تخبّط فرنسي في التعامل مع الوضع الجديد في سوريا

باريس تبدي قلقا حقيقيا من احتمالات انهيار السجون التي تأوي الآلاف من مقاتلي داعش في منطقة العمليات العسكرية التركية شمال سوريا.
الثلاثاء 2019/10/15
قوات النظام السوري تربك الحسابات التركية

ورّط الانسحاب الأميركي من شمال شرق سوريا حلفاء واشنطن الأوروبيين وعرّض مصالحهم الاستراتيجية في المنطقة للخطر، بينما تسعى باريس لإيجاد نقطة توازن في مواقفها حيال المستجدات التي طرأت على الوضع الميداني بعد فرار مسلحي داعش من مراكز الاحتجاز والحديث عن تحالف القوات الكردية مع قوات النظام السوري لمواجهة الجيش التركي. ولا تبدو مساعي فرنسا الديبلوماسية لإيقاف الهجوم التركي ذات معنى في ظل ضوء أخضر أميركي-روسي لأنقرة وضع فرنسا على الهامش.

باريس - تقود باريس موقفا أوروبيا معاديا للحملة التركية العسكرية في تلك المنطقة، لكنها في الوقت عينه حريصة على سلامة جنودها في سوريا، وعلى الاحتفاظ بسياسة فرنسية في الشأن السوري منفصلة ومستقلة عن السياسة الأميركية في هذا الملف، خصوصا وأن تقلبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقلق الحلفاء المنخرطين عسكريا وأمنيا داخل سوريا.

ورصد المراقبون تصعيدا من قبل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، حين دعا الاثنين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إلى إدانة الهجوم التركي ضد الأكراد في شمال سوريا وإلى فرض حظر على صادرات الأسلحة لأنقرة، معتبرا أن هذا الهجوم سيتسبب في مأساة إنسانية خطيرة.

وكانت باريس قد أعلنت أنها ستتخذ إجراءات لضمان سلامة الأفراد العسكريين والمدنيين الفرنسيين الموجودين في شمال شرق سوريا.

ولم تشر البيانات والمواقف الفرنسية إلى أي خطط لسحب القوات الفرنسية من سوريا، بعد قرار ترامب إعادة تموضع القوات الأميركية وسحبها من المناطق المحاذية من الحدود السورية التركية باتجاه مواقع جنوب شرق سوريا.

جان إيف لودريان: الهجوم التركي على سوريا سيتسبب في مأساة إنسانية خطيرة
جان إيف لودريان: الهجوم التركي على سوريا سيتسبب في مأساة إنسانية خطيرة

وقالت معلومات إن الجهات العسكرية الفرنسية في باريس أبدت امتعاضا من السلوك الذي ينتهجه الأميركيون بعدم استشارة الحلفاء في القرارات التي تؤثر على سلامة قواتهم في سوريا.

وقد فوجئت فرنسا بإعلان الولايات المتحدة سحب 1000 جندي إضافي لها من شمال شرق سوريا، على نحو يعرض القوات الفرنسية للانكشاف، ويفرض على الإليزيه في باريس اتخاذ قرارات سياسية عسكرية لوجيستية عاجلة لمعالجة هذا الخلل الجيو استراتجي الخطير.

وتعمل فرنسا في سوريا من ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب وتنظيم داعش. وتنشر باريس المئات من أفراد القوات الخاصة الفرنسية في المنطقة بالتعاون الوثيق مع القوات الكردية.

وقال مسؤولون فرنسيون إن انسحاب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا سيجبر القوات الفرنسية على مغادرة المنطقة أيضا ، نظرا إلى أهمية الدعم اللوجستي الأميركي. وقال مصدر دبلوماسي إن فرنسا تستعد لسحب قواتها الخاصة، وربما مغادرة ميدان العمليات العسكرية في سوريا نهائيا.

ويدور جدل في الكواليس الأوروبية حول نجاعة الحضور العسكري الأوروبي من عدمه داخل سوريا. وفيما ترى مصادر أوروبية أن حلّ مسألة اللاجئين السوريين، التي تهدد دول الاتحاد ويستخدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أداة ابتزاز للأوروبيين، يتطلب دينامية أوروبية تشارك في إرساء تسوية للأزمة في سوريا، تدعو مصادر أخرى إلى مغادرة الميدان العسكري السوري نهائيا، طالما أن الولايات المتحدة تسلم لروسيا من خلال انسحابها من هذه المناطق على الأقل بقيادة روسيا للعمليات العسكرية والسياسية في هذا البلد.

ورغم أن باريس لم تقرر بعد كيفية مقاربة مسألة حضور فرنسا العسكري في سوريا ولم تكشف عن التدابير الجديدة التي قالت إنها ستتخذها لحماية جنودها هناك، إلا أن تيارا داخل وزارة الخارجية والإليزيه يطالب بتمسك باريس بخيارات مستقلة عن واشنطن تضمن لفرنسا نفوذا وحضورا يحسب لها داخل أي تسوية مقبلة تنهي الحرب في سوريا. وتلفت مصادر فرنسية مطلعة إلى أن باريس تبدي قلقا حقيقيا من احتمالات انهيار السجون التي تأوي الآلاف من مقاتلي داعش في منطقة العمليات العسكرية.

وتقول المصادر إن خطر داعش على أوروبا وفرنسا، وبحكم الجغرافيا والتجارب القاسية التي شهدتها مدن الاتحاد الأوروبي، هو خطر مباشر لا يقارن بما يمكن أن يتعرض له أمن الولايات المتحدة. وتدعو هذه المصادر أوروبا إلى التعاطي مع الأمر بصفته مسّا بالأمن الجماعي الأوروبي، ما يتطلب تحركا جماعيا أوروبيا قد تكون الأدوات العسكرية من ضمنه.

وترجح أوساط فرنسية مطلعة قيام باريس بالتنسيق مع موسكو لبلورة رؤية مشتركة يصاغ وفقها تقرير مصير الوجود العسكري الفرنسي في سوريا.

وتعتقد بعض التقارير المتعلقة بمستقبل التسوية السورية أن بوتين سيحتاح إلى رعاية الأوروبيين للعملية السياسية التي تشرف عليها موسكو لإيجاد تسوية للأزمة السورية، وأن الرئيس الروسي يحتاج إلى اعتراف دولي بالمآلات التي ستنتهي إليها مخارج الحرب في سوريا وفق خارطة الطريق الروسية، بغية إقناع المانحين الغربيين بضخ الأموال في مشاريع إعادة الإعمار في هذا البلد.

5