تحويل الأفلام القديمة إلى مسلسلات.. بين الاستنساخ والاستسهال

بات الكثير من مؤلفي الأعمال الدرامية والمخرجين أسرى للأعمال السينمائية القديمة يختارون منها أعمالا تركت انطباعات لدى الجمهور، فأعادوا تقديمها مجددا في مسلسلات طويلة، ويفسر خبراء ذلك بإفلاس في الإبداع بينما يرى آخرون أنها إعادة لبريق أعمال تركت بصمة كبيرة في الماضي.
الخميس 2018/03/08
مسلسل "الطوفان" مثل الاستثناء

القاهرة- عندما يُقدم السيناريست على التنقيب في مكتبة الأعمال الفنية لاختيار ما يصلح منها لإعادة التجسيد، فإنه يمارس نوعا من المخاطرة شبيها بإلقاء عملة معدنية ذات وجهين في الهواء، فإما أن يظهر قدراته على جعل الفكرة حُبلى بالجديد وإمتاع المشاهدين، أو يصبح كتاجر مفلس، يفتش في دفاتره القديمة علّه يجد في بياناتها ما ينقذه.

وخلال السنوات الأخيرة، عرضت الفضائيات المصرية أعمال “رد قلبي” و”الزوجة الثانية” و”الطوفان” و”العار” و”الباطنية” و”ريا وسكينة” وجميعها مقتبس من أفلام سينمائية تحمل العناوين نفسها، بل إن بعض مؤلفيها التزموا بنفس تفاصيل العمل الأصلي، والبعض الآخر حاول الاجتهاد بإلصاق قضايا مُعاصرة ضمن الأحداث كقضية الإرهاب، وكان آخر تلك الأعمال المقتبسة مسلسل “أبو العروسة” الذي يحاكي السياق الدرامي لفيلم “أم العروسة” الذي تم إنتاجه عام 1963، لعماد حمدي وتحية كاريوكا.

ورغم تأكيد أبطال “أبو العروسة” على وجود اختلافات بينه وبين “أم العروسة” تتعلق بطول الأحداث لستين حلقة تعادل 45 ساعة على عكس الفيلم الذي لا يتجاوز 90 دقيقة، إلاّ أن المضمون -وفقا للنقاد- لا يخرج عن معاناة الأسر المتوسطة في تجهيز بناتها للزواج، وصراع “الحماوات” والمشكلات التي تواجه ارتباط شاب وفتاة ينتميان إلى مستوى اقتصادي واجتماعي مُتفاوت.

مقارنات ظالمة

خالد محمود: الاقتباس من القديم أفضل من تقديم  الجديد الفاقد للمقومات الفنية
خالد محمود: الاقتباس من القديم أفضل من تقديم  الجديد الفاقد للمقومات الفنية

بعض الأعمال التي تم استنساخها لم تكن في مستوى العمل الأصلي، كمسلسل “الزوجة الثانية” المقتبس من عمل يحمل العنوان ذاته يتحدث عن القهر والظلم، ممثلا في عمدة قرية يسلب حقوق مزارعيها ويجبر أحدهم على تطليق زوجته ويتزوجها قبل مضي أشهر العدة لتظل تراوغه حتى يفاجئ بأنها حامل من زوجها الأول، ليموت مشلولا لتعود حقوق الفلاحين إليهم.

وتقديم الفكرة ذاتها بنفس الأداء فتح باب المقارنات لأداء الممثلين وجعل العمل مرفوضا جماهيريا، فلا المشاهدون استطاعوا أن يبتلعوا تجسيد عمرو واكد لشكري سرحان في مشاهد الانكسار وقلة الحيلة، ولا آيتن عامر استطاعت أن تقنعهم بأنها بديل عصري لسعاد حسني في تحوّلاتها بين الضعف والقوة، ولا عمرو عبدالجليل قدّم صورة العُمدة الظالم كصلاح منصور الذي كانت نظرة واحدة من عينيه كفيلة بإظهار شر دفين داخله.

وفي الثمانينات حقق فيلم “الباطنية” لنادية الجندي وفريد شوقي ومحمود ياسين أعلى الإيرادات في تاريخ السينما المصرية حينها وظل بدور العرض لعام كامل، وفي 2006 تم تحويله إلى مسلسل درامي لغادة عبدالرازق وصلاح السعدني، ليظل المشاهد في مقارنة مستمرة بين مشاهد العملين حتى دخلت الجندي التي منحها الفيلم لقب “نجمة الجماهير” على الخط معلنة رفضها التام لكل من يُقلد أعمالها.

الأمر ذاته تكرّر مع مسلسل “رد قلبي” المأخوذ عن فيلم لشكري سرحان ومريم فخرالدين، وكان هدفه سياسيا في المقام الأول بالتعبير عن المساواة التي أوجدتها ثورة 23 يوليو بين قطاعات المصريين متجسدة في ارتباط ضابط الجيش نجل “جنايني” في حديقة الباشا بابنة رب عمله، وحاول المنتجون الجدد اللعب على وتر الرومانسية أكثر بين بطلي الدراما نيرمين الفقي ومحمد رياض، لكنها لم تكن كفيلة بإخراج العمل الأصلي من أذهان الجماهير.

ويرى الناقد الفني خالد محمود أن الاقتباس من القديم وتقديمه في صورة جيدة أفضل من تقديم عمل جديد غير جيد يفتقد المقومات الفنية الأساسية، فالأهم هو القيمة المضافة للعمل ومدى مسايرته لروح العصر بعاداته وتقاليده، ولا ضرر في تقديم عمل مقتبس كل عام بجانب أعمال تحمل أفكارا جديدة، والحكم يكون للجمهور.

