تحية تشكيلية لإبداع الشاعر راشد آل خليفة

"إلهام" معرض بحريني ثلاثي يحتفي بالشعر والأغاني الشعبية.
الجمعة 2020/03/27
كولاج ورسم يعكسان الحنين إلى الماضي (عمل فني للفنانة مياسة السويدي)

قبل رحيل الشاعر البحريني راشد آل خليفة بأيام قليلة جدا، انطلق معرض “إلهام” الذي افتتح في جمعية البحرين للفنون التشكيلية، مؤخرا، والذي عكس صورة عن الحالة الشعرية والغنائية ممزوجة بالفن الحديث، معتمدة على الحذف والإضافة في الطبقات اللونية، وإعادة رسم القصائد الشعرية ممزوجة بالضوء والتشكيل والمجسمات الفنية.

المنامة – بعد التجربة الأولى التي أطلقتها مجموعة “خارج الخط” البحرينية في مركز الفنون بالمنامة عام 2014، تأتي التجربة الثانية “معرض إلهام” التي انطلقت مؤخرا في جمعية البحرين للفنون التشكيلية، بثوب جديد ومختلف عن الأولى التي كانت ثمار ورشة فنية بين الفنانين البحرينيين مياسة السويدي وعمر الراشد ومروة آل خليفة.

وإذا كانت التجربة الأولى تمحورت في ورش فنية استمرت لأكثر من عامين، نتج عنها المعرض الأول في منتج فني مختلف ومغاير، حيث تم توظيف الخط الخاص بكل فنان بشكل تجريدي لتقديم رؤية مغايرة، وتكوين يعتمد على المساحات والخطوط، فإن المعرض الحالي “إلهام” استوحى الفنانون الثلاثة تجربتهم الجديدة فيه من أشعار الشاعر البحريني، الراحل حديثا، الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة (1 يناير 1938/ 12 مارس 2020) الذي قدّم عددا من القصائد الوطنية والرومانسية والغنائية ذات شعبية تجاوزت حدود البحرين لتسكن في وجدان شعوب الخليج، لما لها من علاقة قريبة من اللهجة والهوية الخليجيتين، حيث تدخل قصائده المستمع في مناخات “الحواري” والأزقة العتيقة، والحنين إلى الزمن القديم.

وتأكّدت هذه الشعبية حين التقط القصائد مغنو ومطربو الخليج، على رأسهم المغني البحريني أحمد الجميري، ليحوّلها إلى ذاكرة شعرية وغنائية مضاعفة، دخلت البيوت وتغنى بها الناس في المقاهي والشوارع.

وعن ذلك، يقول الفنانون الثلاثة “كانت جميع الأعمال تحمل إشارة الماضي وكلمات الشيخ عيسى بن راشد ومواقفه التي كنا نسمعها ونراها على مدى السنوات الماضية. تنوعنا في الخامات والتنفيذ حتى كان المزاج الفني مستوحى من نفس بيئة العمل، فقد كنا مستمتعين أثناء الرسم، لذا قمنا في مجموعة ‘خارج الخط’ بتسمية المعرض ‘إلهام’، وقام كل منّا – نحن الثلاثة – بتنفيذ فكرته بشكل خاص وبلمساته الفنية الخاصة”.

الكرة المربعة

Thumbnail

وسط حضور فني وثقافي نوعي أقيم المعرض في جمعية البحرين للفنون التشكيلية، وحرص الشاعر راشد آل خليفة، الرئيس الفخري للجمعية، على اقتناء عدد من الأعمال التي توثّق المحرق قديما. كما اختطفت “الكرة المربعة” للفنانة مياسة السويدي أنظار المتلقين، مستعيدين من خلالها ذاكرة حديث الشاعر آل خليفة حول فوز البحرين بكأس الخليج بعد مدة طويلة من الانتظار، حيث كان يقول آل خليفة لأكثر من مرة بأسلوب تهكمي ساخر “إن البحرين ستفوز ببطولة الخليج، إذا صارت الكرة مربعة”، إشارة إلى استحالة فوز المنتخب البحريني بكأس الخليج، غير أن الكأس صار من نصيبه، حيث اختطفت مملكة البحرين كأس الخليج لأول مرة عام 2019.

