تحول المقدس إلى فتنة معاصرة

أمين الزاوي يرسم في خمسين لوحة محنة العالم مع الأصولية الإسلامية ومحنة الجزائر على وجه الخصوص مع التدين الزائف.
الأحد 2018/09/02
شارع في القصبة.. من هنا خرج الإسلام العنيف في الثمانينات رداً على عنف العسكر

"علبة الإسلام السوداء، المقدس والفتنة المعاصرة" ذلك هو عنوان كتاب الروائي الجزائري أمين الزاوي الصادر أخيرا عن دار تافت بالجزائر. في 154 صفحة وبلغة فرنسية راقية يستنطق الكاتب الشهير الواقع الجزائري – والإسلامي المأزوم ويتساءل عن الأسباب التي جعلت مجتمعه يصاب بمرض التدين الشكلي ويبتعد كثيرا عن الروحانية والالتزام الديني العاقل مثله مثل باقي المجتمعات المسماة عربية-إسلامية.

وكما وعد الكاتب القارئ منذ البداية، لم يتردد في مساءلة المسكوت عنه حتى النهاية. هذا المسكوت عنه الذي يغتصب الحلم ويعطّل تقدم المجتمع الجزائري وازدهاره والمجتمعات الإسلامية بشكل عام، إذ كل مسلم أو كل من يعيش في بلد إسلامي محكوم عليه أن يكون رهينة الشريعة وفقهائها. والشريعة عنف فكري واعتداء على الحياة الخاصة للأفراد وقمع ثقافي للمواطنة. وهي العدوة اللدودة للأنوثة والحياة ولكل ما هو جمال وإبداع. لقد أفرغت الشريعة الإسلام من عمقه الروحي وانفتاحه على العالم ووضعته بين مخالب السياسويين والتجار.

في مجتمع تهيمن فيه الشريعة ورجال الدين، يقول الكاتب أمين الزاوي، يجد المسلم نفسه مسيّجا بترسانة من النصوص الدينية المتناقضة فيصبح مرتبكا، تائها، منقطعا عن محيطه العالمي على الدوام.

لا يجامل أمين الزاوي الخطاب السائد ولا يتستر وراء المصطلحات الفضفاضة والتنظير كما يفعل آخرون، بل يعلن موقفه منذ البداية كاتبا أن مشروعه مشروع تنويري يروم الدفاع عن قيم المواطنة، إذ الوطن أرحب من الدين كما يقول ويبدو جليا عبر صفحات الكتاب.

في خمسين لوحة رسم أمين الزاوي محنة العالم مع الأصولية الإسلامية ومحنة الجزائر على وجه الخصوص مع التدين الزائف، ذلك المرض العضال، من خلال المعايشة والملاحظة والتأمل والرفض لما وصل إليه البلد من تعاسة ثقافية وفكرية وروحية وأخلاقية. مجتمع ساد فيه النفاق الاجتماعي وبات لا يحترم الآخر المختلف ولا يعترف بحقوقه الفلسفية والعقائدية.

المجتمع الذي لا يتمتع أفراده بقراءة الروايات والشعر والفلسفة والتاريخ، لا يمكنه أن يصل إلى قراءة صحيحة لكتابه المقدس

حينما يتحول المسجد إلى شبه ثكنة، يتكون فيه الجهاديون وشبه عيادة لغسل الأدمغة ونشر الكراهية، سينتهي المطاف بهذا المجتمع إلى ممارسة العنف حتما ثم السقوط في وحل التقهقر والتفكك، يقول أمين الزاوي دون لف ولا دوران. ويتساءل عن السهولة التي يقبل بها المسلمون بعض الدعاة الذين لا يتوقفون عن الشتم العلني والمباشر لمعتنقي الديانات الأخرى!

 ويعود معظم هذا العسر في رأي صاحب “علبة الإسلام السوداء” إلى نظرة المسلمين الباتولوجية إلى تاريخهم. ذلك التاريخ الثابت، الخامد الذي أصبح عبئا يعيق حركتهم. التاريخ هو الماضي في عرف المسلمين، ماضيهم الذي ينظرون إليه بقدسية وتعظيم وتمجيد وبلا تبصر أو نقد. بدل دراسته وتمحيصه، يعود المسلم إلى ماضيه ليسكنه وليعيده إلى الحاضر وليصنع منه مشروعا لمستقبله.

في غياب قراءة حقيقية لتاريخ الديانات ودراسات مقارنة، لا يمكن للمسلمين وضع كتابهم المقدس في سياقه التاريخي ومن ثمة السقوط في تلك القراءات الضالة المؤدية إلى الانتحار الفكري.

فالمجتمع الذي لا يتمتع أفراده بقراءة الروايات والشعر والفلسفة والتاريخ، يكتب أمين الزاوي، لا يمكنه أن يصل إلى قراءة صحيحة لكتابه المقدس. لقد وصل المجتمع الجزائري، حسب الكاتب، إلى مرحلة يتحدث كل الناس فيها عن الدين، غدا كل واحد فقيها، إماما او مفتيا. لقد تم تديين كل شيء كما يبدو من الاستعمال المبالغ فيه لعبارة “إن شاء الله” بمناسبة وغير مناسبة. مجتمع لا تكاد تفرق فيه بين ممارس الطب وممارس الرقية.

