تحولات الكتابة الأدبية في الزمن المعلوماتي المتسارع

نقاد وروائيون يؤكدون أن الأدب الرقمي كسر جميع الحواجز التي سار عليها الأدب التقليدي الورقي، وأن الرواية ليست جنسا أدبيا مكتفيا بذاته.
الاثنين 2019/04/22
أدب جديد يولد من الشاشات (لوحة للفنان ياسر أبو الحرم)

لا يمكن لكاتب أن ينكر تأثير التكنولوجيا التي سيطرت على كل مناحي الحياة ووسائل التواصل الاجتماعي وأدوات تواصلية مثل الهاتف الذكي، في ما يكتب اليوم من أدب، تأثير تجاوز حدود التلامس الشكلي إلى الاندماج في ما بات يسمى اليوم بالأدب الرقمي، ذاك الذي يرفع شعار التفاعل المباشر رهانا له.

انطلقت فعاليات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي والذي ينظمه المجلس الأعلى للثقافة، وذلك بحضور أكثر من 261 كاتبا وناقدا مصريا وعربيا، سيناقشون على مدار أربعة أيام عددًا من الإشكاليات المتعلقة بفن الرواية العربية من خلال عدد من المحاور الرئيسية تندرج تحت عنوان رئيسي “الرواية العربية في عصر المعلومات”، وقد شهدت الجلسات الأولى نقاشا حول التقدم المذهل في علوم الاتصالات وانعكاساته على الرواية، تحول أدوات الاتصال إلى مادة روائية، وكذا تأثير البنية المعلوماتية على البناء الروائي.

التمرد على المألوف

تطرقت الباحثة زهور محمد شتوح إلى تداخل السرد والشعر والسينما والموسيقى في الرواية الرقمية متخذة من رواية “صقيع” لمحمد سناجلة نموذجا، حيث أكدت أن الرواية الرقمية كسرت جميع الحواجز التي سارت عليها الرواية التقليدية الورقية، وقالت “يمكن اعتبار المكونات الرقمية عاملا وظيفيا وفنيا وجماليا يسهم في الارتقاء باللحظة المتخيلة لنص حكائي في وضعية النصوص السردية”، لافتة إلى أن رواية “صقيع” وظف فيها مؤلفها جميع عناصر التكنولوجيا الرقمية التي تخدم هذا العمل، كما نلحظ تداخلاً بين الأجناس المختلفة داخلها، إذ نجد السرد والشعر والسينما والموسيقى والأغنيات، وكذا الحركة المستمرة.

الرواية التفاعلية لها سمات جمالية وبنائية تعتمد على الحضور والغياب، الوجود والانزياح في فضاء غير اعتيادي

ومن جانبها رأت الناقدة زينب العسال أنه حين نتحدث عن العلاقة التفاعلية بين المعلوماتية والرواية كنص سردي، فإننا نتعرف إلى ما يسمى بالرواية التفاعلية لما لها من سمات جمالية وبنائية تعتمد على الحضور والغياب وعلى الوجود والانزياح في فضاء لا يعطي نفسه بسهولة، كما هو الحال بالنسبة إلى النص السردي الخطي.

وقالت العسال في إطار تحليلها لرواية أحمد الجنايني “حين هربت عاريات موديلياني” إن بنية النص التفاعلي هي بنية شجرية تفرعية ومن ثم تؤثر على الحبكة فلا حبكة تقليدية خطية لأنها هنا تشطر عبر التداخلات والانزياحات، في الرواية التفاعلية يتم التبادل بين موقع الكاتب المبدع والمتلقي، بين الإبداع والتأويل.. إلخ، فالمتلقي عليه أن يقف على مسافة قريبة جدًّا من المؤلف في خلق هذا النص التفاعلي بل هو مشارك بقوة فيه.

