تحويل المقرات يشعل لهيب المنافسة بين دبي والرياض

الليبرالية الاجتماعية والإسكان والتعليم تظل علامة فارقة بين الوجهتين.
الجمعة 2021/02/19
منافسة على أشدها

مثلت دبي وجهة استثمارية مفضلة حيث تميزت ببنية تحتية حديثة وقوانين مرنة، ولكن حملة الإصلاحات السعودية، ولاسيما اشتراط نقل مقار الشركات الأجنبية إلى المملكة، غيرت قواعد المنافسة، في وقت يرى فيه خبراء أن الليبرالية الاجتماعية والإسكان والتعليم التي تتميز بها دبي تظل العلامة الفارقة.

دبي - جعلت البنية التحتية الحديثة والقوانين السلسة من دبي المقر الإقليمي المفضل للشركات الدولية، لكن خروج الرياض من عباءة التشدد في السنوات الأخيرة أيقظ منافسا عملاقا.

وقد سهّلت الإمارة الخليجية الثرية فتح الأعمال التجارية في منطقة تعاني من البيروقراطية ما ساعدها على استضافة حوالي 140 مقرا لشركات كبرى خلال ثلاثة عقود، أكثر من أيّ مدينة أخرى في الشرق الأوسط.

وبينما كانت بيئة الأعمال تزدهر في دبي، يتعثر النمو في الرياض، عاصمة أكبر اقتصاد عربي، بسبب السياسات المتشددة والتهديدات الأمنية والفساد.

لكن ولي العهد محمد بن سلمان سعى إلى وضع حد لذلك عندما تولى منصبه في عام 2017 وقد باتت المدينة المحاطة بالكثبان الرملية تنعم بازدهار نسبي وتشهد افتتاح أعمال جديدة بوتيرة متسارعة، من المطاعم إلى الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا.

وقال الأمير البالغ من العمر 35 عاما في يناير الماضي إن هدفه “أن تصبح الرياض واحدة من أكبر عشر مدن اقتصادية في العالم”.

ولتسريع هذا الهدف، أعلنت الرياض أنّها ستوقف اعتبارا من مطلع العام 2024 التعامل مع شركات أجنبية تقيم مقرات إقليمية لها خارج السعودية.

وتمثّل الخطوة المفاجئة تحدّيا مباشرا لدبي وتهدّد بسباق مفتوح محتدم بين الجارتين الحليفتين، السعودية والإمارات.

وقال الأستاذ المساعد في كلية لندن للاقتصاد والسياسة ستيفن هيرتوغ في تصريحات صحافية “لا أعتقد أن هذه هي النية ولكن هذا ما سيحصل عمليا، كون دبي الموقع المفضّل كمقر إقليمي للشركات الدولية”.

في عهد الأمير محمد، تبنّت السعودية سلسلة من التغييرات الاجتماعية التي لم يكن من الممكن تصورها في السابق، وعدّلت بعض قوانينها المتشددة.

وفرضت السلطات السعودية قواعد جديدة للعمل، تقصر وظائف محددة على المواطنين، حيث زادت حصصا مالية للشركات عند توظيف السعوديين، وقامت بخفض دعم الكهرباء والماء في إطار إصلاحات مالية.

وأعلنت الحكومة عن تأسيس البرنامج الوطني لدعم إدارة المشاريع في الجهات العامّة لخفض تكاليف مشروعات البنية التحتية الحكومية.

عبدالخالق عبدالله: الشركات اختارت دبي دون غيرها بسبب الميزات التنافسية
عبدالخالق عبدالله: الشركات اختارت دبي دون غيرها بسبب الميزات التنافسية

وفتحت الرياض، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 7. 5 مليون نسمة وكان يُنظر إليها أنها معقل لسياسات المحافظين، أبوابها للترفيه والاستثمار، وهمّشت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفّذت حملات لمكافحة الفساد.

ولكن الوجه الجديد للعاصمة جذب مع ذلك مستثمرين كثرا يأملون في الاستفادة من مشاريع بمليارات الدولارات مثل مدينة نيوم المستقبلية الضخمة والمخطط لها أن تكون على ساحل البحر الأحمر.

