تحولات النظر إلى المسألة السورية

الثلاثاء 2013/12/31

يحصل في الميدان السوري أن يصار إلى التلاعب بالمعطيات لتتوافق وظروف اللاعبين ومدى قدراتهم الدبلوماسية وطبيعة المقاربات التي يؤسسونها للحل السوري. جملة من التحركات على ساحة الحدث السوري، تشير إلى وجود هذا النمط من الفعل بقصد تجهيز بيئة مناسبة لتنفيذ التصورات الإقليمية والدولية للحل في سوريا، حيث يجري صناعة آليات الحل واشتراطاته، وهو ما يؤكد نظرية أن الحل السوري بات رهين توافق دولي، وليس لأطرافه المحلية تأثير في هذا الحل.

يدخل في هذا السياق قيام كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بوقف الدعم العسكري”غير القاتل” للجيش الحر، بالتزامن مع إطلاق مفاوضات مع قيادة جبهة القوى الإسلامية، بذريعة أن هذه القوى لديها سيطرة أكبر وقدرات وإمكانيات تؤهلها للقيام بوظائف قد تتطلبها الحالة السورية مستقبلاً، وكان سبق ذلك تحذير المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية مايكل هايدن، من سيناريوهات “مرعبة جداً جداً” تلوح في الأفق السوري، ليس من بينها انتصار المعارضة، ولعل المفارقة الكبرى اعتبار انتصار الأسد من أفضل تلك السيناريوهات، ولاشك أن لمثل هذه الرؤى تأثير في عمليات تقدير المواقف التي تجريها الأطراف الغربية تجاه الحدث السوري وتالياً التأثير في صناعة القرار الخاص بالحدث.

هذه التحولات وغيرها من المواقف الغربية حول المسألة السورية، يجري بناؤها في ظل ما يسمى بالتوجه الواقعي في التعامل مع الأزمات العالمية، وقد جرت ترجمته الحرفية في اتفاقي الكيميائي والنووي مع نظام بشار الأسد في سوريا والنظام الإيراني، وقد جرى تبرير عقد هذين الاتفاقين تحت ذريعة أفضل الممكن والمتاح، على اعتبار أنه الخيار الأقل سوءاً من الخيارات الأخرى.

هذه السياسة الواقعية تحاول تكريس مرتكزاتها عبر المختبر السوري، حيث نقطة الانطلاق تتمثل بالتوافق الدولي، وهو ما يتطلب أن تضمن التوافقات المدرجة في إطارها قبول الأطراف الدولية بصيغة الحل، مما يعني انطواء الحل المطروح على توليفة تناسب تلك الأطراف. أما المرتكز الثاني فيقوم على تكييف الأوضاع الميدانية مع مقتضيات الحلول السياسية بحيث تتوافق الأوضاع مع التصاميم المعمولة للحلول وليس بناء الحلول تبعاً للأوضاع الميدانية ومتغيراتها.

صار واضحاً أن حالة “الإستاتيكو” التي تكرست لفترة طويلة في الواقع الميداني السوري، لم تكن تعبر عن أوضاع ميدانية حقيقية، بقدر ما هي إدارة خارجية لمسرح العمليات وهندسة دقيقة كان المقصود منها تجهيز مسرح الحدث للحل، بعد إقناع الأطراف المتصارعة باستحالة الفوز بالمعركة.

غير أن عملية بناء المعطيات الجديدة في الواقع السوري بدا وكأنها تطلبت تدخلات دولية عنيفة وترتيبات خاصة لإجراء تعديلات معينة في تأثير بعض الأطراف الداعمة للمعارضة، فليس سراً التداخلات الهائلة التي تنطوي عليها قوى المعارضة واختلاف طبيعة عملها وتكتيكاتها وإستراتيجياتها الميدانية والسياسية تبعاً لأهداف الأطراف الخارجية الداعمة، بل وطبيعة رؤيتها للصراع وأهدافه ومآلاته. وعليه فإن تظهير فصيل سوري، وتهميش فصيل آخر تعني فيما تعني الحد من أدوار الأطراف الإقليمية الداعمة له. والسؤال الذي يطرح نفسه بناءً على جملة المناقلات الحاصلة في المسرح السوري، كيف ستكون طبيعة الحل المنتظر وما هي احتمالاته؟

تشير التوجهات الأميركية الجديدة، والموقف الروسي الداعي إلى تشكيل قوى جديدة من النظام والثورة لمحاربة الجهات المتطرفة باعتبارها الخطر الأساسي في هذه المرحلة، إلى نمط جديد من الحلول يقوم على صيغة قريبة من هذه الأطروحات، بحيث تتم المحافظة على جزء من النظام والإبقاء على هيكلية المؤسسات الموجودة، على أن يجري لاحقاً قوننة هذه الحالة من خلال دستور جديد يمثل العقد الاجتماعي الجديد لسوريا يتضمن الضمانات المطلوبة لمختلف أطراف الصراع وحقوق المكونات كافة.

هل يمكن توطين مثل هذا الحل في البيئة السورية؟ الجواب، الصراعات الوطنية التي غالباً ما تفتح على تدخلات خارجية تصبح رهينة توافق المتدخلين، ذلك أن القرار فيها يصبح للطرف الممول والداعم والحامي.


كاتب سوري

9