الحكم للجمهور

يقول خالد محمود، لـ”العرب”، إن مسلسل “الطوفان” نجح في جذب اهتمام الجمهور لمتابعة حلقاته، مقارنة بالفيلم الأصلي الذي قدمه المؤلف والمخرج بشير الديك قبل 32 سنة، ربما لأن الفكرة إنسانية في المقام الأول تتعلق بقتل الأبناء أمهم لمنعها من الشهادة على بيع والدهم قطعة أرض قبل وفاته، ولم يعط الفيلم الممثلين الوقت الكافي لإبراز انفعالاتهم وقدراتهم على عكس المسلسل.

وفيلم”الطوفان”، تم إنتاجه عام 1985 من بطولة جماعية لمحمود عبدالعزيز وفاروق الفيشاوي وأمينة رزق وكمال أبورية وعبلة كامل وهالة صدقي ومحمود الجندي وإسعاد يونس، أما المسلسل الذي تم عرضه في العام 2017، بسيناريو وحوار وائل حمدي ومحمد رجاء، فقام ببطولته ماجد المصري ووفاء عامر وأحمد زاهر وآيتن عامر وفتحي عبدالوهاب ومحمود الجندي أيضا.

وأوضح الناقد الفني أن مسلسل “أبو العروسة” رغم اقتباس فكرته، إلاّ أنه اتسم بأداء جيد ومختلف للممثلين الذين قدموا وجوها جديدة عليهم كسيد رجب وسوسن بدر، ليخرج العمل في صورة عصرية تستهوي الأسرة المصرية، على عكس بعض الأعمال الجديدة التي تعتمد على التصوير وفنيات الإخراج فقط.

إفلاس فكري بحجة إعادة بريق الماضي
إفلاس فكري بحجة إعادة بريق الماضي

وقال إن النقيض ينطبق على بعض الأعمال الدرامية كمسلسل “رد قلبي” و”الزوجة الثانية” اللذين لم يصادفهما النجاح لافتقادهما العمق الدرامي، فالشخصيات الجديدة افتقدت الوعي بطبيعة الدور الذي تقوم به، ولم يقنع فريق العملين الجمهور بأنه أمام عمل يحمل اختلافا عن النسخة الأصلية.

إعادة البريق

المدافعون عن إعادة إنتاج أعمال فنية قديمة، يقولون إنهم يعيدون إليها البريق، فالأجيال الجديدة لم تشاهدها وقت عرضها بالسينمات، ولا تتقبل عرضها بالأبيض والأسود في قنوات الأفلام الكلاسيكية، والأمر مرهون بتقديم العمل بشكل فني يكون إضافة إلى الأصلي من ناحية تطور الإخراج والأساليب الفنية والأداء التمثيلي.

ويرى السيناريست مجدي صابر أن الاقتباس من الأعمال السينمائية -أو إعادة إنتاجها- ليس حكرا على المصريين، ففي السينما الأميركية يتم تقديم نفس الفيلم أكثر من مرة بتقنيات ومعالجات مختلفة، كما أن السينما المصرية ذاتها تناولت بعض الروايات أكثر من مرة كرواية “الكونت دي مونت كريستو”، وبالتالي لا يجوز توجيه اتهامات لصناع الدراما الحاليين بالإفلاس.

و”الكونت دي مونت كريستو” هي رواية للمؤلف الفرنسي ألكسندر دوما تعود إلى عام 1844، وتتناول قصة بحار تعرض للسجن ظلما ليتمكن من الفرار وينتقم من ظالميه، وتم اقتباسها في فيلم “أمير الدهاء” لفريد شوقي ومحمود مرسي ونعيمة عاكف، بعد 14 عاما من تجسيدها في فيلم “أمير الانتقام” لأنور وجدي ومديحة يسري، وكان الأبطال هم الاختلاف الوحيد بين النسختين.

ويرى بعض النقاد أن الاقتباس دون الإشارة إلى العمل الأصلي يدخل ضمن السرقة التي بات لها معنى أكثر ذوقا في الوسط الفني يسمى “فورمات”، مُعتبرين أن العنصر الأساسي هو الفكرة، وليس التفاصيل، بما يعني أنه لا يجوز الدفاع عن نسخ الأعمال القديمة بحجة أن العمل الجديد طويل، وأنه يتضمن تفاصيل ووقائع أكثر.

لكن صابر يرفض الآراء السابقة، قائلا لـ”العرب” إن فيلم “أم العروسة” كنموذج لعمل تم اقتباسه يعود إلى فترة الستينات من القرن الماضي ويتناول حياة الطبقة المتوسطة ومعاناتها بمصر، وهي قضية خصبة يمكن إعادة تقديمها كل عقد أو عقدين بصورة جديدة، تتناول التطوّرات التي شاهدتها تلك الطبقة والمجتمع ككل، والمحك هو طريقة المعالجة وكيفية تقديم مضمون مختلف.

ويخشى المتخوّفون من فكرةِ تكرارِ الأعمالِ غيابَ الإبداع، ويقولون إن الاستنساخ تعدى مرحلة إعادة إنتاج الأفكار القديمة، بل وصل الأمر إلى حد اقتباس “أفيشات” (ملصقات) المسلسلات، فالجزء الثاني من “حدائق الشيطان” تم اقتباسه من نهاية فيلم “شيء من الخوف” لمحمود مرسي وشادية الذي يجسد نهاية “عتريس” الظالم حرقا، وانقلاب رجال عصابته عليه.

16