تحولات صورة "البطل" في تاريخ الأدب والفن والأسطورة

مفهوم البطل الواقعي بسلبياته وإيجابياته، استحوذ على المخيّلة الشعبية أكثر مما كانت تفرزه مخيلة الكتابة القديمة.
الجمعة 2019/06/21
البطل الملحمي عنترة إبن شداد كما تصوره الفنان الشعبي الدمشقي أبو صبحي التيماوي

المئات من الكتب النقدية، بلغات شتى، وفيض كبير من الدراسات والأبحاث وضعها نقاد وأكاديميون في جامعات العالم ومراكز البحث الأدبي ومن خلال المجلات المتخصصة حاولت كلّها الإحاطة بأبرز ما يصنع الأدب ويصنع الأيقونات الكبرى في حضارة الإنسان، والمقصود بها الشخصيات الإنسانية في أدوار البطولة الأدبية والفكرية والفنية وقبلاً الميثولوجية، إنْ في الأدب والاجتماع القديمين أو في الحياة المعاصرة وفنونها وآدابها.

يبدو أن مفهوم “البطل” الأدبي والدرامي / الخيالي والسِيَري قد انسحب بالتدريج لصالح ما هو واقعي، ومع الوقت تغيّر هذا المفهوم النمطي الذي اعتدناه في السينما والرواية والملاحم الشعبية والسير الشخصية والأساطير المحلية والدراما التلفزيونية على مدار عقود طويلة، وصار من الواضح أن كل هذه المفردات التي تقع في الباب الجمالي الفني قد خضعت لشروط العصور المتقدمة في رمزياتها الإبداعية ومستجداتها الفنية والجمالية.

ويبدو أيضا أن مفهوم البطل الواقعي، بسلبياته وإيجابياته، قد استحوذ على المخيّلة الشعبية أكثر مما كانت تفرزه مخيلة الكتابة القديمة، فالواقعي في الحياة نعرفه بملامحه التي لم يتدخل الخيالي في تلميعه وإسباغ صفات غير موجودة عليه، والخيالي/ العجائبي مثّل مراحل مهمة من التاريخ القصصي البشري على مدار عقود ليست قليلة، لكن وقائع الحياة اليومية الحالية أركنت هذا المفهوم السوبرماني وتوجهت إلى معاينة الواقع الآخر؛ فمفهوم (البطل السينمائي) انقرض كما نعتقد، وزير النساء كازانوفا أصبح صورة شاحبة بقياسات الواقع الحالي.

 وحتى صورة البطل الذي أوجده الطيّب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال” ما عادت صورة ملائمة لواقع الهجرة الجماعية العربية إلى أوروبا بسبب الحروب والاحتلالات ومتغيرات السياسة الدولية، بما يعني أن نمطية العلاقات المفترضة التي سادت في أزمان أدبية معينة لم تعد كما كانت، وأن زمن الملاحم الإغريقية والسوبرمانات العربية في الحكايات السيَريَة والشعبية كانت محض محطات منتفخة أكثر من اللازم في محاكاتها لوقائع الحياة ومعطياتها آنذاك.

وهذا سيعطي إشارات سريعة إلى ما تحفل به العشرات والمئات والآلاف من الروايات والقصائد الملحمية إلى أنّ تدرجات الكتابة الأدبية بأصنافها المختلفة خضعت إلى شروط الحالات السياسية والاجتماعية وحتى الدينية منها؛ تلك التي كانت توحي بالعظمة والمجد، وهذا من بديهيات المراحل الأدبية التي قرأناها وتأثرنا بها، وما تزال حتى اليوم أمثلة واضحة تفسّر لنا حياة الشعوب مثلما تفسّر لنا وقائع سياسية ودينية واجتماعية كثيرة. ومازلنا نعتبرها فواصل جمالية لا غنى عنها في البحث والأرشفة والتوثيق.

"البطل" الجمالي المعتاد في الفنون الأدبية كلها كان انتقالة طبيعية من العصر الشفاهي إلى العصر التدويني الذي يحفل بالمبالغات وهو يرصد الأفراد/ الأبطال ويمنحهم امتيازات خارقة
"البطل" الجمالي المعتاد في الفنون الأدبية كلها كان انتقالة طبيعية من العصر الشفاهي إلى العصر التدويني الذي يحفل بالمبالغات وهو يرصد الأفراد/ الأبطال ويمنحهم امتيازات خارقة

“البطل” الجمالي المعتاد في الفنون الأدبية كلها كان انتقالة طبيعية من العصر الشفاهي إلى العصر التدويني الذي يحفل بالمبالغات وهو يرصد الأفراد / الأبطال ويمنحهم امتيازات خارقة، فالشعوب في تكويناتها الداخلية كانت تحتاج إلى هذه الصور بأن تجعل أبطالها فوق العادة لأسباب نفسية وعسكرية ودينية.

