تخبط قرارات الحكومة المصرية يمهد لبروز معارضة مجتمعية

الحكومة تتجه إلى إصدار قرار خلال أيام بتأجيل تطبيق النظام التراكمي في الثانوية العامة للمرة الثانية.
الأربعاء 2019/09/04
الفئة الشعبية غاضبة من التخبط الحاصل في القرارات

القاهرة - يبدو أن تآكل المعارضة السياسية في مصر، لن يحول دون ظهور معارضة مجتمعية، احتجاجا على عدم اكتمال بعض المشروعات أو تلك التي لم تحقق أغراضها الخدمية، ما يتسق مع غالبية التحركات الجماهيرية التي يأتي أغلبها من رحم إخفاقات اقتصادية.

وتتخوف دوائر رسمية من أن يلتقي الغضب الاجتماعي المتدرّج مع آخر سياسي في مصر، بما يؤثر على التطورات التي تحققت في مجالات الأمن والإصلاحات الاقتصادية.

وعلمت “العرب” أن الحكومة المصرية تتجه إلى إصدار قرار خلال أيام بتأجيل تطبيق النظام التراكمي في الثانوية العامة (البكالوريا) للمرة الثانية، وهي المرة الرابعة التي تتراجع فيها عن قرارات ترتبط بمنظومة تطوير التعليم الجديدة، رغم التعهدات الكثيرة بأنه لا نية للعودة خطوة واحدة إلى الوراء.

ومهّد وزير التعليم طارق شوقي، السبت، الطريق أمام صدور قرار التأجيل عندما أعلن أنه يصعب تطبيق نظام البكالوريا الجديد في ظل إجازة مجلس النواب، وبالتالي عدم تعديل القانون الخاص بالتحويل من الثانوية العامة العادية إلى التراكمية.

وفهم من مبررات شوقي، أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي غير مطمئن للخطوات التي قطعتها الحكومة في مسار تطوير التعليم، فلو كان مقتنعا وواثقا لتدخّل بإصدار قرار جمهوري لتعديل قانون البكالوريا، كحق كفله الدستور وقت الإجازة البرلمانية.

ويشير عدم التدخل لإنقاذ الحكومة إلى أن السيسي غاضب من كثرة الأزمات التي يتعرض لها ملف تطوير التعليم، ما تسبب في توجيه اللوم الجماهيري له شخصيا، لأنه المسؤول عن إطلاق مشروع النهضة التعليمية ووضعه على قائمة أولويات فترة رئاسته الثانية.

واصطدمت رغبة السيسي في أن يدخل ملف تطوير التعليم ضمن قائمة المشروعات التي كسّرت بها الحكومة حاجز الأرقام القياسية عربيا وإقليميا، بتحديات داخلية عصيّة على الحل.

ويعوّل الرئيس المصري على تطوير التعليم في تخريج جيل معاصر من الشباب، بالتزامن مع استراتيجية التنمية المستدامة 2030.

ويتعمّد وزير التعليم وضع كل مشكلة تثير استياء المواطنين في معية الرئيس، ولا تخلو مناسبة إلا ويعلن شوقي أن “السيسي على دراية بكل خطوة تقوم بها الحكومة في ملف التعليم”.

وقالت نيفين حسين، وهي أمّ ومؤسسة ائتلاف نسائي على مواقع التواصل ضد تطوير البكالوريا، “الأهالي يشعرون بأن الحكومة غير جادة في تحسين منظومة التعليم، وتكتفي فقط باستخدام اسم الرئيس كنوع من الدعاية للمشروع وتحفيز الناس على دعمه.. أنا أؤيد السيسي لكن لن أدعمه على حساب أبنائي، ويجب أن يفهم المسؤولون ذلك، وسوف أعارض كل قرار يجعل أولادي فئران تجارب”.

وأضافت لـ”العرب”، أن تحريك دعوى قضائية ضد مشروع قومي يحمل اسم رئيس الجمهورية هو تحوّل لافت في علاقة الناس بالسلطة، لأنها المرة الأولى التي يصل فيها الغضب الشعبي ضد مشروع إلى ساحات القضاء، ويجب أن تفهم الحكومة أن الإصرار على ما تعتبره إصلاحا وسط رفض واسع من الأهالي، سوف تكون له عواقب وخيمة.

ويؤكد ذلك أن الفئة الشعبية الغاضبة من التخبط الحاصل في القرارات ثم التراجع عنها، تجاوزت مرحلة الصمت أو الخوف، وقد تتحول إلى معارضة علنية.

وانتهجت الحكومة منذ إطلاق مشروع تطوير التعليم سياسة الزجّ باسم الرئيس في كل خطوة، لدفع الناس إلى التفكير قبل المعارضة، كما أن هذه السياسة كانت موجّهة إلى وسائل الإعلام، لغض الطرف عن السلبيات ودعم المشروع.

وتمادت الحكومة في الاعتماد على اسم الرئيس، على اعتبار أن وجود السيسي في المشهد يعني الانضباط، في حين تجاهلت الاعتماد على استراتيجية واضحة وجدول زمني لإنهاء كل خطوة، ما جعلها تدخل في مواجهة مع أولياء الأمور والطلاب والمعلّمين.

ويرى متابعون، أن الخطأ الذي ارتكبته الحكومة يكمن في تعاملها مع تطوير التعليم على أنه مشروع تنموي، مثل المزارع السمكية والطرق والجسور والأنفاق، يجب الانتهاء منه سريعا لتحقيق إضافة سياسية لقائمة الإنجازات، وتحركت دون أن تدرك أنه ملف يرتبط بحياة ومصائر الناس ويحتاج إلى حشد مجتمعي كبير.

ويقول هؤلاء، إن ارتباك مؤسسات حكومية وعدم قدرتها على إقناع الناس بأهمية التطوير أوجدا نوعا جديدا من المعارضين، لا هم أحزاب سياسية ولا نواب في البرلمان ولا حتى من نشطاء الشباب، وهي معارضة أسرية – مجتمعية تتألف من الأب والأم والطالب والمعلم والموظفين، وهم من الفئات التي عول عليها الرئيس المصري كعنصر حيوي لدعم شعبيته.

ويعتقد مراقبون أن أزمة الحكومة في التعامل مع هذه النوعية من المعارضة، أنها بلا قائد أو عقل مفكّر يمكن التفاوض والتفاهم معه لإقناع باقي الأطراف، وتصعب السيطرة عليها.