تحية خاصة

الإجلال لروح كل شهيد، والمجد لكل مقاتل شارك في الثأر الكبير، وتحية خاصة لـ”الأكتوبري” الكبير صاحب المقام الرفيع اللواء علاءالدين سويلم ورفاقه، الذين مازالوا يمنحوننا الوعي بالقيمة والتنوير.
السبت 2018/10/06
المجد لكل مقاتل

هذا اليوم 6 أكتوبر، يمثل لي مناسبتين بينهما 18 عاما بالتمام والكمال.. إحداهما تعني بالنصر الوحيد عربيا على إسرائيل في التاريخ المعاصر، والأخرى تشعرني بالفقد وإحساس اليُتم الذي لا يغادرني حتى اليوم بوفاة أبي دون وداع.. فتذكرت السؤال العميق: متى افتقدت الأمان؟ لتكون الإجابة: عندما اختفى حذاء أبي.. من أمام الباب!

دعونا من الذكريات المؤلمة والتي لا تهم أحدا، ودعونا من أحاديث النساء الساخرة، في هدنة مؤقتة مع “الحريم”، ولنبتسم بما يوازي شعور طفل صغير كان يرى الحزن الدفين مرسوما على وجوه الطيبين في قريته في أقصى شمال الدلتا، بعد فقد أحد أبنائهم في نكسة 67، لم تكن هناك مراسم عزاء، أو صراخ وعويل، بل كانت ملامح دهشة لنفس الطفل، وهو يرى خاله المجند وقتها، يهرع للبلدة بزيه العسكري وهو يقود عربة “الزيل” الروسية ويركنها بجوار الباب بعد أن نجح في الإفلات من حفلة الموت الجماعي خلال الانسحاب، مناديا على زوجته بما يشبه مقولة “يا صفية.. غطيني وصوَّتي”.

كان متسخ الثياب، طويل الذقن، وظل لسنوات موجوعا وهو يحكي بمرارة لمن قدموا يهنئونه بالنجاة من الحرب، عن مصير زملائه الذين طارت أرواحهم في القصف الإسرائيلي، أو أولئك الذين رآهم ينزفون حتى الموت دون أن يقدر على فعل شيء، فاكتفى بالبكاء غير مصدق أنه قد عاد.. وفيما يستمع ببلاهة، كان نفس الطفل يستدعي صور القرويين البسطاء، وهم يهرعون بعصيهم أو “نبابيتهم” كما يطلقون عليها، فيما القرويات يحملن أغطية الأواني المعدنية، مستعدين لمواجهة أي عدوان غاشم.

بعد ظهر 6 أكتوبر، وبينما أنا جالس في دكانة أبي، أطل عم مسعد، بعمامته الكثيفة، وصرخ: أين أبوك؟ وقبل أن أجيب صاح: اذهب وأيقظه ـ فقد كان في قيلولة والنهار رمضان ـ أخبره أن “البتاعة” قامت، ودون أن أفهم عدوت نحو أبي الذي هرول نحوه: خيرا يا مسعد؟ فأكمل بلهجته القروية “البتاعة” قامت يا عبده.. “البتوع” بتوعنا.. عدُّوا “البتاعة”، و”نازلين بتاع في البتوع الإسرائيليين”!

لفظ “البتاع” ومشتقاته كان حكرا على عم مسعد، وعلى المستمع أن يفهم ما يريد، قبل أن يجعل منه عمنا الراحل أحمد فؤاد نجم قصيدة خاصة، وقبل أن أفهم أنا أو أبي أن الحرب قد استعرت، وقد عبرنا القناة.

الإجلال لروح كل شهيد، والمجد لكل مقاتل شارك في الثأر الكبير، وتحية خاصة لـ”الأكتوبري” الكبير صاحب المقام الرفيع اللواء علاءالدين سويلم ورفاقه، الذين مازالوا يمنحوننا الوعي بالقيمة والتنوير.

24