تحول رأسمالي غير كامل للزراعة المصرية

الفلاحون لا يزالون غير خاضعين لمنطق السوق.
الثلاثاء 2021/08/03
سياسات زراعية تفاقم خسائر صغار الفلاحين

يختص باحثون في دراسة أنماط الزراعة في الريف المصري بوضع سياسات النظام تحت المجهر وتتبع طرق وإمكانيات الإنتاج الزراعي الصغير وعلاقتها بالمنظومات الغذائية المحلية والأسواق العالمية، محاولين مواكبة التغيّرات المحلية والدولية التي تفرضها أزمة المياه المتفاقمة بالإضافة إلى أزمة جائحة كورونا التي حلت فجأة لتثير اهتمام الدول بتأثيرات الأمن الغذائي وأنماط الغذاء على صحة الإنسان.

تتمتع مصر بهوية ريفية قوية؛ فوفقًا لتعداد 2017 يعيش نحو 58 في المئة من سكان البلاد في الريف. ويعمل 70 في المئة من السكان النشطين بالمناطق الريفية في الزراعة بدوام جزئي أو بدوام كامل. تمثل الزراعة 11.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي طبقًا لتقديرات 2016 الرسمية، وتغطي 63 في المئة من الاحتياجات الغذائية الوطنية و25 في المئة من القوى العاملة في البلاد. ومع ذلك تعد مصر من أكثر البلدان غير الآمنة غذائيًّا في العالم.

ينتج ذلك بالأساس من اعتمادها بدرجة كبيرة على استيراد القمح وتأثر هذا القمح بالتغيرات العالمية وبالتالي تذبذب أسعاره الذي ينعكس بدرجة كبيرة على حالة الأمن الغذائي في مصر.

وبالإضافة إلى ذلك فإن مصر، وكل منطقة شمال أفريقيا، عرضة لمخاطر التغير المناخي؛ فقد وصلت معدلات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى أعلى معدلاتها بين عامي 1998 – 2011 مما أدى إلى تسارع معدلات التصحر. وتعاني البلاد من أزمات مياه محلية وإقليمية وتدهور جودة الأراضي. القطاع الزراعي والمناطق الريفية هما الأكثر هشاشة في مواجهة التغيرات الاقتصادية والسياسية والتحولات في النظام البيئي، وكذلك الأعلى في معدلات الفقر بحسب مؤشرات الفقر الوطنية، لذلك يواجه الفلاحون تحديات كبيرة للاستمرار في أنشطتهم.

وانطلاقا من هذه الرؤية يهدف كتاب “عيش مرحرح.. الاقتصاد السياسي للسيادة على الغذاء في مصر”، للباحثان محمد رمضان وصقر النور، الصادر عن دار صفصافة إلى دراسة واقع ومحددات السيادة على الغذاء في مصر من خلال الدراسة الميدانية لقريتين بشمال الصعيد إحداهما في محافظة المنيا والأخرى في محافظة الفيوم (جنوبي القاهرة)، حيث تتبعا طرق وإمكانات الإنتاج الزراعي الصغير وعلاقتها بالمنظومات الغذائية المحلية والأسواق العالمية، وكيفية افتراق المنظومات المحلية لإنتاج الغذاء وكيفية تشابكها مع الإنتاج الزراعي الدولي. كما درسا هياكل الإنتاج وسلاسل القيمة للمحاصيل التجارية الهامة في الحالة المصرية من أجل الوصول إلى صورة أقرب للواقع حول السيادة الغذائية في مصر.

دراسة لواقع ومحددات السيادة على الغذاء في مصر بقريتين في محافظتي المنيا والفيوم

تأتي الدراسة ضمن مشروع المبادرة الوطنية لدعم التعاونيات، وهي مبادرة أهلية تأسست في محافظة الفيوم منذ ما يقرب من 5 سنوات، وتسعى لخلق أفق جديد للزراعة الفلاحية في مصر، وتوسيع دوائر الخيارات لبناء نظام زراعي تعاوني يخدم مصالح الفلاحين والمواطنين في إطار من التبادل والتعاون والرعاية المشتركة.