ومن بين هؤلاء رائدة الأعمال السعودية هيا أخضر وزوجها الفرنسي أوغو بوديز اللذان أنشآ شركة استشارية متخصّصة في العلامات التجارية الفاخرة في دبي عام 2017.

وبالنسبة إلى الزوجين الشابين، فقد حان الوقت للتوجه نحو الرياض وفتح مكتب هناك، إنما من دون أن يتخلّيا عن مقر شركتهما في دبي.

وقال بوديز “لقد شاهدنا نمو السوق وتحول اهتمام العديد من العلامات التجارية إلى السعودية، وتحديدا الرياض”، مضيفا “نحتاج إلى أن نكون قريبين من زبائننا في كلا السوقين المهمتين”.

ويقول المسؤولون السعوديون إن المملكة تستضيف أقل من 5 في المئة من المقرات الرئيسية للشركات الكبرى في المنطقة رغم أنها تمثّل “حصة الأسد” من الأعمال والعقود إقليميا.

وبعدما وصلت رياح المنافسة للإمارات، استجابت الدولة النفطية بسرعة للتحدي الجديد.

فرفعت البلاد التي يسكنها مليون إماراتي وتسعة ملايين أجنبي الحظر المفروض على إقامة غير المتزوجين معا، وخففت القيود المفروضة على الكحول، وعرضت تأشيرات طويلة الأجل ومنح الجنسية لأفراد معينين، ووقّعت اتفاق تطبيع علاقات مع إسرائيل لتجتمع معا أكثر اقتصادات المنطقة تنوّعا.

قال الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة “ستراتفور” الاستشارية ريان بوهل إن على الإمارات أن “تسرّع بعض الإصلاحات التي لا تزال غير ممكنة في السعودية” حتى تظل قادرة على منافسة المملكة التي يسكنها 34 مليون شخص أكثر من نصفهم من الشباب.

ولا تزال المدن السعودية تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة في قطاعات رئيسية مثل النقل والبنوك، بينما تعاني بعض الوزارات من بيروقراطية متجذّرة.

وبحسب بوهل، فإنّ الرياض بعيدة جدا عن “دبي وحتى أبوظبي من حيث الليبرالية الاجتماعية والإسكان والتعليم وأماكن الترفيه”.

وتابع قائلا إن “الحقيقة الصعبة الأخرى هي أن في السعودية 19 مليون مواطن محافظ إلى حد كبير، سيكونون أقل قابلية للتفاعل مع العادات الاجتماعية الغربية لسنوات قادمة مقارنة بالإمارات”.

وهذه ليست التحديات الوحيدة. فبينما يُنظر إلى دبي على أنها واحدة من أكثر المدن أمانا في المنطقة، تواجه الرياض تهديدا من متمردي اليمن حيث تقود تحالفا عسكريا منذ 2015، والجماعات المتطرفة على حد سواء.

ومن المتوقع أن تتعرض جهودها لتحسين صورتها لضغوط من قبل الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة بعدما لوّح الرئيس جو بايدن بجعل المملكة “منبوذة” على خلفية جريمة مقتل خاشقجي وسجلّها الحقوقي وحرب اليمن.

وكتب أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبدالله عبدالخالق في تغريدة الأربعاء “الشركات والمصارف العابرة للقارات التي تتخذ دبي مقرا لها منذ 30 سنة. اختارت دبي دون غيرها بسبب نوعية الحياة والميزات التنافسية وبيئة تشريعية واجتماعية وبنية تحتية فريدة”. وأضاف “لن تتركها، رغم ذلك مليون أهلا بالمنافسة”.

كما يشكل نمط الحياة في الرياض عائقا آخر بفعل إغلاق المتاجر وأماكن الترفيه في أوقات الصلاة رغم أنه تم السماح للأجانب بالحصول على المشروبات الكحولية بجميع أنواعها والتي هي محظورة في السعودية.

ويخضع أولئك الذين ينتهكون القانون لعقوبة الجلد أو الترحيل أو غرامات مالية أو السجن. كما لا تتواجد في المملكة تجمعات سكنية للأجانب بأسعار عادلة نسبيا، حيث تتاح للمغتربين حمامات للسباحة ومنشآت رياضية.

10