تخطي النهج الديمقراطي في الحرب على الإرهاب يهدد حقوق الإنسان

استوجب الإرهاب المتفشي في العالم بالضرورة التركيز على الجهود الأمنية لقمع دعاة التطرف وأجنداتهم التخريبية القائمة على بث الفوضى وتوظيف التناقضات لإضعاف الدولة ككيان حاضن للشعب والإقليم والسلطة السياسية، وهو ما استدعى في الكثير من الأحيان مواجهة صارمة في أنظمة ديمقراطية طرحت مفارقة بين الضرورات الأمنية من جهة وشروط الحفاظ على الديمقراطية من جهة أخرى، لتبدو بذلك الموزانة بين المفهومين في واقع أنهكه التواجد الإرهابي معادلة صعبة.
الثلاثاء 2017/01/17
السلاح الذي يوجه ضد التطرف قد يوجه ضد الحريات

توصلت الجلسة الختامية لمؤتمر “الأمن الديمقراطي في زمن التطرف والعنف” الذي نظمته مكتبة الإسكندرية مؤخرا إلى مجموعة من التوصيات تعنى بالإشكاليات المطروحة ولتكون بذلك خطوة إيجابية تحفز الحلول التنفيذية.

وخلص المؤتمر إلى جملة من الحلول لمعالجة معضلة الإرهاب بالدعوة إلى تمكين الشباب من دور فعلي في مجتمعاتهم، حيث أدت الأزمات الاقتصادية الخانقة لشعوبهم ومشاركتهم بنسب ضئيلة في الحياة السياسية إلى استدراجهم واستقطابهم في البؤرالإرهابية، وفق ما أفاد به إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية.

ونبه سراج الدين في معرض توصياته إلى أهمية دور الشباب باعتباره “التحدي الرئيسي لمواجهة هذه المعضلة وذلك بالمراهنة على توعيته من خلال التعليم كسلاح نافذ، فضلا عن دور العدالة الاجتماعية ورفض التهميش، والتقليص من الفجوات الاجتماعية”.

ودعا سراج الدين إلى ضرورة الاستفادة من القدرات والمهارات الشبابية، وباعتبار أن الحرب على الإرهاب مسؤولية الدول المتحضرة بأكملها، فعلى مواطنيها الدفاع عن مكاسبهم وخلق مبادرات أمنية واجتماعية وفكرية ثقافية لمواجهة التطرف للحد من صراع الحضارات المنحى الذي يستغله المتشددون لتحقيق أجنداتهم وشن الفوضى والكراهية بتوظيف المتناقضات والاختلافات الفكرية والدينية لبث الفوضى في العالم.

وكانت الجلسة الثانية للمؤتمر الذي تعقده مكتبة الإسكندرية على مدار ثلاثة أيام ناقشت إشكالية “الإرهاب والدساتير خارطة الطريق وأطر التنفيذ” بإدارة عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية.

وٍرأت الجلسة أن دساتير كافة الدول المتحضرة تكفل حقوق الإنسان الأساسية لمواطنيها مثل حرية التعبير، وحرية الاجتماع، والحق في التنظيم، والحق في التظاهر، والحق في الخصوصية، باعتبارها حقوقا أساسية ينبغي أن تكون مكفولة للمواطنين في كل الأحوال بما في ذلك الفترات التي تشهد “الحرب على الإرهاب”.

ولكن في الوقت نفسه تستدعي المجابهة وضع قوانين خاصة تمنح سلطات صلاحيات أوسع لأجهزة الأمن في تتبع، وملاحقة العناصر الإرهابية، وسرعة التحرك لإجهاض العمليات الإرهابية قبل حدوثها، مما يُخشى أن يؤدي ذلك إلى تقليص الحقوق المدنية المكفولة للمواطن العادي.

مقتضيات الأمن والديمقراطية

لفت عمرو موسى إلى أن وسائل نشر المعرفة أصبحت كثيرة ومتنوعة، من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من الأمور التي يوظفها المتطرفون لنشر أفكارهم السوداء، وهي ذات الوسائل التي يجب استخدامها في المرحلة الحالية والقادمة لنشر الرؤى الصحيحة للدين والتفسيرات السليمة. كما أن التصدي للإرهاب ليس بالرصاصة ضد رصاصة فقط وإنما بمواجهة الفكر بالفكر ومخاطبة العقل ونشر المعرفة والتعليم، سواء على المدى المتوسط أو البعيد.

عبدالعزيز بن عثمان التويجري: تخطي النهج الديمقراطي خلال مكافحة التطرف والعنف ستكون له عواقب وخيمة

ورأت القاضية تهاني الجبالي، نائبة رئيس المحكمة الدستورية المصرية السابق، أن النخب الثقافية والفكرية مطالبة برد الاعتبار لمفهوم الديمقراطية.

