تحولات المجتمعات الحديثة تفقد أبناء الجيل الحالي احترام الأكبر سنا

الأطفال يشعرون بأنهم أكثر حكمة ودراية بالحياة من خلال اطلاعهم على كمية غير محدودة من المعلومات وسرعة الوصول إليها التي توفرها بيئة التقنية المفتوحة على مصراعيها.
الاثنين 2019/08/05
التقدم في السن ليس شرطا للاحترام

أثرت التحولات الاجتماعية التي تعيشها البلدان العربية على العديد من القيم الأخلاقية فمثلا يلاحظ المتابعون تراجع احترام الصغار للأكبر سنا. ويعتبر علماء الاجتماع أن هذا الأمر عائد إلى سلوكيات الأفراد فلا يمكن فرض احترام شخص لمجرد أنه متقدم في السن، بل يجب أن يكون قادرا بفضل شخصيته وسلوكه على فرض احترام الآخرين له والابتعاد عن العادات التي تتسبب في سوء العلاقات ومن بينها الصراخ الدائم مثلا في أي مناسبة ولأبسط الأسباب.

يبدو أن المعلم لم يعد رسولا بالصورة التي اعتدنا مفهومها، بعد أن فقدت عملية التعليم هيبتها وسط كل هذه الفوضى المعلوماتية التي يشهدها عالمنا المعاصر. صار المعلم يشكو من قلّة الاحترام التي يبديها بعض التلاميذ، وصار التلميذ يشكو من تعنت بعض المعلمين وقسوتهم غير المبررة أحيانا..

ثم مازال الطرفان يتبادلان الاتهامات وسط تراجع مؤسف لمسيرة العملية التعليمية ذاتها ولأسباب مختلفة. يحدث هذا الأمر في الشرق والغرب، في الدول النامية والمتحضرة على حد السواء وتشير أصابع الاتهام كالعادة إلى التقنية والتطور الرقمي، ألعاب الكمبيوتر، وسائل التواصل الاجتماعي ولغة عصر السرعة التي فقدت مفردات الحوار واكتفت بالصورة المشوشة والضجيج.

بالتأكيد، لا يظهر جميع التلاميذ قلّة الاحترام تجاه معلميهم، إلا أن هناك نسبة متزايدة من الأطفال والمراهقين الذين يتصرفون بهذه الطريقة وكان أحدهم يقول في مناسبة مدرسية “حتى الحمقى يكبرون في السن.. ماذا يعني هذا؟”. في الغالب، لا يتعلق هذا الأمر بمستوى التربية الأسرية التي يتلقاها الطفل إلا في حدود ضيقة، فهناك من الأسباب الكثير ومعظمها لا يقع تحت سيطرة الرقابة الأبوية أو المدرسية.

ويؤكد تيم إلمور، رئيس ومؤسس منظمة “غروونغ ليدرز” الأميركية وهي منظمة دولية غير ربحية تم إنشاؤها لتطوير وتدريب الناشئة والشباب الذين يمتلكون عناصر ومهارات يمكن تطويرها ليصبحوا قادة مؤثرين في مجتمعاتهم، أنه على العكس من الأجيال السابقة الذين تربوا على قيم معينة، فإن أبناء الجيل الحالي غير مشروطين على احترام الأكبر منهم سنا.

وعلى الرغم من أن بعض الشعوب ربما في الشرق مازالت تولي أمر احترام كبار السن اهتماما وتبجيلا، إلا أن المناخ العام يؤكد أن ثقافتنا باتت تمجد مرحلة الشباب أكثر فأصبحنا في أغلب مرافق الحياة نعطي الأولوية لجيل الشباب في مظهرنا وكلماتنا وحتى أفعالنا.

وفي هذا السياق، يلجأ العديد من متوسطي العمر والكبار في السن بمستويات عمرية مختلفة إلى اقتناء الأزياء الشبابية فأصبحت ملابس (الجينز) لا تقتصر على صغار السن والشباب، بل من الشائع جدا أن نشاهد جدا أو جدة يقودان أحفادهما في الأماكن العامة والمتنزهات وهما يرتديان بناطيل الجينز الضيقة.

