"تحوّل".. شقيقان يحملان قسوة الماضي فيضحيان بالحاضر

فيلم "تحوّل" دراما سينمائية سوداوية ترتكز على شخصيات محدودة تدخل في سلسلة من التقاطعات المتشعبة والتي توغّل من خلالها المخرج ماثيو نينابر في البناء النفسي.
الاثنين 2020/08/10
امرأة أسيرة ماضيها

تختلط القدرة الخارقة للإنسان مع أزماته في بعض الأحيان، ولا تبقى تلك القوى الاستثنائية كافية لوحدها لمنح الشخصية مساحة للأمان والعيش بسلام. وفق هذه الثيمة يأتينا فيلم “تحوّل” للمخرج ماثيو نينابر في مزج بين الدراما النفسية والخيال العلمي.

القدرات الخارقة كانت ولا تزال إحدى الثيمات المفضلة في سينما الخيال العلمي لما تشكّله من عنصر جذب للجمهور، ولإمكانية تحميلها أفكارا ومعطيات بعيدة عن الواقع إلى أبعد ما يكون.

وفي فيلم “تحوّل” للمخرج ماثيو نينابر، نجد معالجة تتداخل فيها عناصر القوة المرتبطة بالشخصيات في مساحة عريضة من التداعيات النفسية.

الشخصيات في مجملها تلاحقها أعباؤها النفسية وخبراتها السابقة، فضلا عن خيالاتها وماضيها، وكلها تجد لها تأثيرا بشكل أو بآخر على مسار الأحداث.

من هنا يمكننا أن نبدأ مع الشخصيتين الرئيسيتين وهما الشقيقان جوش (الممثل جيرمي نينابر) وإيما (الممثلة ميليسا بورغر) وهما اللذان وجدا نفسيهما في متاهة عظيمة لا سبيل للخروج منها.

فيلم يمزج مزج بين الدراما النفسية والخيال العلمي
فيلم يمزج مزج بين الدراما النفسية والخيال العلمي

إنهما يعيشان ذكريات مشتركة وماضيا يجمعهما، لكن ما هو أبشع ممّا في ذلك الماضي يكمن في حادث سيارة مروّع يودي بحياة والدهما أمام أنظارهما، وفيما الأب يلفظ أنفاسه الأخيرة يوصي جوش أن يرعى أخته ويهتم بها، لكن الإشكالية التي تواجه جوش هو كون شقيقته ذات قدرة خارقة وأيضا ذات تأثيرات مؤذية لكل من يقترب منها.

وبسبب ذلك يقرّر جوش أن يهتم بشقيقته على طريقته، فيقرّر أن يخفيها تماما عن الأنظار ويستعين بصديق له يعمل طبيبا لكي يزوّدها بما يلزم من علاج، وكل ذلك سوف يتم في قبو بعيد عن الأنظار، ما يجعل إيما لا تحتاج إلى أي شيء عدا الحبر الأسود لكي تمارس هوايتها في الرسم.

هذه الدراما ما تلبث أن تدخل في سلسلة من التقاطعات ولن تسير بحسب ما خطّط له جوش، فهو ملاحق بسائق دراجة نارية في كل مكان وهو أيضا يواجه صراعات مع شخصيات أخرى، بالإضافة إلى الابتزاز الذي يتعرّض له لجهة دفع تكاليف علاج إيما.

وإذا مضينا بعيدا في هذه الدراما الفيلمية بخطوطها السردية التي ترتكز على شخصيات محدودة، فإن جوش هو الآخر لا يعدو أن يكون شخصية مأزومة وهو عاجز عن الانسجام مع الآخرين، بل تجده في الكثير من الأحيان يتصرّف بعدوانية وعصبية ويستخدم يده في إثبات نفسه.

ويبدو من خلال ذلك أن الفيلم أخذ مساحة واسعة من التداعيات النفسية، إيما هي الأكثر اضطرابا نفسيا بالطبع، لكن بالنسبة لجوش هو الآخر لن يكون بعيدا عن الأخيلة والهلوسات وتقاطعات الخبرات القاسية الماضية التي مرّت بها الشخصيتان.

وفي موازاة ذلك سوف تتحرّك هذه الدراما القاتمة أو السوداوية لكي تتكشّف الصورة كاملة، فجوش الذي يحب أخته ويحرص عليها ويريد إنقاذها هو في الواقع يمثل دور سجّان قد انتهك حق أخته وجعل منها كائنا محطّما عاجزا.

وفي الأثناء، تبرز تطورات درامية أخرى متشعبة بظهور شخصيتي الطبيب مالكوم (الممثل آرون توملن) والفتاة أماندا (الممثلة جيهان هاشم)، حيث يلعب الطبيب دورا مهما في قلب المسار الدرامي وتأسيس خط سردي مقابل.

فمن جهة يجد جوش نفسه في حالة صراع مع الطبيب حتى أنه حاول قتله أكثر من مرة، ليصفح عنه في كل مرة كي يتولى علاج إيما، لكنه يجعل منها إنسانا آخر من خلال تمرّدها على الواقع الذي تعيش فيه.

على أن الطبيب وهو يقترب من عالم إيما لم يكن يتوقّع أن يتزامن ذلك من التقارب بين أماندا وجوش، ثم تتبّعها له لتكتشف القبو الذي يخفي فيه شقيقته ولنتحول لاحقا إلى مواجهة درامية عنيفة تستدعي تدخل رجال الشرطة وإطلاق الرصاص وما إلى ذلك.

الفيلم يقدم معالجة درامية تتداخل فيها عناصر القوة المرتبطة بالشخصيات في مساحة عريضة من التداعيات النفسية

وخلال ذلك كله، نجد أن إيما ليست بالصورة الخرافية التي تم التمهيد لها، فهي في الكثير من الأحيان كائن متهالك وقع عليها ما لا تطيق وأن العبء كله يقع على جوش في إنجاز مهامه. وأما بالنسبة لأماندا فهي الشخصية المطلوبة في الزمن الحرج، فهي التي سوف تفتح نافذة مختلفة لجوش تخرجه من الدوامة التي هو فيها.

استخدم المخرج الكثير من عناصر اللغة الفيلمية وأدواتها الجمالية، وهو الذي كان في أمسّ الحاجة إلى تفكيك الكثير من الالتباس، لاسيما وأنه قد توغّل كثيرا في البناء النفسي والاضطرابات العقلية، وفي بعض الأحيان تجد أن طبيعة المشهد والحوار والشخصيات هي أقرب إلى الهلوسات والخيال المطلق، لكن في المقابل يتمّ التعبير عن كل ذلك بإيقاع متسارع مع استخدام مكثّف لعنصر الحركة والقطع المونتاجي السريع.

في المقابل نجد أن هذه الدراما الفيلمية تفتقد أيضا إلى مساحة التنوير التي تقرّب الشخصيات من الواقع، على الرغم من الطابع الخارقي أو الاستثنائي المرتبط بإيما تحديدا دون غيرها، فلماذا التعتيم على الآخرين؟

وفي واقع الأمر، فإن التحوّل الجذري يتحقّق من خلال شخصية الطبيب مالكوم الذي يؤدّي دورا ملفتا للنظر لا يخلو من الطرافة، وهو الذي يتمكّن بمساعدة أماندا من إخراج إيما من مأزقها ومن ثمة جوش من الدوامة التي يعيش فيها.

16