فما بين الواقعي والخيالي حبل أدبي نجح في أن يخلق العجائبي رافدا من روافد المخيال في الكتابة حتى وقتٍ ليس بعيدا، على أن الواقعي المُضخَّم هو الذي ساد فتراتٍ طويلة في الأدبيات، يقابله الخيالي الشعبي الذي سار بالطريقة ذاتها، مع اختلاف الأزمان في معطياتها الفنية والسردية والجمالية العامة.

يوليسيس أحد أبطال حرب طروادة في التراث الكلاسيكي اليوناني. وعنترة بن شداد شاعرٌ وفارس عربي بمزاج أسمر، فالقبيلة العربية تدفع بأبطالها إلى الواقع والحكاية الشفاهية تطوّرها. لكن جلجامش هو بطل الخلود الفريد ولا يقل عنه صاحبه أنكيدو في البطولة والقوة، ودون كيخوته بقي يحارب طواحين الهواء حتى اليوم وبقي نمطه قارّا لم يتطور.

 ومثلما هناك صدى تاريخي للمحاربة جان دارك وهيكتور وأخيل عبر التاريخ السردي، بقي مثل هذا الصدى لجمال عبدالناصر كقائد عربي، والمتنبي كبطل شعري متميّز. وياسر عرفات ككاريزما لا تتكرر في القضية الفلسطينية. والخنساء بطلة الشهادة المقدسة. وحاتم الطائي بطلا للكرم. وكازانوفا البطل الجنسي، وغاندي البطل الثوري، وجيفارا الشخصية الأكثر تأثيرا في عوالم الحرية. وأتيلا المرعب الذي كان يمتلك سيف أثينا آلهة الحرب الإغريقية. وسبارتكوس العبد – البطل. وأينشتاين وأديسون ونيوتن.. وهذه الرموز السحرية كلها تحمل صفة “بطل”.

في الحروب والأحداث الاستثنائية يحدث مثل هذا كثيرا. حيث تتقدم صورة البطل الواقعي كنابليون الذي غزا مصر والذي كُتبت عنه أساطير الأولين والآخرين. والشيخ عمر المختار البطل العربي الذي قارع الاحتلال الإيطالي حتى أعدم. ويمكن أن نشير إلى الطفل الفلسطيني الشهيد “محمد الدرة” الذي شاعت صورته وهو يُقتل إلى جانب والده من قبل الجيش الإسرائيلي، فهذه صورة بطل صغير لا ينساها أحد، بالرغم من أنه أعزل وصغير ولا يحمل سلاحا لكنه “بطل” وفق هذا المفهوم.

وقد حفرت صورة مقتله في الوجدان العربي كثيرا، وهكذا نجد الصور البطولية تغيرت من المبالغات الوصفية إلى وصف الواقع برموزه السياسية والاجتماعية والأخلاقية وحتى الفردية، وخرجت من المخيال الشفاهي والتدويني الذي تعاقبت على كتاباته أجيال، إلى ملاحقة الواقع وتدوينه في عصر كتابي وصوري لا يمكن أن يُزوّر أو يُختزل. ونظن أن السينما الوثائقية كانت أوفر حظا في (تدوين) هذه السير المثيرة.

ولما كانت الحاجة تقتضي وجود “بطل” في العصر الحديث، فقد تغيرت نمطية البطل السوبرماني العجائبي الخارق والعسكري الحاذق والمحارب القوي، إلى بطل آخر يستحوذ على عقول الآخرين بطريقة مغايرة إلى البطل الأسطوري الملحمي السابق.

ولما كانت صورة الملاكم محمد علي كلاي هيمنت لعقود على مخيلة البشرية في العالم كبطل رياضي، عادت الصورة بطريقة أكثر مثالية في كرة القدم، فبرز “أبطال” آخرون أكثر شفافية من عنف كلاي وقبضته الخارقة، كرونالدو وميسي، بل هيمنت أندية بكاملها على اهتمامات البشرية في العالم، كبرشلونة وريال مدريد لتكون هذه الأندية أبطال اللحظة التاريخية الرياضية؛ وهكذا نجد أن (صورة) البطولة تغيرت تلقائيا وتغير معها المفهوم المجازي لمعنى البطل الفردي / العسكري/ الشجاع / الشاعر / المحارب / الكريم، فالصورة وحدها في هذا العصر يمكن لها أن تعزز “البطل” الاجتماعي والسياسي والأخلاقي وتوثقه وتكرسه وتشير إليه بلا تزوير.

14