ويوضح الباحثان أن التحول الرأسمالي للزراعة المصرية غير كامل وأن الفلاحين لا يزالون غير خاضعين بشكل كامل لمنطق السوق ويسلكون سبل عيش معقدة ومركبة تمثل الزراعة الرأسمالية والانخراط في السوق جزءًا منها بينما تمثل الزراعة الفلاحية والإنتاج للاستهلاك العائلي والعمل خارج الزراعة أشكالًا مكملة لها. وتتقاطع نتائج الدراسة مع الإشارة إلى أنه رغم التحول الرأسمالي للزراعة المصرية إلا أن القطاع الزراعي ما زال يخضع لهيمنة صغار المنتجين الذين يستحوذون على غالبية الأراضي الزراعية وأن قرنين من التحول الرأسمالي لم يحلّا المسألة لصالح التحول إلى الإنتاج الكبير أو إدماج الفلاحين في علاقات سوقية خالصة.

أما عن سبل بناء السيادة الغذائية فيقولان إن “الفلاحين المصريين رغم محاولات الدولة الدؤوبة لدمجهم ضمن آليات السوق مازالوا يقاومون هذا الدمج أو يتحايلون عليه. وترتبط تلك المقاومة أشد الارتباط بالسيادة الغذائية، ففي حين يصبح الفلاحون أكثر هشاشة في الريف بفعل مستويات الفقر المتفاقمة في مصر منذ بداية التحولات النيوليبرالية في الثمانينات، تظهر أشكال المقاومة من خلال العمل التبادلي غير الخاضع لديناميكيات السوق، كما أن العمل العائلي غير المدفوع يقوم بأدوار هامة في الإنتاج، وأيضًا على مستوى إنتاج الغذاء؛ فرغم اختراق أنماط استهلاك الغذاء المدينية للريف إلا أن الكثير من الأسر مازالت تعتمد على ما تنتجه الأرض من أجل توفير حاجاتها الأساسية. يظهر ذلك جليًّا في القرارات الزراعية المتعلقة بتقسيم الأرض للزراعة، أجزاء منها لزراعة المحاصيل النقدية الخاصة بالتبادل في الأسواق -سواء أسواق المدينة أو الأسواق المحلية- وأجزاء تتم زراعتها للاستهلاك المنزلي”.

ويلفت الباحثان إلى أن خيارات الفلاحين الصغار الاقتصادية في مصر تتشكل عبر نمط معقد من التفكير في القرارات الاقتصادية والاجتماعية وعبر شبكة واسعة من العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التي تنظر للمنفعة على أنها أوسع من الحصر في المنفعة الاقتصادية المباشرة.

وقد يرى البعض أن قرار الفلاحين الصغار عدم الاندماج الكامل في السوق أو استخدامهم تكتيكات مختلفة للتحايل على هذا الاندماج ضرب من الجنون، لأنه من المفترض -وبحسب الأفكار النيوليبرالية- أن يؤدي الاندماج الكامل في السوق والإنتاج من أجل السوق إلى رفع مداخيل هؤلاء الفلاحين المعدمين. لكن العمل الميداني في هذه الدراسة وغيرها من الدراسات السابقة يؤكد أن الاندماج الكامل في السوق غالبًا ما يضر الفلاحين الصغار، وهذا ظهر جليًّا في تناولنا لسلاسل القيمة لمحاصيل مثل البنجر والبطاطس حيث يتم استغلال الفلاحين واستخلاص القيمة منهم واستغلال قوة عملهم ومواردهم من أجل إثراء قلة تسيطر على السوق بأساليب احتكارية متعددة.

وتفتح هذه الدراسة الباب أمام إمكانيات التحول نحو سياسات السيادة الغذائية، وهو تحول ممكن في ظل الواقع الحالي للزراعة المصرية، ويتضح ذلك من خلال الاستعدادات المحلية لدى المبحوثين للانخراط في هذا التحول من أجل تحسين جودة منتجاتهم وجعلها أكثر استجابة للمواصفات الصحية وأكثر ملاءمة ثقافيًّا واجتماعيًّا لاحتياجاتهم واحتياجات مجتمعاتهم المحلية. لكن هذا التحول ليس سهلًا، بمعنى أنه يتطلب مرافقة الفلاحين في مراحل التحول إلى الزراعة البيولوجية وتقديم الدعم اللازم لهم لإتمام هذا التحول من أجل صيانة الموارد وإعادة بناء المنظومة التشريعية لكي تحقق السيادة على البذور والعدالة البيئية في توزيع الأراضي والمياه.

