تحول استثماري إلى تنظيف البيئة بدل تلويثها

الاثنين 2014/09/29

شهد العالم خلال الأشهر الأخيرة موجة واسعة من قرارات المستثمرين والشركات العالمية، التي يمكن وصفها بأنها صديقة للبيئة وتتسم بالمسؤولية للحد من خطر ظاهرة تغير المناخ في العالم.

لكن تلك القرارات في الواقع، لا يمكن أن تصدر لمجرد وازع أخلاقي، لأن رأس المال لا يمكن أن يتجاهل هدف تحقيق الأرباح، مهما كان الثمن.

وتستند تلك الظاهرة إلى تزايد الجدوى الاقتصادية للمشاريع الصديقة للبيئة بسبب التطور التكنولوجي وأنظمة الضرائب والحوافز التي تضعها الحكومات لتحقيق التزاماتها بالمعاهدات العالمية لتقليص الانبعاثات المضرة بالبيئة، مما يرفع القدرة التنافسية لتلك المشاريع وعوائدها مقارنة بالأنشطة التقليدية.

كما أن تزايد وعي الزبائن، أصبح يكافئ الشركات الصديقة للبيئة من خلال الإقبال على شراء منتجاتها. وأصبحت الشركات العالمية تفاخر بانخفاض بصمتها الكاربونية، فينهمر الطلب على منتجاتها، حتى لو كانت أقل كفاءة وأغلى ثمنا، مثلما نلاحظ في زيادة الطلب على السيارات الكهربائية.

كل ذلك أحدث نقلة نوعية هائلة حين أصبحت الجدوى الاقتصادية من الاستثمارات الصديقة للبيئة تنافس بل وتتفوق على الاستثمارات في القطاعات الملوثة للبيئة.

وشهد العالم في الأيام الماضية توجها متزايدا من قبل المستثمرين لبيع أسهم مرتبطة بالوقود الأحفوري، بالتزامن مع انعقاد أكبر قمة للمناخ على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

أكبر تلك الخطوات جاءت في إعلان أسرة روكفلر التي بنت ثروتها من النفط وعدد من أصدقاء البيئة من أكبر أثرياء العالم، عن تعهدهم بسحب استثمارات تبلغ نحو 50 مليار دولار من قطاع الوقود التقليدي.

وترى المنظمات البيئية أن تلك الخطوة، تعد نقطة تحول كبرى في جهود الحد من التغير المناخي، لأن وضع الأموال في هذا السياق يفوق جميع الشعارات والسياسات الحكومية.

ويمكن أن ننتظر مفعول أحجار الدومينو أو المتوالية الهندسية، فكلما تزايدت الاستثمارات المتجهة للنشاطات الاقتصادية الصديقة للبيئة، كلما زادت كفاءتها وقدرتها التنافسية وربحيتها، التي هي القول الفصل في تحديد توجهات الأنشطة الاقتصادية، ومن ثم عمل المختبرات والعلماء وتوجه الكفاءات والخبرات وبرامج تدريب الطلاب والأيدي العاملة.

ويمكن للتحرك الرامي لسحب الاستثمارات من الأنشطة الملوثة للبيئة، أن يكون نواة تكتل عالمي من المستثمرين الذين لا يقتصر نشاطهم على المطالبة بوقف تدهور المناخ، بل يمتد إلى وضع أموالهم بحسب المواقف التي يتبنونها.

وأعلن التحالف عن تعهدات بسحب الاستثمارات من كبريات شركات النفط والغاز والفحم البالغ عددها 200، وإعادة استثمار الأموال في مشاريع للطاقة المتجددة والتنمية الاقتصادية المستدامة.

ويأمل القائمون على الحملة أن تساعد آلية سحب الأموال وإعادة استثمارها في إنعاش الاستثمار في الطاقة النظيفة، الذي تراجع في السنوات الماضية بعد أن بلغت ذروته في عام 2011 حين بلغ نحو 318 مليار دولار.

وتضاعف منذ بداية العام الحالي، حجم الحركة التي أسسها طلاب وأساتذة 6 جامعات قبل 3 أعوام، بدعوة كلياتهم لسحب أموال الأوقاف المستثمرة في الفحم والنفط والغاز الطبيعي، ليصل عددها إلى 180 كيانا من أنحاء العالم.

وانضم إلى الحركة عدد كبير من الجامعات والكنائس والبلديات والمستشفيات وصناديق التقاعد، إضافة إلى 650 فردا من المستثمرين ورجال الأعمال والمشاهير.

وفي أكبر خطوة لسحب الاستثمارات في القطاع الأكاديمي تعهدت جامعة ستانفورد في مايو الماضي بأن أموال الوقف البالغة قيمتها 18.7 مليار دولار لن تستخدم بعد الآن في الاستثمار في مجال الفحم.

أحلام الطاقة النظيفة داعبت طوال عقود أحلام معظم سكان العالم، لكنها كانت تصطدم بانعدام الجدوى الاقتصادية وعدم وجود من هو مستعد لتحمل تكاليف تطوير مصادر الطاقة المتجددة.

لكن تلك المعادلة تغيرت بشكل متسارع بسبب تزايد الجدوى الاقتصادية من تلك الاستثمارات وتزايد الوعي العالمي بضرورة خفض تأثيرنا السلبي على البيئة، لأننا جميعا نعيش على هذه السفينة التي يمكن أن يغرقها التلوث البيئي.

11