تخت شرقي

الاثنين 2016/08/01

أين اختفى الموسيقيون الذين رسمهم الفنان العراقي جواد سليم في خمسينات القرن الماضي؟ كانت الموسيقى يومها تجوب الشوارع لتملأ الهواء زقزقات ملونة.

لا يحتاج الموسيقي إلى أن يُرى لكي يكون موجودا. تشف الموسيقى عن عالم تسكنه كائنات غير مرئية، غير أنها أيضا تجعل العالم الذي تروده شفافا بما ييسّر لها اختراقه وصولا إلى جوهر العاطفة. تتسلق حجرا لتترك عليه أثرا من وقع خطواتها السائلة. وبين حين وآخر ينبعث دخانها مخلفا بضع جمرات، هن أشجارها اللواتي تندلع الخضرة بين أغصانها.

هل رأى أولئك الموسيقيون وفيقة واقفة وراء شباك غرفتها التي تطل على الساحة؟ الصبية الفاتنة التي قيل إنها ماتت غراما قبل أن يكتب السياب قصيدته عن شباكها. لم يكن جواد سليم في حاجة إلى أن يُرينا ما الذي كان يقع فيما كان موسيقيوه يجوبون أزقة بغداد الضيقة. يتبعهم الأطفال المرحون وتسبقهم الجنيات الطيبات فيما الترف يمشي بأقدامهم ليزيدهم خفة. كم كان العالم يومها جميلا. كم كان الزمن يمشي باسترخاء. وقت العصر يستيقظ الحالمون على إيقاع الموسيقى ليباشروا أحلامهم المسبوكة من لمعان ذهب نظراتهم المحبة. بمئات الأمتار من العاطفة التي يمشيها الموسيقيون كان البغداديون يزخرفون كلامهم الذي يذكّر بسجع الرهبان. يومها كان الشعر يغلف حناجرهم بعسله.

فشعب يستيقظ عصرا على الموسيقى لا يستقبل ليله إلا بهذيانات العشاق، سليلي أبي نؤاس، حامل الهوى التعب الذي يستخفه الطرب. ما أبهاهم أولئك العباسيون وقد أضاء زئبق شغفهم بالموسيقى مرايا الصبايا النضرات. في كل مرآة هناك تخت شرقي ترافق تأوهاوته خطوات البنت التي تغادر بيت عائلتها لتضع على سياج الجيران وردة تذكر بمرورها.

كان الموسيقيون في الشارع يدوزنون آلاتهم فيما الفتيات الجميلات يمشطن وراء الشناشيل شعورهن على وقع أغنية من يوسف عمر. حين رسم سليم موسيقييه لم يكن ينوي أن يخلدهم بقدر ما سعى إلى أن يتعلم شيئا ينفعه في تقنية الرسم من الهواء الذي يحف بخطواتهم.

كاتب من العراق

16