ويتابع الباحثان أن دراستهما لا تعبر بالضرورة عن كل أشكال المعوقات والمشكلات التي تواجه الفلاحين في الريف المصري نظرًا لتركيزها على دراستي حالة في محافظتين فقط وسط الصعيد؛ فمثلا لم تشغل مسائل المياه والنفاذ للمياه حيزًا كبيرًا من الدراسة رغم أهميتها الكبرى في النقاشات حول مستقبل الزراعة في مصر في ظل النقاشات المصاحبة لمفاوضات سد النهضة الإثيوبي وأيضًا حالات العطش التي تشهدها العديد من القرى المصرية سنويًّا منذ 2007.

هوية ريفية قوية

  • 58 في المئة من المصريين يعيشون في الريف
  • 70 في المئة من سكان الريف يعملون في الزراعة
  • 25 في المئة من القوى العاملة في البلاد تشتغل بالزراعة
  • 11.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي توفره الزراعة
  • 63 في المئة من الاحتياجات الغذائية توفرها الزراعة

وهذه المسائل رغم مركزيتها لم تشغل حيزًا كبيرًا من الدراسة لأن القريتين محل البحث لا تعانيان من مشكلات متعلقة بالمياه. وهذا أيضًا يوضح مدى الاختلاف بين القرى في مجتمع ريفي يتكون من 4500 قرية وأكثر من 27 ألف نجع أو قرية تابعة. لكن على المستوى العام مازالت مسألة المياه تمثل معضلة شديدة الحساسية لأغلب الفلاحين المصريين وخاصة فلاحي الدلتا في الشمال؛ تلك المشكلة التي أضحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى بسبب النقاشات والصراعات حول المياه بين دول حوض النيل والمشكلات المتعلقة بطريقة توزيع المياه وآليات النفاذ إليها في الريف المصري. وتستهلك الزراعة ما يقارب 85 في المئة من حصة مصر من مياه النيل وغالبًا ما يواجه الفلاحون المصريون الكثير من النقد من قبل الحكومة والسكان الحضريين لاستخدامهم المكثف لمياه الري على الرغم من أهمية هؤلاء الفلاحين في سلاسل التوريد الغذائي.

ويشير الباحثان إلى أن الدولة قامت بإجراءات عديدة لإجبار الفلاحين على تخفيض استهلاكهم للمياه سواء عبر منع زراعة محاصيل أساسية مثل الأرز أو تقليل المياه في قنوات الري أو عبر مشروعات تحسين الري الحقلي. ويعاب على هذه المشروعات إغفالها التام لإشراك الفلاحين في النقاشات أو وضع سبل عيشهم في الاعتبار عند التفكير في مسألة المياه. وتمثل هذه الطريقة في التعامل مع الفلاحين شكلًا من أشكال العنصرية البيئية تجاه الفلاحين.

وتعد إجراءات تحديد زراعة الأرز في شمال الدلتا دليلًا على ذلك حيث اتخذت الدولة هذا القرار دون التشاور مع آلاف الفلاحين في شمال الدلتا والذين يشكل الأرز موردًا اقتصاديًّا هامًّا لهم تحت ذريعة توفير المياه في ظل الفقر المائي الحالي. ولم يراع القرار الكثير من الأبعاد الاقتصادية والبيئية في تلك المنطقة التي تتميز فيها الأراضي بنسبة ملوحة عالية وبالتالي توفر زراعة الأرز فرصة جيدة لما يسميه الفلاحون بـ”غسل التربة” للحفاظ على قابليتها للزراعة. وفي الوقت نفسه تقدم الدولة الأراضي والمياه للشركات الكبرى، فقد وقّعت شركة إماراتية عقدًا مع الحكومة المصرية لزراعة 180 ألف فدان بنجر وإنشاء مصنع للسكر في 2019. وستحصل الشركة إذًا على مياه لهذه المساحة الضخمة دون الحديث عن ندرة أو أزمة المياه لأن هذا الخطاب يظهر فقط وبشكل لافت حول مياه الفلاحين.

وعلى مدى السنتين الأخيرتين قامت الدولة بتشييد مشروع العاصمة الإدارية الجديدة وأنفقت بالفعل 135 مليار جنيه خُصصت لمرافق المرحلة الأولى للعاصمة الجديدة، وتمتلئ الصور

الدعائية لهذه العاصمة بالبحيرات الصناعية والمسطحات الخضراء الترفيهية. وبالتالي يختفي الحديث عن ندرة المياه حين مناقشة الاستثمارات الزراعية الصحراوية أو مسألة مدن الصحراء المسورة والمليئة بالبحيرات الصناعية والمساحات الخضراء ويظهر فقط في مواجهة صغار الفلاحين.