ورأى الروائي سعيد سالم أن الخبرات المكتسبة من تنوع ممارسة الكتابة في فروع الأدب المختلفة ينتج عنها أولاً: تعلم حرفية الحوار المكثف شكلا ومضمونًا بما يتناسب مع شخصية المحاور. ثانيا: الاستفادة من الحوار في تطوير سير الأحداث في العمل بالانتقال من زمن إلى آخر. ثالثا: كسر ملالة السرد المتواصل بتنويع أشكال الكتابة داخل النص الواحد، مما يضاعف من متعة القارئ في التعامل مع النص والتفاعل معه، وأبرز مثال لذلك من واقع تجربته هو رواية “آلهة من طين”.

وأشار الروائي العراقي عائد خصباك إلى أنه أصبح من العبث اليوم أن نعد الرواية بوجه خاص جنسا أدبيا مكتفيا بذاته، وما بين أيدينا من روايات عالمية أو عربية لاقت الكثير من القبول والاستحسان تشير إلى أن الرواية لكي تبقى في الساحة الأدبية وبقوة عليها أن تتفاعل مع غيرها من الأجناس لتضمن بقاءها.

وقال خصباك “للرواية قدرة عالية على المرونة لاستيعاب وتطوير أنماطها وأساليبها وتقنياتها، وأن انفتاحها على الأجناس الأدبية الأخرى، المسرح والشعر والسينما كان له دور متميز في تحسين جماليتها والارتقاء بها، والرواية قادرة على التمرد على القوانين وعلى ذاتها أيضا. لقد صرنا نرى أعمالا روائية وقصصية لا تكسر الحواجز بين الأجناس الأدبية بل تعمل على تفجير الجنس الأدبي من داخله بتمردها على التقنيات السردية التقليدية، وبتمردها على الطرق -التقليدية في تصوير الشخصيات واستخدام الزمان والمكان وتفتيت الحبكة”.

التداخل بين الأدبي والتكنولوجي (تخطيط للفنان السوداني محمد عبد الرسول)
التداخل بين الأدبي والتكنولوجي (تخطيط للفنان السوداني محمد عبد الرسول)

التغير البطيء

حللت الناقدة التونسية جهاد الفالح مظاهر التحول في البنية الروائية ومدى التداخل فيها بين الأدبي والتكنولوجي، وقالت “لئن كانت الرواية ورقيا هي نص يتحدد من خلال بنيته الدلالية (جمل، مقاطع، وحدات) والعلاقات في ما بينها، فإنها، رقميًّا، تتحدد بما أقرته الدراسات الغربية وهي العقدة والرابط. وقد أسهمت هذه الثنائية في تقنين العلاقة بين ما ظهر من النص وما بطن، غير أن تلك العلاقة ملزمة للمؤلف في إنشاء النص ‘إذ لا تتحقق واحدة بمعزل عن الأولى’، لكنها ليست ملزمة للقارئ في مستوى التقبل ‘إذ هو ليس مجبرا على تنشيط كل الروابط’ فالنص ليس معطى كاملاً يتجلى على الشاشة، إنما هو بناء لا يستند إلى الخطية فيفترض مسارات قراءة متعددة يتخيرها القارئ”.

رأى الكاتب شريف عابدين أن النص الروائي يحتاج إلى المعلوماتية، تعبًيرا عن المكونات: زمان، مكان، شخصية، حدث، تلبية لاحتياجات السرد أو تلبيًة لاحتياجات القارئ. وقال إن التوظيف الأمثل للمعلوماتية السردية يتمثل في الخلفية المعلوماتية للزمكان التي يجب أن توظف فقط من خلال ما يحدث للشخصيات. ثانيا أنسجة المعلومات أي تضفير المعلوماتية وتوزيعها المتجانس إلى مقاطع صغيرة تندمج في نسيج النص وتسمح بتفادي إدراجها في فقرات طويلة من الوصف. ثالثا توزيع الوصف المعلوماتي مع الحدث والحوار. ختاما بتفاعل الشخصيات مع الوصف المعلوماتي “دع شخصياتك ترى وتشم وتذق تفاصيلك الخاصة”.

