تخصصات جامعية

العثور على التخصص المطلوب أشبه بمحاولة تسجيل هدف في ملعبنا ذي الأهداف المتحركة. ربما بدخول العالم العصر الصناعي الجديد القائم على الذكاء الاصطناعي ستختفي مناطق التهديف ويبقى اللاعبون يدورون في الملعب فقط.
الأربعاء 2019/12/18
عصر الذكاء الاصطناعي يقلب الموازين

تخيل ملعبا لكرة القدم بخاصية فريدة من نوعها: منطقة الهدف تتحرك دائما. مرة يمينا ويسارا، ومرة أقرب إلى الوسط، ومرة إلى الجوانب. سيجد اللاعبون صعوبة كبيرة في تسجيل الأهداف.

هذا حال التعليم الآن. أين الهدف؟ التعليم اليوم مشكلة حقيقية. ليست مشكلة فقط على الطلاب الذين يبحثون عن التخصص المناسب، بل على المؤسسات التعليمية التي تحاول ابتكار مناهج متجددة تتلاءم مع رغبة المتقدمين للدراسة من جهة وسوق العمل من جهة ثانية.

أجد نفسي متابعا للمسألة منذ الثمانينات. دخلنا الجامعات ونحن نعرف بالضبط ما تعنيه دراسة الهندسة أو الطب أو الحقوق أو المحاسبة. عندما تدرس علوم البرمجة، فإنك تذهب إلى مبنى منفصل يحتوي على كمبيوتر مركزي للجميع. المبنى أشبه بمحراب. وأنت تدخل، عليك الالتزام بإتكيت خاص لكي يتم السماح لك باستخدام ثوانٍ من وقت الكمبيوتر الثمين. كأنهم يقولون لك أن لا يمسسه إلا المطهرون.

فجأة ينهار المحراب بدخول الكمبيوتر الشخصي. أتخيل الدموع التي ذرفت يوم تفكيك كمبيوتر “آي بي أم” الكبير في مبناه في كلية الهندسة في جامعة بغداد. لكنّ عصرا جديدا قد بدأ. ليس عصر الكمبيوتر الشخصي وحسب، بل عصر التغيير في المناهج والتعليم.

أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات كانت المعلوماتية مثلا هي الشيء الجذاب. أيّ شخص تقابله يقول لك أدرس معلوماتية. ثم جاء عصر الاتصالات والإنترنت. تشبّع السوق بالاختصاصيين. هرول الجيل التالي إلى المحاسبة والبيزنس. كان يعتقد أنها مهن لن تبور. ثم تشبّع السوق وقلّ الطلب وتطورت التطبيقات التي تقوم بالمهام. عاد الناس إلى التدريب المهني وخف الطلب على أصحاب الشهادات العليا. لكن المصانع بدأت بالانتقال إلى الشرق البعيد، وصار المهنيون لا يعرفون ما ينتظرهم من مستقبل. الجامعات تضخ خريجين بدورها من تخصصات كلاسيكية موروثة لأن القائمين على التعليم يتحرجون من إغلاق الأقسام أو تقليص عدد الطلبة المنتسبين إليها. خريجو فقه وتاريخ وجغرافيا وميديا يتكدسون في سوق العمل. أيّ جغرافيا في عصر خرائط غوغل؟ أيّ صحافة والناس كلها تصور وتوزع على أنستغرام وتكتب وتنشر على فيسبوك؟ حتى الطب صار مهنة تعاني من تضخم عدد الأطباء وقلة المرضى. نحن أصحّ اليوم بحكم الوعي والنظافة والرياضة. أنت زبون للطبيب ولست مريضا.

في كل مرة، كان على الأقسام التدريسية في الجامعات أن تتأقلم. وفي كل مرة كانت تخفق أو تصيب إلى حين. مخرجات التعليم في وادٍ ومدخلات سوق العمل في وادٍ آخر. الناس يتذمرون خصوصا في عالمنا العربي، ولكنها مشكلة عالمية حتى لدى الدول المتقدمة.

ثم حلّ عصر الذكاء الاصطناعي. نقف، وتقف الجامعات، أمامه بحيرة ما بعدها حيرة. يتدرب برنامج الذكاء الاصطناعي على الرد على الأسئلة فينهي مثلا مهنة الاستفسارات عبر الهاتف عن الخدمات. يتعلم قراءة صورة الأشعة السينية، ويعرف أن هذا كسر وذاك التهاب. ما هو مستقبل طبيب الأشعة؟ يقرأ الوثائق باللغة الكورية ويرد على استفسارات المحكمة الأميركية في قضية الاحتكار لشركة سامسونغ باللغة الإنجليزية.

العثور على التخصص المطلوب أشبه بمحاولة تسجيل هدف في ملعبنا ذي الأهداف المتحركة. ربما بدخول العالم العصر الصناعي الجديد القائم على الذكاء الاصطناعي ستختفي مناطق التهديف ويبقى اللاعبون يدورون في الملعب فقط.

24