تخاذل واشنطن في العراق أطلق العنان لطائفية المالكي ولإرهاب داعش

تلخيص الدور الأميركي في ما آلت إليه أوضاع العراق اليوم من فوضى عارمة ومن استشراء للطائفية والإرهاب في مجرّد أخطاء بسياسة واشنطن تجاه البلد في فترة ما بعد الانسحاب العسكري منه، اجتزاء كبير للوقائع وقفز على حقيقة أنّ مسارا طويلا من السياسات الأميركية الممنهجة، هو ما أفضى بالعراق إلى ما هو فيه اليوم.
الأربعاء 2016/08/17
من وضعت الطعم.. ومن ابتلعه

بغداد – سلّط تقرير أميركي الضوء مجدّدا على دور إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في دفع العراق إلى حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي يعيشها حاليا، والتي تعتبر نتيجة مباشرة لاستشراء الطائفية التي بلغت ذروتها في فترة حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حيث استدعى التطرفُ الشيعي معادلَه السنّي في أقصى حالاته متجسّدا على وجه الخصوص في تنظيم داعش الذي تمكّن صيف 2014 من احتلال أجزاء من العراق وألحقها بما يسمّيه “خلافته الإسلامية”.

وجاء التقرير الذي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” متضمنا نتائج تحقيق أجرته الصحيفة ذاتها بالتعاون مع مؤسسة بروبابليكا للصحافة الاستقصائية، امتدادا للجدل الذي أثاره المرشح الجمهوري للانتخابات الأميركية دونالد ترامب باتهامه منافسته الديمقراطية وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون والرئيس الحالي باراك أوباما بإنشاء تنظيم داعش.

وتحدّث التقرير عن تخلي الإدارة الأميركية عن خطط كانت أقرّتها لدعم استقرار العراق ما بعد الانسحاب الكامل في ديسمبر 2011، وتراجعها عن تخصيص ميزانية لذلك، الأمر الذي أطلق العنان لسياسات طائفية نفّذها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، مكرّسا تهميش أبناء الطائفة السنية، وموسّعا الشرخ داخل المجتمع العراقي، ومعبّدا الطريق لتنامي التنظيمات المتشددة وعلى رأسها تنظيم داعش.

وقال موّظف في الخارجية الأميركية تمّ تضمين شهادته في التقرير المذكور إنّ إدارة أوباما أحدثت فراغا استراتيجيا بعدم انتقالها السريع من المهمّة العسكرية في العراق إلى المهمّة المدنية.

وورد أيضا بالتقرير الذي اعتمد على وثائق وحوارات مع مسؤولين سابقين في الخارجية الأميركية خلال فترة تولي هيلاري كلينتون منصب وزيرة الخارجية، أن إدارة الرئيس باراك أوباما تجاهلت إنفاق ما يقرب من 1,6 مليار دولار كانت مخصصة لدعم برامج مدنية لمحاربة التطرف والطائفية، وتدعيم منظومة الحكم المحلي في عدة محافظات عراقية.

كما أشار التحقيق إلى أن الخارجية الأميركية أوقفت هذا التمويل، ووجهته إلى دعم التحرك الأميركي في نزاعات أخرى كالنزاع الليبي وغيره من العمليات الدبلوماسية والعسكرية.

إدارة أوباما تجاهلت إنفاق ميزانية بـ1,6 مليار دولار كانت مخصصة لدعم برامج مدنية لمحاربة التطرف والطائفية

وقال المسؤولون السابقون في الخارجية الأميركية إن وقف هذه البرامج، التي كان أهمها برنامج مكافحة التطرف وبرنامج المصالحة وتسوية النزاعات الذي حقق نجاحات في فض عدة نزاعات عرقية وطائفية، كان بمثابة قطع لليدين في مواجهة المخاطر المحدقة التي كانت الإدارة الأميركية تدرك أنها تتصاعد على مرأى ومسمع من حكومة المالكي. وعلى الرغم مما تضمّنه التقرير من حقائق تبدو مطابقة للواقع القائم في العراق حاليا، فإن به مطاعن كثيرة ليس من العسير كشفها.

ورأى مراقبون انتقدوا التقرير أنّ أوّل تلك المطاعن سقوطه في السطحية والاجتزاء حين عزا الوضع الكارثي الذي آل إليه العراق راهنا إلى فترة ما بعد الانسحاب العسكري الأميركي من البلد، بينما تبيّن الوقائع أن ذلك الوضع وليد مسار كامل أطلق من قبل الولايات المتحدة ذاتها وبوعي تام من إدارتها التي أصرّت على غزو البلد وإسقاط نظامه وحلّ جيشه بناء على “معلومات” بشأن امتلاكه أسلحة دمار شامل كانت إدارة الرئيس جورش بوش الإبن تدرك قبل غيرها أنها معلومات ملفّقة.

واعتبر محلّل سياسي عراقي أن تقرير الـ”واشنطن بوست” لا يخالف الواقع حين يشير إلى دور رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في تكريس الطائفية وإذكاء جذوة التطرّف في العراق، مستدركا بالقول إنه مع ذلك “يقفز على حقيقة أنّ المالكي ذاته هو جزء من منظومة سياسية حرصت الولايات المتحدة على إرسائها حين تواطأت مع إيران على تسليم زمام السلطة في العراق إلى أحزاب دينية طائفية عديمة الخبرة بشؤون الحكم”.

ويدفع تقرير الـ”واشنطن بوست” بشكل خفي باتجاه اعتبار ما آلت إليه أوضاع العراق اليوم وليد “مجرّد أخطاء” في السياسة الخارجية لإدارة أوباما، بينما تسلسل الأحداث من سنة 2003 وحتى ما قبلها وصولا إلى سنة 2014 تاريخ احتلال داعش لما يفوق ثلث مساحة البلد يبيّن وجود سياسة أميركية ممنهجة لإخراج العراق من المعادلة الإقليمية، و”إعادته إلى العصر ما قبل الصناعي”.

والطائفية التي يتحدّث عنها التقرير–بحسب المحلّل ذاته- موجودة في صميم العملية السياسية التي أشرفت الولايات المتحدة على إطلاقها بالعراق، وفي قلب الدستور الذي ساهمت واشنطن في وضعه وإن بأياد عراقية. كما أن الإرهاب كامن في عدد من القرارات القاسية التي اتخذتها سلطات الاحتلال وعلى رأسها حلّ الجيش العراقي في مثل تلك الظروف الأمنية والسياسية المعقّدة.

ومن هذا المنظور فإن مبلغ 1,6 مليار دولار الذي ورد ذكره في التقرير، حتى لو كان قد صرف للغاية التي رصد لها لن ينتشل العراق من وهدة الطائفية والإرهاب التي تردّى فيها.

وقال مراقب سياسي عراقي، إنّه على افتراض وجود مسؤولية مباشرة لهيلاري كلينتون عمّا آلت إليه أوضاع العراق، فإنّها بالمنطق الأميركي تستحق الثناء لا اللوم، مشيرا إلى أنّ الولايات المتحدة تستفيد بشكل مباشر من حالة الضعف العسكري والسياسي القائمة بالبلد في إعادة تركيز وجودها فيه من خلال تزعّم الحرب على تنظيم داعش والتحكّم في مسارها.

3