إعادة النظر في سياسات الأمن الغذائي
إعادة النظر في سياسات الأمن الغذائي

ولم تنشغل الدراسة -وفقا للباحثين- بمسائل الاستحواذ على الأراضي الذي يأخذ أشكالًا متعددة مثل الاستحواذ المحلي من قبل النافذين المحليين ورجال الأعمال المصدرين للمنتجات الزراعية أو الاستحواذ الدولي، خاصة استحواذ شركات الخليج التي تستثمر في الزراعة الصحراوية في مصر لإنتاج الحبوب والعلف لتصديرهما إلى دولها. وذلك رغم أهمية هذه المسائل؛ لأن الدولة

تدعم هذه الأشكال من الاستثمارات الزراعية عبر توفير البنية التحتية وبيع الأراضي الزراعية بأسعار زهيدة، فقد ذكر الجهاز المركزي للمحاسبات في تقرير نشره عام 2014 أنه تم التصرف بالبيع في أراضي المشروع بسعر 50 جنيهًا للفدان، وهو ما يحدده سعر السوق آنذاك بنحو 11 ألف جنيه للفدان، وتحملت الدولة تكاليف البنية التحتية من ترع وأعمال صناعية مقامة عليها ولم يتم تحميلها على عاتق المستثمرين، ولكنهم تحملوا تكلفة أعمال الاستصلاح الداخلي وإنهاء فروع الري والصرف ومحطات الرفع الداخلية في مساحتهم الخاصة.

ويكشف الباحثان أن مسائل المياه والاستحواذ على الموارد وتبني الدولة لنمط تنمية زراعية ينحاز إلى الملكيات الكبيرة والزراعة الصحراوية تؤثر سلبًا على فرص تحقيق السيادة الغذائية. فبدلًا من أن تدعم الدولة الزراعة التصديرية والاستخدام المكثف للطاقة والتكنولوجيا

 المستوردة يتطلب الأمر دعم النظم البيئية – الفلاحية “التي تحافظ على المياه والتربة الزراعية” والاعتماد على المزارع الأسرية والزراعة الفلاحية البيئية والتعاونيات الزراعية الحقيقية لمواجهة أزمة القطاع الزراعي وتحقيق السيادة على الغذاء. فهناك

علاقة طردية بين تهميش صغار الفلاحين بالوادي والدلتا ودعم الزراعة الصحراوية والمزارع الكبيرة في المناطق المستصلحة حديثًا “النوبارية، الصالحية، شرق العوينات، وتوشكى وترعة السلام”.

ويؤكدان أن إعادة النظر في سياسات الأمن الغذائي والتحول نحو السيادة الغذائية مسألة حيوية اليوم في ظل أزمة كوفيد – 19. فقد كشفت الأزمة الصحية مدى خطورة الاعتماد على الخارج للحصول على الغذاء، وما شهدناه من صراع حول الاستحواذ على الغذاء في ظل سلاسل غذائية معولمة تسمح بأن يحصل الأقوى على احتياطات غذائية كبيرة دليل  على ذلك.

كما أن ما أوضحته الدراسات المتعاقبة حول الارتباط بين سوء التغذية وإمكانية الإصابة والوفاة بسبب فايروس كورونا يدفعنا بقوة لإعادة التفكير في السياسات الغذائية والزراعية المتبعة في البلاد. ومع الأزمة الاقتصادية المصاحبة لأزمة كوفيد – 19 تزداد معاناة المزيد من الشرائح السكانية نظرًا لارتفاع معدلات الفقر والبطالة وأيضًا ارتفاع أسعار الغذاء. ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ينفق المصريون ما قيمته 40 في المئة على الطعام والشراب من دخولهم السنوية، إلا أن تلك النسبة ترتفع إلى 56 في المئة لدى الفقراء، وبالتالي سوف يتأثر هؤلاء بصورة أكبر بالزيادة في أسعار الغذاء. هذا بالإضافة إلى تشوه الحالة الغذائية التي توصف بالعبء المزدوج لسوء التغذية والتي يعاني منها نحو ثلث الأطفال في مصر، حيث تظهر بيانات المعهد الدولي لبحوث التغذية أن 31.2 في المئة من الأطفال من عمر 5 إلى 6 سنوات مصابون بالتقزم و29.2 في المئة وزنهم زائد.

الصورة
فلاحون يعانون من العنصرية البيئية

 

6