وتطرق الباحث شريف العصفوري إلى موضوع التعبير الأدبي في زمن الإيجاز الإلكتروني وقال إن الشبكة العنكبوتية تغلغلت منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، فأتاحت بسرعة وسيلة للنشر السريع للأخبار وللأفكار بالاتصال اللحظي الآني والمستمر “الخاص”، وسرعان ما خرجت للنور أدوات التعبير (البلوغ) المدونات، “البلوغ” صار بسرعة أداة للنشر بالنسبة للقصائد وللقصص القصيرة وأحيانا للرواية على حلقات كما كان دور الصحف أواخر القرن الـ19.

عالم الفيسبوك الافتراضي مثّل للناس أرض الخلاص من أعباء الواقع واعتبره كثيرون ملاذا لذا كان مؤثرا في الكتابة الأدبية

وأضاف أن الهاتف المحمول دخل الحلبة سريعا نهاية القرن العشرين، وسرعان ما تطورت التكنولوجيا لنقل الصورة والرسائل النصية فصار الاتصال اللحظي الدائم بين الأفراد ممكنا ورخيصا وصار التسجيل للأحداث الفريدة أو الاعتيادية بزوايا رؤية متعددة ممكنا، وعندما تزاوجت تكنولوجيا الهاتف المحمول مع الشبكة العنكبوتية صار هناك حاجة إلى التعبير والإعلام في نصوص قصيرة من 160 حرفا في رسائل النصوص على الهاتف المحمول أو 140 حرفا على منصة تويتر. هذا الإيجاز تجاوبت معه الأجيال من الكتاب والصحافيين والإعلاميين.

وقال “كان هناك دائمًا قصة قصيرة من ألف كلمة أو أقل قليلاً ولكن هناك ‘ميني- ستوري’ و’ميكرو – ستوري’ (القصة الجد قصيرة والقصة البالغة القصر) اليوم تفوز بجوائز أدبية على مستوى الأقطار وبعضها عالمي. إن اللغة التي تستخدمها هذه ‘الأوساط’ الجديدة هي حفيدة للغة التي يموج بها الشارع بالدارجة، وبنفس الموسيقى السريعة والاختزال، وبالقوافي والشعرية والتلميح والإحالة التي طرأت على
الأغاني الشعبية بعد استقدام الراديو والتلفزيون”.

وتناولت الباحثة أريج خطاب توظيف تقنية الفيسبوك في الرواية العربية بين مغامرة الحداثة وتجاوز المألوف من خلال تحليلها رواية “حارس الفيسبوك” لشريف صالح، مؤكدة أن عالم الفيسبوك الافتراضي مثل للناس أرض الخلاص من أعباء الواقع ومشاغله ومسؤولياته واعتبره كثيرون ملاذا يهربون عبره مـن واقعهـم وهمومهم ويبثون أحزانهم وينشرون أفراحهم، ويعبرون من خلاله عن مشاعرهم المتناقضة والمضطربة، بل تعدى الأمر مجرد التعـبير التلقائي فصار الكتاب ينشرون فيه إبداعاتهم عـبر مدوناتهم الشعرية والنثرية حتى ظهر ما يسمى بـ”الأدب الإلكتروني” كما تم استخدامه لأغـراض سياسية وفكرية، فصار ساحة للنزاعات الفكرية.

وخيّر الباحث عبدالرحيم علام الوقوف عند بعض الجوانب المؤطرة للتفاعـل الجديد القائم بـين كتابة الروايـة العربية وأدوات الاتصال الجديـدة انطلاقـا مـن استثمار مجموعة من النصوص الروائية لهـذه الأدوات وقدرتها علـى تحويلها إلى مادة روائية بأشكال جديدة وبمضامين ودلالات مغايرة.

ورأى العلام أن التحولات المعلوماتية المتسارعة اليوم يواكبهـا تطـور الكتابة الأدبية رغم بطء هـذا التفاعل ومحدوديته عربيا على الأقـل في سـياق تكنولوجي انتقالي كبير، لم تسلم معه الرواية العربية مـن التأثر بإفرازات عالم الاتصال وأدواته، على مستوى موضوعات الكتابة الروائية وأساليبها وتقنياتها التي باتـت تحمل آثار الحامل الرقمي والعالم الافتراضي.

15