تخبط أوروبي في وضع برامج فعالة لدمج اللاجئين

لم تنجح الدول الأوروبية إلى حد الآن في وضع برامج فعالة لدمج اللاجئين والنأي بهم عن الارتماء في أحضان الجريمة والمخدرات والإرهاب، تفاديا لسيناريوهات سوء التعامل مع أزمة المهاجرين على غرار ما وقع إبان موجات سابقة للهجرة.
الاثنين 2016/01/18
مصيرهم رهين سياسات الدول المستضيفة

برلين – يحتدم النقاش في ألمانيا ودول أوروبية أخرى بشأن دمج مئات الآلاف من اللاجئين في المجتمعات الأوروبية، منذ الاعتداءات الجماعية على نساء في مدينة كولونيا ليلة رأس العام الجديد.

وتتزايد مخاوف الأوروبيين من فشل سياسات دولهم في دمج المهاجرين بصفة كلية، وبحسب استطلاع للرأي نشر مؤخرا بألمانيا، فإن 57 بالمئة من الأشخاص الذين استطلعت آراؤهم أصبحوا يخشون ارتفاع معدل الجريمة نتيجة لتدفق المهاجرين.

ويرى خبراء الاندماج والهجرة أن على ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول إنجاز الكثير لتفادي تهميش المهاجرين وانتقالهم إلى النشاطات الإجرامية.

ويقول خبراء إنه على ألمانيا أن تأخذ دروسا وعبرا من موجة الهجرة الأولى التي حدثت في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أن عددا من المهاجرين بقي على هامش المجتمع لأن الدولة كانت تنظر إليهم على أنهم “عمال زائرون” يفترض أن يعودوا إلى بلدانهم عند انتهاء فترة عقودهم.

وبعد الحرب استقدمت ألمانيا أتراكا وعمالا من دول أخرى لتحريك العجلة الاقتصادية التي أفضت إلى المعجزة الألمانية. وحين توقفت برامج التوظيف في 1979، أبدى الكثير من العمال الذين قدموا بمفردهم رغبة في البقاء واستقدام عائلاتهم بدلا من العودة إلى البلاد.

ولا يزال العديد من كبار السن من مهاجري تلك المرحلة لا يجيدون اللغة الألمانية، وهو ما يمثل مشكلة لهم وللمجتمع الذي يعيشون فيه.

ولفترة طويلة لم تنظم السلطات الألمانية دورات لتعليم اللغة الألمانية، ولم تمنح حقوق الإقامة الدائمة أو غير ذلك من المساعدات لهذه المجموعة من الناس، التي توقعت السلطات أنهم سيغادرون البلاد بعد فترة قصيرة من مجيئهم إليها.

برامج ناجعة لدمج المهاجرين تريح العواصم الأوروبية من سيناريوهات خطيرة قد تزعزع الأمن العام

وأقرت مفوّضة الحكومة الألمانية للهجرة وشؤون الاندماج، أيدان أوزوجوز، في وقت سابق بأن حكومة بلادها ارتكبت خطأ في ما يتعلّق بدمج المهاجرين الأوائل أو العمالة الوافدة، مشيرة إلى أنه “أحد أوجه القصور لفترة ما بعد الحرب، لأننا لم نعتمد حينها على دورات تعلّم اللغة أو تقديم مشورات للمهاجرين أو على سياسة دمج واعية”.

ويقول خبراء إنه يجب التعامل مع الجيل الجديد من المهاجرين بطريقة مختلفة تماما عبر عدم المراهنة على بقائهم المؤقت.

ويضيف هؤلاء أن برلين والعواصم الغربية التي شهدت موجة هجرة كبيرة في السنوات الأخيرة لن تحقق نجاحا إذا بقي مقر إقامة المهاجرين الملاعب الرياضية والملاجئ وإذا لم يجدوا عملا ولم يجيدوا اللغة أو أمنوا مستقبلهم في البلاد.

ويؤكد مراقبون على ضرورة الإسراع ببعث برامج لإدماج المهاجرين ضمن المجتمعات المضيفة حتى لا يتحولوا إلى قنبلة موقوتة بيد مافيات المخدرات وعصابات الجريمة والتنظيمات الإرهابية.

