تخطي الأدوار والرعاية المفرطة يفسدان علاقة الأم بابنتها

مشاركة الأم المستمرة في أدق تفاصيل حياة ابنتها تؤدي إلى نتائج سلبية.
الأربعاء 2019/05/22
علاقة الأم بابنتها ليست بالسهولة التي نعتقد

في الوقت الذي تفخر فيه بعض الأمهات بمتانة الرابطة التي تجمعهن ببناتهن الصغيرات أو المراهقات، وهو بالتأكيد مسعى وأمل مشروعان، هناك حاجة متجددة إلى احترام الحدود في هذه العلاقة؛ الحدود الطبيعية التي تضمن السلامة النفسية لكلا الطرفين.

يؤدي الإفراط في العناية والمشاركة المستمرة في أدق تفاصيل الحياة اليومية بين الأم وابنتها إلى نتائج سلبية. يمكن أن تكون الصعوبة في الإندماج مع المجتمع أحد تداعياته؛ إذ أن الأبناء عموما الذين يتلقون في حياتهم اليومية عناية ورعاية ومتابعة مبالغا فيها، قد يجدون صعوبة بالغة في الاعتماد على أنفسهم والثقة فيها وفي عيش حياة مستقلة أو تكوين علاقات سوية مع الآخرين، تتجاوز الدائرة الضيقة التي أحاطتهم في منزل الطفولة.

وتؤكد رئيسة قسم الاستشارات، تعليم الكبار والتعليم العالي في جامعة إلينوي الأميركية، سوزان ديجز؛ أن هناك بعض الحقائق عن إشكالية هذه العلاقة بين الأم وابنتها لتظهر داخل إطار طبيعي لا يعرقل بناء الشخصية المستقبلية للابنة.

لعل أهم هذه الحقائق يتعلق باحترام الذات التي تستشعرها الابنة من خلال إيمانها بأن الأم تصدقها وتقدرها، ويظهر هذا التقدير جليا عند احترام الأم لخياراتها حتى تلك التي لا تتفق مع رغباتها. وفي الوقت ذاته، يمكن للأم أن تمرر رغباتها الشخصية في تشجيع الابنة على الخوض في مسارات أخرى لتأكيد مدى قدرتها على تحقيقها من باب التجريب في الأقل.

هذا الأسلوب ينجح إلى حد ما في تصحيح المسارات التي قد لا نراها تصب في مصلحة الأبناء عموما، من دون إظهار رغبتنا الحقيقية وبعيدا أيضا عن فرض الأوامر وأساليب الضغط النفسي. كما يجب أن تظهر الأم مقدار ثقتها في قرارات ابنتها وتحملها مسؤولية قراراتها، خاصة إذا لم تجد فيها ما يتسبب في ضرر أو يرجح احتمالات فشل كبير.

وهناك أيضا أسلوب “العطاء والأخذ”، وهو جزء مهم في أي علاقة، فعندما تبلغ الابنة سن الرشد ينبغي ألا تتوقع ردود أفعال سريعة ومباشرة من والدتها عند مواجهتها لأي تجربة حياتية مزعجة، مع ذلك، فإن الأم هي الشخص الوحيد الذي بإمكانه أن يقدم الدعم والحماية والنصيحة في الوقت المناسب، وربما حتى بعد فوات الأوان، حيث تكون الأم على استعداد نفسي كامل لتحمل مسؤولية إعادة تأهيل ومؤازرة وتقديم دعم معنوي قد تحتاجه الابنة فور خروجها من تجربة فاشلة أو إذا لم تحقق أهدافها المرجوة.

وتعد إعادة البناء الانفعالي والعاطفي، كما يسميه متخصصون، أمرا غاية في الأهمية في مثل هذه الظروف. ومن جانب آخر، فإن الأمومة لا تعني التحكم في مسار وخيارات الأبناء البالغين، فإن الخصوصية والخيارات الشخصية عنصران مهمان لبناء شخصية مستقلة معتدة بذاتها.

