تحييد المهمشين في الحرب على داعش

السبت 2014/12/27

تراجعت مشاركة الفئات الوسطى في الثورة السورية تدريجيا بالتوازي مع إطلاق النظام العنان لكل أنواع العنف والتنكيل ضد المحتجين السوريين بعد أشهر محدودة على اندلاعها. ومقابل انحسار مشاركتهم، اندفعت الفئات الشعبية المفقرة، وخصوصا الفئات الريفية، لتتقدم واجهة الصراع مع النظام. هكذا، دفعت ضريبة باهظة جدا، ولا تزال تتكبد أفدح الخسائر اليوم، إذ تشكل أحد أهم مصادر تغذية التنظيمات الجهادية المتطرفة في سوريا، وبالتالي مادة الحرب الدولية التي تشن ضد تلك الجماعات.

لكن معاناة تلك الفئات تعود أساسا إلى ما قبل اندلاع الثورة السورية، حيث كانت تعيش تحت حد الكفاف الاقتصادي وتعاني من الفقر والحرمان وسوء الخدمات على جميع المستويات. فخلال عقد من الزمن في سوريا (2000 – 2010) تصاعدت وتيرة السياسات الاقتصادية الليبرالية تحت ستار ما دعي “بالإصلاح الاقتصادي”، وحقيقة الأمر أنه كان خرابا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا معمما طالت آثاره الأغلبية الساحقة من السوريين.

ويشير تقرير حكومي صادر قبل اندلاع الثورة السورية، إلى أن نحو 40 في المئة من الفقراء السوريين عملوا في قطاع الزراعة الذي شهد تدهورا كبيرا في السنوات الأخيرة خصوصا بعد رفع الدعم الحكومي عن المحروقات، فيما يشير تقرير آخر إلى أن الفقر في سوريا لا يزال ظاهرة ريفية إلى حد كبير، وهكذا فقد شهدت مدن المنطقة الجنوبية (حيث اندلعت الثورة) أكبر زيادة في معدلات الفقر منذ عام 2004، حيث أصبحت نسبة الفقر في عام 2007 ضعف نسبة الفقر في عام 2004 تقريبا، وبالتالي فإن هذه المنطقة التي كانت لديها أدنى مستويات الفقر في عام 2004، غدت ثاني أفقر منطقة في عام 2007.

هكذا كان صدام تلك الفئات مع أجهزة النظام عنيفا جدا، مما جعلها تتكبد خسائر فادحة، لكنه أدى، في ظل التفوق الساحق لجيش النظام وطول أمد الصراع أيضا، إلى زيادة التطرف الديني في صفوفها.

بعد تهتك حركات المعارضة السورية، وضعف إمكانيات المعارضة المسلحة وفقدان الثقة في أي قوة خارجية يمكن أن توقف المذبحة السورية، شكلت الفئات الريفية المهمشة عاملا هاما في نمو الحركات الجهادية المتطرفة، ومنها تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم جبهة النصرة.

تتوسع تلك التنظيمات بصورة سريعة اليوم تحت ضغط الحرب واليأس الذي يحيط بالسوريين، وتعمل على تجنيد أعداد كبيرة يوميا. يقول الصحفي الألماني يورغن هورفر الذي سمح له بالدخول إلى معاقل تنظيم داعش إن التنظيم المتطرف يجند نحو 50 مقاتلا يوميا، جل هؤلاء هم من السوريين والعراقيين الفقراء الذين قاتلوا طلية الأعوام الماضية ضد النظامين السوري والعراقي في مجموعات متفرقة تفتقد إلى الإمكانيات وإلى التنظيم المطلوب.

وفي حين يكثف التحالف الدولي حربه ضد الدولة الإسلامية في سوريا والعراق بكل الوسائل التدميرية الممكنة، فإن ذلك سيكون بمثابة مذبحة مفتوحة وعلنية في حال لم تترافق مع جهود كبيرة من أجل تحييد هؤلاء الشباب المفقرين عن تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة.

لقد عملت سياسات دول المنطقة ودول العالم، فضلا عن سياسات النظام السوري وحلفائه، على دفع السوريين إلى مزيد من التطرف. وقد ساهمت بذلك، وبقسط وافر، في نشوء حركات جهادية في سوريا، فيما تركت السوريين فريسة سهلة لتلك الحركات، بحيث باتت تمتص بتطرفها وجنونها اليأس الكبير والظلم الفادح الواقع على هؤلاء المفقرين.

وبعد أن بلغت تلك الجماعات المتطرفة ذروة قوتها التجنيدية للفقراء السوريين والعراقيين، باشر المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة حربه عليها. وهو وإن حاول في العراق اتخاذ بعض السياسات التي تهدف إلى تحييد المجتمعات السنية عن داعش، بل وحشد الدعم المطلوب منها لقتال تنظيم داعش، لم يعمل في سوريا على أي مقاربة سياسية، كان له مقاربة حربية فقط هي القتل العام لجميع المقاتلين في صفوف داعش والنصرة باعتبارهم إرهابيين.

هكذا بينما فتك النظام السوري بالحاضنات الشعبية للثورة على مدار أربعة أعوام ما دفع تلك الحاضنات إلى التطرف وإلى الانضمام إلى داعش والنصرة، جاء التحالف الدولي ليكمل الحرب على تلك الفئات التي تبدو كضحية على امتداد فترات الصراع. إنها ضحية سياسات النظام السوري قبل اندلاع الثورة، حيث زادت تلك السياسات من فقرها وتهميشها. وهي ضحية صدقها في مواجهة النظام حيث تقدمت الصفوف ودفعت أفدح الأثمان، كما أنها اليوم ضحية الحركات الجهادية المتطرفة التي وجدت الفرصة سانحة من أجل تجنيدها وتقديمها كقربان في المواجهة العنيفة مع التحالف الدولي.

إن إصرار التحالف الدولي على القضاء على تنظيمي الدولة الإسلامية وجبهة النصرة دون أي مقاربة سياسية عاجلة للصراع السوري إنما هو إمعان في قتل السوريين، وخصوصا الأكثر فقرا وتهميشا بينهم.


كاتب فلسطيني سوري

8