وعن المعرض تقول لـ“العرب” الفنانة مياسة السويدي “بدأنا بوضع الأفكار وعقد الاجتماعات بين المجموعة لإنجاز المعرض قبل مدة مع انشغالي بتقديم رسالة الدكتورة خلال الفترة الماضية. ورغم الشعور بالضغط في الدراسة، إلاّ أن الفن يعتبر منفذا للروح ومصدرا للراحة، عملت على بعض الأعمال قبل تقديم الرسالة وبعد الانتهاء من مناقشة الرسالة قمت بالتركيز على استخراج عدد من الأفكار لتقديمها في المعرض”.

أشعار الراحل عيسى بن راشد آل خليفة تغوص في مناخات "الحواري" والأزقة العتيقة، والحنين إلى الزمن القديم
أشعار الراحل عيسى بن راشد آل خليفة تغوص في مناخات "الحواري" والأزقة العتيقة، والحنين إلى الزمن القديم

وتضيف “قسمت مشاركتي في المعرض إلى عدد من الأفكار، ولم أتوقّف عند فكرة واحدة، لذا شاركت بعدد من المجسمات والأعمال المترابطة في فكرتها ووحدتها الفنية، منها الكولاج الذي تضمّن مشاهد عن المحرق ومبانيها القديمة التي تضمنّتها قصائد الشيخ، ومن أهمها: ولهان يالمحرق، واقف على بابكم، يالزينة ذكريني.

كما استخدمت خامة محلية تصنع بخيوط الفضة، تستخدمها نساء البحرين في الماضي، وهي ‘النقدة’، وهذه الخامة هي ملك لوالدتي واحتفظت بها منذ ثلاثين عاما، لذا أحببت أن تكون ضمن عملي الفني فقمت بتلبيس اللوحة بقماش النقدة المخيطة يدويا بخيوط الفضة الأصلية”.

كما شاركت السويدي في المعرض بكتابين فنيين استخدمت فيهما القماش القديم الذي كان يستخدم في الموسدة أو المفرش البحريني، وهو عمل لا يعتمد على الألوان فقط.

وترى السويدي أن أعمال الفنان يجب أن تُعبّر عن فكر خاص به، لهذا ركّزت في تجربتها على رسم المرأة برأس مثقل بالكثير من التساؤلات، إذ يجب على الفنان أن يعبّر عن نفسه بأفكار وبلمسات فنية تعكس روح الفنان.

وتقول “الأعمال التي قدّمتها خلال معرض إلهام حملت فكرا يعكس البحرين قديما، إذ أنها إلهام من شخصية الشيخ عيسى بن راشد وأحاديثه ووصفه للزمن القديم في بعض القصائد خصوصا عن المحرق.

لذا كانت لوحات الكولاج أشبه بالجدار الطيني القديم، وقد أدخلت نصوص القصائد التي قمت بكتابتها على اللوحة التي تتكوّن من عدد يقارب السبع طبقات من الورق اليدوي والورق الطبيعي والشفاف لتكوين هذا العمق في عمل الكولاج الذي أستمتع به، لأنه فن يشبه السهل الممتنع، فهو يبدو مباشرا. لكن تكوينه يحتاج إلى رؤية وصبر وإتقان. وقد اكتسبت تلك الخبرة من تجربتي السابقة مع الكولاج من خلال معرض الشاي حين كانت الخامة التي اعتمدت عليها أكياس الشاي في عام 2016”.