ويعتقد محللون أن هناك ارتباطا عميقا بين انحراف جزء من المهاجرين نحو الجريمة أو الإرهاب والمخدرات وبين تقصير الدول المضيفة في إسداء خدمات مقبولة إليهم وبالتالي استثناءهم من برامج التعليم والسكن والتوظيف وغيرها.

ونشرت صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية تقريرا حول دورة تثقيفية تقام في مخيم ضخم للاجئين في ضواحي مدينة ميونيخ بهدف توعيتهم بقيم وتقاليد المجتمع الألماني.

وأوضح التقرير أن القائم على هذه الدورة مصري يُدعى مجدي الجوهري سافر إلى ألمانيا قبل نحو نصف قرن من الزمان.

ويقول الجوهري إن الكثير ممن يحضرون ندواته هربوا من بلادهم إلى ألمانيا بحثا عن الأمن، ولم يفكروا فيما ينتظرهم، بحسب الصحيفة.

وأضاف “نتحدث عن المثلية الجنسية التي يراها الكثير من المشاركين في الدورة جرما، وأشرح لهم أن الألمان لا ينظرون إلى الأمر بهذه الطريقة، وأن عليهم قبول ذلك إن أرادوا العيش هنا”.

هناك ارتباط عميق بين انحراف جزء من المهاجرين نحو الجريمة أو الإرهاب والمخدرات وبين تقصير الدول المضيفة في إسداء خدمات مقبولة إليهم

ويقول الجوهري “غالبا ما يشعر العرب بالصدمة هنا عندما يرون البافاريين يمارسون السباحة عراة في نهر إيسار. لكن أقول لهم إن كانوا يريدون من الألمان أن يقبلوا غطاء الرأس الذي ترتديه المرأة العربية، فإن عليهم قبول أن يمارس الألمان السباحة عراة في المنتزهات العامة والأنهار”.

ولا تعد الصعوبات التي تواجهها برلين استثناء في محيطها الأوروبي، حيث لم تتوصل غالبية العواصم الغربية إلى وضع سياسات دمج ناجعة للوافدين عليها عبر موجات الهجرة وخاصة منها الأخيرة.

وكشف تقرير فرنسي أعده معهد الإحصاء الوطني ومركز أبحاث السكان الفرنسيين، أن المهاجرين في فرنسا يتعرضون للتمييز بشكل خطير في مسألة الاندماج. وأكد التقرير أن هناك ارتفاعا في نسبة تعرض المهاجرين للإقصاء بسبب مظهرهم الخارجي، حيث أن 30 بالمئة من المهاجرين أو الفرنسيين المنحدرين من أصول مغربية، يرون أنهم تعرضوا للتمييز، مقابل 32 بالمئة من الجزائريين و47 بالمئة من الأشخاص المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

كما أكدت الدراسة أن حالات التمييز شهدت ارتفاعا ضد المهاجرين، وأن أبناء المهاجرين لا يتلقون تعليما جيدا، إذ تقول الأرقام إن 32 بالمئة من أطفال المهاجرين في فرنسا المنحدرين من شمال أفريقيا، لم يتمكنوا من الحصول على شهادة المرحلة المتوسطة في دراستهم، وإن نسبة الخريجين من المرحلة المتوسطة لأطفال المهاجرين من أصول أفريقيا جنوب الصحراء متدنية جدا.

وذكر تقرير معهد الإحصاء الوطني ومركز أبحاث السكان الفرنسيين، الذي حمل عنوان “الجذور والمدارات”، وأجري مع أكثر من 22 ألف شخص، وساهم فيه أكثر من 20 باحثا، أن 55 بالمئة من المهاجرين من أصول أفريقيا جنوب الصحراء، وشمال أفريقيا، اشتكوا من أنهم أصبحوا هدفا للممارسات العنصرية طوال حياتهم، ولم يروا أنفسهم كمواطنين فرنسيين رغم حصولهم على الجنسية الفرنسية.

وقالت الدراسة، إن ثلث المواطنين الفرنسيين اليوم هم من المهاجرين الذين استجابوا لشروط الحصول على المواطنة في فرنسا وهم في الأصل قادمون من دول أخرى، بوبها البحث في سبع موجات كبرى للهجرة، وهي المغرب والجزائر وتونس ككتلة واحدة، وآسيا، وأفريقيا الوسطى، ودول أوروبية، وأفريقيا الساحلية (السنغال وساحل العاج)، وتركيا، وأسبانيا وإيطاليا مع بعضها.

5