تحولات المجتمع السوري.. اللادينيون والانكفاء عن الدين

التشدد الديني الذي رافق الثورة السورية والذي تُرجم في التعبيرات السياسية الإقصائية والإرهابية، لم تقتصر تأثيراته على ضحاياه من القتلى والمشردين واللاجئين، بل توسعت أيضا لتشمل إحداث تغييرات عارمة في المجتمع ذاته، وفي كيفية تعامله مع المعطى الديني. دراسة ظاهرة التملص من الانتماء الديني، وشيوع فئات من اللادينيين، مفيدة لتمثل خطورة التشدد الديني والطائفي على خصوصيات المجتمع وضرب تنوعه وتدينه الأصيل.
الخميس 2017/08/03
انحسار التدين الأصيل المؤمن بالتعايش

مفارقات كبيرة سجلتها مجريات الثورة في سوريا أهمها جعل العامل الأيديولوجي الديني والطائفي أساسا في الصراع السياسي، والانجراف الشعبي نحو تبنّي خطاب ديني مذهبي بما يشكله من مخالفة للواقع المتعارف عليه عن سوريا بوصفها بلدا شديد التنوع المذهبي والطائفي والإثني ومتعايشا سلميا.

منذ الأسابيع الأولى للحراك السوري بدأ السعي إلى تطييف الحراك ومذهبته، فمع الرواية الرسمية للنظام السوري حول “الفتنة الطائفيّة”، انطلقت ألسنة الشيوخ في خطب الجمعة على غرار يوسف القرضاوي وعدنان العرعور لتسهم في زيادة حدّة الاستقطاب الديني، وصار لكل يوم جمعة اسم يحمل دلالة دينية “إسلامية” صريحة، أسهمت في توجيه الرأي العام نحو تأجيج الخطاب المذهبي وتصاعد شعارات الشحن الطائفي، وأخطرها “المسيحي عا بيروت والعلوي عا التابوت” التي وضعت حدا لمشاركة شرائح واسعة من السوريين في الثورة الشعبية، ودفعت أبناء الطوائف للتمترس خلف طوائفهم، حتى بعد أن رفع الناشطون المدنيون والمثقفون شعار “واحد واحد الشعب السوري واحد” وغيره من الشعارات في محاولة لإلغاء المشهد الديني ومواجهة الطائفية.

مع ازدياد حالة التأزم والعنف وإطلاق سراح أعداد كبيرة من المعتقلين الذين شاركوا في “الجهاد” بالعراق وسواه، اكتسب الصراع بعدا دينيا جهاديا، واستقطبت التنظيمات الجهادية أعدادا متزايدة من المقاتلين الأجانب لتتصدر المشهد السوري ككل.

بالمقابل بدأت تظهر وتنتشر سلوكيات مغايرة من ردود الفعل والتبرؤ من الأفعال الجهادية وإن “هذا ليس دين الإسلام، والإسلام دين تسامح ورحمة”، ومن التخلي عن أنماط الالتزام الديني التي تتراوح بين التشكيك في بعض شعائر الدين وبين التخلي نهائياً عن الدين، والتي لم تأت بمعظمها نتيجة قناعات فلسفية وعلمية راسخة، إنما كرد فعل على حجم البلاء الذي أغرق سوريا.

رغم عدم وجود دراسات أو إحصائيات لانتشار ظاهرة الإلحاد، إلا أنه يمكن تبينها في الانتشار الملحوظ للمجموعات الرافضة للدين على مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت ملاذا للجميع في التعبير عن آرائهم، مثل “شبكة الملحدين السوريين” والمجلة الإلكترونية “أنا أعتقد”، و“ملحدون سوريون” و“العقل دين” وغيرها.

تتنوع هذه الصفحات في طريقة عرضها للأفكار بين صفحات ساخرة ناقدة، وأخرى علمية ذات مشروع فكري يهدف إلى التنوير ونشر الثقافة لعموم المتابعين، ورغم تعرضها لحملات التبليغات لإدارة فيسبوك بهدف إغلاقها، وتعرّض الناشطين فيها للمضايقات الكلامية ما زالت هذه الصفحات الإلكترونية تضم عشرات الآلاف من المتابعين من مختلف الانتماءات الاجتماعية والسياسية، وتلقى رواجا كبيرا بين الشباب السوري الجديد الذي بات يتجنب الدين، ويبحث عن ذاته بعيدا عن القيود السياسية والاجتماعية الرائجة.

حالة الانكفاء عن الدين قابلها سيل من الردود القاسية للمشايخ ورجال الدين، منها كلام الداعية أسامة الرفاعي بشأن ما تم نشره في مجلة “طلعنا عالحرية” الموجودة على شبكة يوتيوب، عن الإلحاد والملاحدة الذين يحاولون الانتشار ووصفهم بـ“الزنادقة والجراثيم”، وتحذيرات مفتي سوريا أحمد حسون من انتشار الإلحاد بين السوريين في مؤتمر الوحدة الإسلامية الثلاثون في طهران، والذي اعتبر تهديدا لمن يتخلى عن شكليات دينه ولاقى الكثير من الردود، فالوضع السوري لا يحتمل الالتفات لخطر الإلحاد وغض الطرف عن الخطر الحقيقي في التديّن الأعمى والتزمّت الذي تمّت منهجته عبر عقود.

لم يكتف المشايخ بتحذيرهم للسوريين في الداخل بل أتبعوها بسيل من فتاوى التكفير والإدانة لهجرة السوريين إلى “دار الكفر” والتجنس بجنسيتها وتحريمها جملة وتفصيلا، والتي انطلقت بها ألسنة الشيوخ في المعارضة (فتوى الشيخان الداعيان راتب النابلسي وأسامة الرفاعي نهاية العام 2014)، والشيوخ الموالين النظام (خطبة الشيخ توفيق البوطي ابن محمد سعيد رمضان البوطي” في 21 أغسطس 2015) والفصائل الجهادية (فتوى هيئة تحرير الشام وفتوى تنظيم داعش) والتي توافقت في اعتبار الهجرة محّرمة حرمة مطلقة، ووضعت المهاجرين في مصاف “الكفر”، متجاهلة لمعطيات الواقع وألم السوريين ودمائهم، فهذه الفتاوى بدل أن تقدّم خطابا وجدانيا يجمع الناس ما زالت تفرز البشر بين “مؤمن وكافر”.

تحوّلات المجتمع السوري الذي انتقل من تدينه الشعائري المتسامح ليشهد سيل الدماء باسم “الدين والجهاد”، وضعت الدين الإسلامي على محك “الأفعال” التي أدّت إلى ظهور طائفة من اللادينيين، فلم يعد ما تبثه الشاشات عن الدين الإسلامي كافيا لإعلاء صورة التسامح والحب في مقابل صورة الموت لأبرياء وأكثرهم من نفس الدين الإسلامي، وخلقت صراعا مبطّنا في المجتمع يتمحور حول حرية المعتقد والحق بحرية التعبير عن المعتقد.

13