 ثقافتنا باتت تمجد مرحلة الشباب أكثر فأصبحنا في أغلب مرافق الحياة نعطي الأولوية لجيل الشباب في مظهرنا وكلماتنا وحتى أفعالنا
 

وهكذا يفعل البعض الآخر باللجوء إلى عمليات التجميل، صبغ الشعر بل حتى استخدام الوشم.. لتمرير رسالة مهمة واتجاها يبدو عاما يؤكد أن التقدم في السن والشيخوخة بكل مظاهرها أمر غير محتفى به ولا يحظى باحترام حتى كبار السن أنفسهم، بل يبدو أنه (شيء) وجب تجنبه قدر الإمكان!

وفي الواقع، يلجأ العديد من الشباب هذه الأيام للسخرية من الأكبر منهم سنا أو في الأقل عدم إظهار الاحترام الواجب لهم سواء أكانوا غرباء يسيرون في الشارع أو الأماكن العامة، آباء ومعلمين، أو أقرباء من الدرجة الأولى وهو مخالف تماما لما كان عليه الأمر في الأجيال السابقة.

ومن ناحية أخرى، يعقب إلمور بأن الأطفال في أيامنا هذه يشعرون بأنهم أكثر حكمة ودراية بالحياة من خلال اطلاعهم على كمية غير محدودة من المعلومات وسرعة الوصول إليها التي توفرها بيئة التقنية المفتوحة على مصراعيها. وهم يعتقدون، وهذا صحيح إلى حد ما، بأنهم متساوون في ذلك مع آبائهم ومعلميهم يعرفون من المعلومات وأمور الحياة بقدر ما يعرف الأكبر منهم سنا، لذلك تنتفي الحاجة إلى وصاية البالغين وقد يتساءل بعضهم: لماذا يتوجب علينا أن نظهر الاحترام إلى أشخاص قد لا يكونون أكثر ذكاء ودراية منا؟

لكن، وهذا ما يغيب عنهم للأسف، تبقى للتجربة الحياتية المباشرة أهميتها في حياة الإنسان وهم بقدر ما يعرفون من أشياء وما يحوزون من معارف رفيعة، يبقون دائما بحاجة إلى البالغين؛ آباء ومعلمين، حيث يحتاجون إلى نصحهم عندما يقفون عند تقاطع طرق الحياة المزدحمة بالذاهبين بلا رجعة والقادمين الجدد. ولعل الخروج من هذا المنعطف المزدحم ليس بالأمر الهين، فهم بحاجة دائمة إلى اليد التي تنتشلهم باستمرار أو توجههم إلى الطريق الصحيح، لكن، يتحمل هؤلاء (الراشدون) مسؤولية توضيح الفكرة إلى الأبناء والتلاميذ مع اختيار الأسلوب الصحيح في توجيههم، وتجنب الطريقة المباشرة في إصدار التعليمات والإنذارات لأنها الطريقة الأسوأ في التربية.

ومع ذلك، فإن أبناء هذا الجيل نشأوا من دون أن يرى أغلبهم مثلا أعلى يحتذى به، على العكس من ذلك، نجد أن بعض أبناء الأجيال السابقة الذين أصبحوا الآن آباء وأمهات لم يكن يعنيهم وجود هذا المثل بل إنهم في أغلب الأحيان لا يهتمون بموضوع تعاقب الأجيال فيتصرفون تجاه رؤسائهم في العمل وأفراد أسرتهم من الكبار في السن وحتى السلطات المدنية بلامبالاة وعدم اكتراث.

ويقول تيم إلمور “لا يمكننا الحصول على الاحترام بمجرد التقدم في السن، بل علينا أن نفعل ونضيف إلى حياة الآخرين ما نستحق الاحترام عليه والأهم أن نتجنب الصراخ؛ فالصراخ والصوت العالي هما الخطوة الأولى لخلق ثقافة عدم الاحترام حتى بين البالغين أنفسهم”.

ويضيف أنه لهذا، من الصعب حتى على أكثر التلاميذ شراسة وسوء طبع أن يسيئوا لمعلم يقابلهم بكل عطف ومحبة واهتمام، فلا شيء أكثر من هذا العمل الطيب يمكن أن يأسر مشاعرهم ويهذب سلوكهم.

21