المختصون لا ينصحون باندفاع الأمهات نحو تكوين صداقة مع بناتهن في سن الطفولة أو المراهقة، بل يتطور هذا النوع من العلاقة تدريجيا مع بلوغ الابنة سن الرشد أو أقل

أما الأكثر أهمية من وجهة نظر سوزان ديجز، فهو ألا تقطع خطوط الاتصال بين الطرفين حتى في حالة نشوب خلاف حين يتسبب غضب الأم أحيانا في إفساد علاقتها بابنتها. لهذا ينصح بالمحافظة على علاقة التواصل في حدود معقولة؛ فالقطيعة النهائية أو طويلة الأمد من شأنها أن تفاقم المشكلة وتقطع الأمل في إعادة التفاهم والتوصل إلى حلول وسط، وكلما طالت مدة القطيعة كلما تمكنت من الطرفين مشاعر الغضب والاستياء والإحباط فيصبح التخلي عنها غير ممكن.. وربما يلجأ أحدهما إلى إيذاء مشاعر الآخر، في حين تبقى مسؤولية الأم الأخلاقية فوق أي خلاف ويتوجب عليها ألا تتخذ موقفا حازما مهما كانت الظروف.

ولا ينصح بعض المختصين باندفاع الأمهات نحو تكوين صداقة مع بناتهن في سن الطفولة أو المراهقة، إذ أن هذا الأمر من شأنه أن يقلل من قيمة دورهن كأم. عدا ذلك، تستطيع الأم أن تطوّر هذا النوع من العلاقة تدريجيا مع بلوغ الابنة سن الرشد أو أقل قليلا، وتتطور بعض هذه الصداقات كلما كان كل طرف على استعداد لإظهار تقديره للطرف الآخر وهذا لا يعني أن الصداقة يمكنها أن تعفي الأم من واجباتها أو الابنة من طاعتها. وفي الغالب، لا تنجح علاقة الصداقة بين الأم وابنتها لأسباب عدة منها العوائق الاجتماعية مثلا، ولا بأس في هذا طالما أن الاحترام والرعاية والحب متوافرة.

وتقدم سوزان ديجز بعض النصائح لتقويم أسس هذه العلاقة المعقدة، فتشير على الأم بوجوب احترام خيارات ابنتها في تحقيق أحلامها الشخصية وليس أحلام الأم التي لم تستطع تحقيقها، إذ عليها أن تدرك بأن الابنة شخص آخر مستقل وليست ظلا تابعا لها وما يناسبها قد لا يناسب ابنتها، فالفتاة الشابة تجد صعوبة في التعامل مع أسلوب السخرية الذي تستخدمه صديقاتها لانتقاد طبيعة علاقتها بوالدتها التي تصر على أن تطلع على تفاصيل يومياتها وتلاحقها في كل لحظة، فهي لا تحب أن ينادونها “ابنة أمها” أمام الغرباء.

كما يفضل أن تقدم الأم النصيحة متى ما طُلب منها ذلك أو متى ما شعرت بأنها مضطرة للتدخل في بعض المواقف الطارئة، عدا ذلك، فإن النصائح التي تتخذ شكل التأنيب أحيانا قد تزيد من ضغط اللحظات العصيبة التي تواجهها الابنة عند وقوعها في مشكلة ما.

وفي المقابل، تتوقع الابنة أن تحصل على أم تتوافر فيها كل الصفات المثالية التي تتناسب مع مفاهيمها، لكن هذا الأمر غير واقعي، ومتى ما كانت الابنة قادرة على تقبل عيوب الأم فإنها ستراها بمنظار جديد بعيد عن الأنانية. الأم في النهاية تفعل ما في وسعها لتحقيق الأفضل لأبنائها حتى إذا كان هذا على حساب نفسها، وليس أسوء من نكران هذه التضحية

21