربي.

إنه يمكن لنا القول بأن الدكتور الأنصاري لا يستقر على رأي واحد حيث نجده يدعو التوفيقية منهجا مرة ومرة أخرى يسميها ” نزعة غالبة على الفكر العربي”، وحينا آخر يعتبرها ” إيديولوجية الحسم الحضاري في الحياة العربية المعاصرة”.
إلى جانب ما تقدم فإننا نلاحظ أيضا أن الدكتور الأنصار متأرجح في تقييمه للتوفيقية حيث ينظر إليها أحيانا أنها من صلب طبيعة الفكر العربي قديمه وحديثه وأنها حاجة لضمان عدم تصدع المجتمعات العربية ، وينظر إليها حينا آخر أنها نتاج للجوار الحضاري في الزمان والمكان المعينين.
يعد محمد جابر الأنصاري من بين أهم النقاد في مشهد الفكر العربي المعاصر، ولقد صدرت له عدة مؤلفات من بينها تلك التي تناولت بعض “التجارب الآسيوية الناجحة”.

ففي رأيي فإن الدكتور الأنصاري محق في قوله بأن التوفيقية تظهر بإلحاح أكثر في المجتمعات التي تحتك بالحضارات الأخرى والتي تنفتح على ما يدعوه بالمؤثرات الخارجية، وفي الوقت نفسه فإننا نتفق معه في استنتاجه أن الموقف من ظاهرة التوفيقية في مسار الفكر العربي الإسلامي ليس واحدا بل هو متعدد ومتنوع وكثيرا ما يتسم بالتناقض والصراع أيضا.

لا شك أن عمليات التوفيق التي أنجزت بين الفكر الإسلامي والوحي الديني من جهة وبين العقل الفلسفي اليوناني من جهة أخرى في العصور القديمة قد تمت في ظروف تاريخية خالية من الصدام الاستعماري، ويمكن تسميتها بالتوفيقية السلمية، في حين أن التوفيقية التي حصلت في العصور الاستعمارية القديمة والحديثة والتي لا تزال أذيالها مستمرة في الحاضر وبأشكال متنوعة لم تكن نتاجا لحركة الذات العربية الإسلامية باتجاه ” الآخر” بناء على رغبة ذاتية منها بل فإنها قد حصلت نتيجة الظروف الاستعمارية القمعية من جهة، ونتيجة لاحتكاك بعض المثقفين العرب والمسلمين بالبيئات الغربية مباشرة من جهة أخرى، وفي اللحظة التاريخية الحرجة وهي لحظة ضعف المجتمعات العربية الإسلامية وسيطرة الغرب عليها ماديا وعسكريا وفكريا.

وفقا للدكتور فإن ظاهرة التوفيقية في الفكر العربي تأخذ عدة أشكال مثل محاولة التوفيق بين العلم والإيمان، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين إقناع النفس بمطابقة الديمقراطية الغربية للشورى، والرأي العام الحديث لما يدعوه ” بمبدأ الإجماع الفقهي”، ومطابقة ” الضرائب للزكاة” وهلمّ جرّا. ففي سياق فرزه لمختلف التيارات الفكرية والسياسية الفاعلة في المشهد الفكري والسياسي العربي يلاحظ الدكتور الأنصاري وجود تيارات عدة منها العربية الإسلامية الأصولية المتزمتة التي ترفض رفضا قاطعا الأخذ من الغرب، و تيارات أخرى قومية أو علمانية أو إسلامية معتدلة تدعو إلى العمل بمبدأ التوفيقية، أي بمبدأ إيجاد تركيبات براغماتية مثل الأخذ بعلوم وصنائع الغرب وإدماجها بالعقيدة والأخلاقيات الإسلامية شرط أن لا يتجاوز الأمر هذه العتبة، بمعنى ضرورة تحييد العقائد والأخلاقيات الغربية أثناء القيام بعمليات التوفيق المذكورة.

وبهذا الخصوص نرى أن الدكتور الأنصاري لم يدرس، بوضوح وعن طريق ضرب الأمثلة، النتائج السلبية لمثل هذه النزعة البراغماتية الشكلية التي تفصل بشكل تعسفي العلوم والصنائع عن الذهنية والثقافة والحساسية الروحية التي أنتجتها.


المقاومة النكوصية

مما لا شك فيه أن الأنصاري قد نجح نسبيا في إبراز الأسباب التاريخية التي أدت ولا تزال تؤدي إلى ظهور تيارات متناقضة بداخل ساحة الفكر العربي الإسلامي، منها التي تكتفي بالرفض القاطع للتوفيقية ومنها التي تنادي بالقبول المطلق بها، غير أنه لا يحلل بما فيه الكفاية المجالات المعرفية الثقافية والفنية والعلمية والتقنية والفلسفية والأدبية التي حصل ولا يزال تحصل فيها عملية تركيب التوفيقية ومدى نجاحها أو فشلها كما أنه لم يفصل الحديث حول الحقول المعرفية والمادية التي لم تتم فيها عمليات التوفيق. وهنا أريد فتح قوسين وأسأل: هل قمنا بالتوفيق فعلا أم أننا قمنا بالتقليد المطلق علما أن التوفيقية تشترط توفر نوعا من الحوار ومساهمة طرفين اثنين في بناء شيء ما، في حين يفترض التقليد طرفا واحدا يملي إبداعه على الطرف الثاني، أو يفترض أن هذا الطرف الثاني يلجأ بنفسه وهو في حالة ذهول وضعف كلي وفقدان للفاعلية الإبداعية إلى نسخ تجربة الطرف القوي والمبدع نسخا كليا لحد محو ذاتيته وهويته. ثم فإن الدكتور الأنصاري لم يعالج مسألة مهمة جدا وتتمثل في الضريبة التي دفعناها ولا نزال ندفعها جراء ما أسميه بـــ” المقاومة النكوصية” العربية للهيمنة والسيطرة الغربية التي جذبتنا ولا تزال تجذبنا إلى الانسحاب إلى الماضي البعيد في صورة حنين غير واع وجارف لاستعادة أمجاد مندثرة ورمزيتها متعددة الأشكال، وكذلك تدفعنا بقوة للتعلق المستميت مجددا بأذيال عناصر ومواقف تراثية متخلفة مثل نموذج الخلافة الكلّي وذلك باسم حماية الهوية من الصدمة الأجنبية العنيفة، أو رجعية مثل نموذج دول الطوائف.

بناء على ما تقدم فإنني أضمّ صوتي إلى صوت محمد جابر الأنصاري لمواصلة العمل الفكري النقدي من أجل تفكيك ظاهرة التوفيقية كما تبدو في الفكر العربي الإسلامي وفي إنسانه وفي مختلف أشكال التعبير الثقافي والفني والحياة الشعبية، وفي البنيات الاجتماعية والسياسية مشرقا ومغربا وتقصّي جذورها التاريخية وأسبابها النفسية والثقافية والاقتصادية والفكرية والعقائدية.

14