رؤية الشاعر

Thumbnail

من خلال معرفته الخاصة بتجربة “خارج الخط”، وكذلك من خلال متابعته القريبة للحركة التشكيلية في البحرين يرى الشاعر السعودي عبدالوهاب العريض أن معرض “إلهام” أكثر إتقانا من السابق، إذ أن معرض 2014، كان نتاج حوارات وورشة فنية بين المشاركين: عمر ومروة ومياسة.

ويقول العريض “في ما يخص التشكيلية مياسة السويدي قدّم معرض 2020 رؤية مختلفة وخطوطا واضحة المعالم عبر 19 لوحة ومجسمين فنيين وكتابين فنيين. 16 عملا فنيا اعتمدت على تجربة الكولاج التي أخذت طابعين مختلفين وقريبين من بعضهما في العمل الفني، إذ أن كلاهما كولاج، ولكن برؤية فنية حديثة اختلفت اللوحات السوداء المغلفة بقماش النقدة، عن اللوحات المسكونة بعبق الماضي، وقد أتقنت تصميم اللوحة وتنفيذها لتمنح المتلقي ‘إلهام’ الذاكرة القديمة المستوحاة من الشاعر الشيخ عيسى بن راشد”.

ويضيف “كما جاءت اللوحات الثلاث التي استخدمت فيها لون الأكليريك على الكانفس أيضا بطابع مختلف عن خطها الفني السابق، ودخلت بطرقة جديدة مختلفة أخرجت من خلالها المرأة التي اعتادت على رسمها سابقا، صاحبة الملامح المثقلة بالحياة تارة، والمنطلقة إلى عالم التجديد تارة أخرى، إلى المرأة البحرينية بلباسها التقليدي. المعرض حمل روح صاحب التحية الشيخ عيسى بن راشد، حيث كانت جميع الأعمال المُقدّمة في المعرض مسكونة بعبق التاريخ وروح البحرين التي تجسّدت في رؤية الشاعر”.

من جانبه كتب التشكيلي عبدالرحمن السلمان “يأتي المعرض في سياق فكرة جديدة اشتغل عليها الفنانون الثلاثة تعبيرا وتشكيلا لأشعار وأقوال الشيخ عيسى، وقد تنوّعت الأعمال في إطار التجربة الواحدة. كما تلاقت في بعض التوظيفات التي تساعد في التعبير عن الفكرة، بينها كتابات لأشعار الشيخ وربطها بأماكن ومواقع من المحيط الاجتماعي البحريني، كما في أقواله عندما قال عن إحراز البحرين لبطولة الخليج إنها ستحدث عندما تكون الكرة مربعة، وهو ما اشتغلته مياسة السويدي، وقد عُرف عن الشيخ دعاباته وروحه المرحة”.

وأضاف “لم تبتعد بعض الأعمال عمّا عرفناه لعمر الراشد، مثلا، وهو يوظّف الأقمشة ويضيف الكتابات بجانب تلويناته التي تشكّل موحيات بيئية من خلال الإحساس بالأقمشة النسائية، أو تشكيلات زخرفية مطبوعة يؤلّفها باحترافية وخبرة، وتوظف مياسة أكثر من خامة لتحقيق فكرتها”.

وواصل موضّحا “فالأوراق والأقمشة الملصقة والصور التي توثّق البيت والمعمار البحريني تشغل حيزا من لوحاتها بجانب أوراق ملصقة تنقل فيها أشعارا، أو أقوالا للشيخ، خلاف مجسّماتها التي تحاكي بعض أقواله، تضيف الفنانة ثلاثة أعمال تقابل أعمال الراشد التصويرية، مع الالتقاء في بعض اختيارات الراشد اللونية. وتتفرد الشيخة مروة بمسحة معاصرة من خلال زهدها اللوني وبساطات تشكيل بعض الأعمال، وهي تقتنص تفصيلا لإسقاط مكاني، في حين تبسط في اختياراتها اللونية مكتفية بلونين أو ثلاثة مع حرية في انزياحات بعض تلويناتها المائية”.

17