 لقد وصل عددها في الجزائر إلى أكثر من 30000 ومع ذلك يستمر بناء المساجد دون مبرر. مساجد سرية أحيانا يرتادها المتزمتون ومساجد في المنازل يلتقي فيها أصحاب الطوائف الدينية الممنوعة في البلد. وأيا كان توجه المسجد، فهو يرد سبب كل المصائب الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية إلى المرأة المرتدية بنطلونا أو التي تمضغ العلكة في الشارع.. وحتى العنف في المدارس سببه الاختلاط حسب معظم أئمة تلك المساجد.

ولا ينزل هذا الخطاب المادي للأنوثة من السماء بل من الفضائيات الإسلاموية ومن دعاة الأزهر وخاصة الإخوان المسلمين الذين فتحت لهم السلطات الجزائرية قناتها التلفزيونية الوحيدة ليؤسلموا الجزائريين ابتداء من منتصف الثمانينات. لقد بلغ السيل الزبى حينما جعل الرئيس الشاذلي بن جديد الإخواني محمد الغزالي وصيا على عقيدة الجزائريين وإيمانهم.

 نحن نعيش زمن شعوذة لأن دين الفقهاء انتصر على دين الله، لقد ضيعنا دين رابعة العدوية وابن عربي والسهروردي والحلاج.. يقول الدكتور الزاوي إنه عندما يتحدث عن “المجتمع المؤسلم”، فهو يقصد أن معظم الافكار والقيم المنتشرة بين أغلب الناس في هذا المجتمع آتية من الأيديولوجية الداعشية.

استنطاق الواقع الجزائري– والإسلامي المأزوم
استنطاق الواقع الجزائري– والإسلامي المأزوم

ويلاحظ أن الدعوشة باتت واضحة في المجتمع الجزائري وتتجلى في العنف ضد المرأة وتهميشها وتشييئها وفي الكسل وعدم احترام الوقت وبصفة عامة في الحزن المخيم على المدن التي أصبحت تعيش كأنها في حداد أبدي.

لقد سمم الإخوان المسلمون مدننا، غسلوا أدمغة أطفالنا، هاجموا نساءنا، مساجدنا، لغاتنا، عاداتنا، مقاهينا، ملاعبنا.. يكتب أمين الزاوي ويضيف أن الشارع قد تصعلك وترّيف شيئا فشيئا وسادت فيه الكراهية والعنف.

ويميز أمين الزاوي بين فهمين للإسلام في الجزائر: إسلام المعربين وإسلام المفرنسين، فالمعرب بقي رهينة أيديولوجيا تبثها كتب ابن تيمية وسيد قطب ويوسف القرضاوي والبوطي وخالد محمد خالد والغزالي… في حين بقي القارئ بالفرنسية محتفظا بهامش من الحرية يضمنها الكتاب الجزائري المنشور باللغة الفرنسية.

فالفرنكوفوني المهتم بالكتاب الديني هو في غالب الأحيان قارئ أدب محلي وعالمي، رواية، فلسفة، تاريخ… وهو ما حافظ على بعض جزائريته وأصالته الدينية مقابل المعرب الغارق في أيديولوجية الإخوان المسلمين المسربة عبر الكتب التي تصل إلى الجزائر من دور النشر الدينية الرديئة المصرية، السورية، السعودية، الأردنية واللبنانية…

وعموما، يرد الكاتب أمين الزاوي أزمة الجزائريين والمسلمين إلى عدم الفصل بين الدين والدنيا، غياب العلمانية كأسلوب حياة اجتماعي، كوسيلة تفكير، كثقافة سياسية.

ولكن ما العمل؟

 ينبغي، حسب صاحب “علبة الإسلام السوداء” أن تتوفر الشجاعة الكافية للبدء في تطهير نصوص التراث الديني من أفكار التحريض. حان الوقت لتحرير النصوص الدينية من ثقافة الحرب والمغامرة من أجل العودة إلى ثقافة “العيش معا”.

لا مفر من العودة إلى إسلام التنوير ولا يكون ذلك سوى عبر الفلاسفة العقلانيين، أحفاد وورثة أبي بكر الرازي، ابن رشد، ابن سينا، ابن الراوندي، ابن مسكويه… والعودة إلى إسلام الثقافة عبر الشعراء، أصحاب الرؤى الحالمة كبشار ابن برد، عمر ابن أبي ربيعة، المتنبي والشريف الرضي.. كما يجب العودة إلى إسلام الموسيقى من خلال الموسيقيين الذين يضفون على التأمل معنى روحيا، ويسافرون بنا نحو عوالم أخرى دون قيد أو شرط أو حدود بلا كره وبلا خوف أمثال الفارابي، زرياب، سيد مكاوي، فيروز… نحن في حاجة ملحة إلى تدريس تاريخ الشعوب والأديان بطريقة بعيدة عن الكراهية والأحكام المسبقة من أجل تكوين مخيال جديد لدى المسلم وبناء مستقبل دون حروب، و ضرورة إصلاح المسجد الذي تحول إلى مؤسسة فتنة وتحريض وكراهية للمختلف، والعمل على بناء مجتمع حديث تكون فيه المواطنَة الدين الوحيد الذي يجمع بين كل الناس.

12