وطالبت الجبالي بأن يكون حكم القانون الدولي عادلا بين جميع الدول والشعوب، وقالت “إن ما يبعث على الألم تحول الصراعات القائمة في المنطقة العربية إلى حروب أهلية بروح طائفية تخدم مصالح دول إقليمية ودولية على حساب موت المئات من الأبرياء وتهجير وتشريد الملايين كما هو الحال في سوريا والعراق واليمن، أو بروح مناطقية وقبلية كما هو الحال في ليبيا والصومال، حيث أن تدمير الدولة الوطنية وتفكيك الأواصر بين مكونات المجتمع، لن يعيدا الأمن والسلام والديمقراطية إلى هذه البلاد إلا باحترام إرادة شعوبها، وعدم التدخل في شؤونها أو فرض أنظمة قمعية تسلطية عليها وإخضاعها لفئة طائفية أو عرقية من سكانها على بقية الفئات”.

وشددت على أن “شروط نجاح الديمقراطية احترام القانون والعمل بمقتضيات الدستور مهما كانت الأحوال وفي جميع الظروف”.

وأكد أمين الجميل، رئيس لبنان السابق، أن مفهوم الإرهاب اليوم له منظور خاص اختلف عن منتصف القرن التاسع عشر، حيث أصبح يعتمد علي الاحترافية والتقنية.

كما أوضح أيفو جوزيبوفيتش؛ رئيس كرواتيا السابق، أن الإرهاب بوضعه الحالي أصبح احترافيا، واستطاع خلق تغير ملحوظ في العالم أجمع حتى أن المجتمعات المتقدمة بدأت في ترتيب آليات لمواجهته بشكل جديد يعتمد على التقنيات الحديثة، ومع أن الدول المتقدمة أصبحت أكثر ردعا في مواجهة الحملات الإرهابية إلا أنها لا تزال تحافظ على حقها في العيش ضمن القيم الديمقراطية، لذلك استوجبت مواجهة الإرهاب التوفيق بين الضرورات الأمنية والحفاظ على الحقوق الإنسانية.

واعتبر أن التحديات التي تواجهها الديمقراطية تتمثل في قوانين مواجهة الإرهاب دون المساس بقيمها، قائلا “علينا أن نحافظ على هذه القيم حتى لا نسير في مسار العنف بدعوى حماية الدول من الإرهاب”.

دعا الرئيس بيتار ستويانوف، رئيس بلغاريا السابق، إلى ضرورة الموازنة بين الحريات والأمن الوطني في ظل السعي لمواجهة الإرهاب، وهو أمر يتطلب جهدا كبيرا لأنه يتطلب الالتزام بمعايير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأكد عبدالعزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة –إيسيسكو، أن “إعمال القانون في مواجهة التطرف والعنف المفضيين إلى الإرهاب يقطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها، فسلطة القانون أقوى من سلطة الإرهاب، وأن الغلبة تكون للقانون في جميع الظروف حتى لو طال زمن الصراع بين الحق والباطل”.

ورأى أن تخطي النهج الديمقراطي خلال مكافحة التطرف والعنف ستكون له عواقب وخيمة من شأنها أن تفقد الدستور والقانون هيبتهما ومصداقيتهما، حيث يسمح لمن رغب في التسلط تجاوز الخطوط وتوضع الديمقراطية خارج إطارها ويدفع المجتمع؛ أي مجتمع، إلى الدخول في دوامة “العنف والعنف المضاد”، لذلك فالموازنة بين متطلبات الديمقراطية والضرورات الأمنية معادلة صعبة.

جهود دولية

وعلى غرار مؤتمر الاسكندرية انعقد في القاهرة المنتدى العالمي لمكافحة الارهاب حيث قالت مصادر دبلوماسية لـ”العرب”، إن اجتماعات المنتدى المغلقة ركزت أيضا على مسألة تمويل التنظيمات الإرهابية من قبل بعض البلدان، وضرورة إصدار عقوبات دولية صارمة عليها في حال ثبوت تمويلها، كما ناقشت وضع آليات للحد من استخدام الإنترنت من جانب التنظيمات الإرهابية.

لكن فؤاد علام، خبير مكافحة الإرهاب، شكك في إمكانية صدور قرارات من شأنها مواجهة الإرهاب بشكل جاد.

وقال في تصريحات لـ”العرب”، إن التعاون القضائي بين الدول يسهم في تضييق الخناق على الإرهابيين، لكن الأهم يكمن في العمل الاستخباراتي والعسكري والذي تستطيع من خلاله مصر والعديد من الدول العربية لعب أدوار أكبر بحسب خبراتها السابقة في التعامل مع الإرهاب، إلا أن ذلك يسلتزم وجود إرادة دولية لمكافحة الإرهاب بشكل عملي.

وأكد السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية سابقا، لـ”العرب”، أن مصر تعد حليفا أساسيا لجميع التحالفات الأمنية لمكافحة الإرهاب بالمنطقة، وبالتالي فهي تحاول لعب أدوار تنسيقية أكبر مع الأطراف الدولية الفاعلة في مكافحة الإرهاب، وهو الدور الذي لا ينفصل عن منصبها كأحد الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن خلال الفترة الحالية.

وأضاف أن انفتاح السياسة الخارجية المصرية على العديد من بلدان العالم تتيح لها القيام بدور أكبر في مكافحة الإرهاب، من خلال الدعم الاستخباراتي للعديد من دول العالم، على أن ينصب الجهد العسكري لمواجهة الإرهاب داخليا.

كاتب مصري

6