تخلف الشعوب أم تخلف المثقف

الخميس 2014/05/22

نسمع الكثير من الكلام الذي يعبر عن تذمّر "المثقف" من الواقع الاجتماعي والثقافي، حيث يردّ كل مساوئ هذا الواقع إلى "الشعب" و"المجتمع". فنسمع في الجلسات، ونقرأ في صفحات التواصل عبارات تنتشر بكثرة مثل: "شعب متخلف"، و"مجتمع جاهل"، و"مجتمع طائفي…". هذه التعابير والأقوال تسهم في تضييع المسؤولية الحقيقية عن، والإرادة الفعلية في، وجود وإعادة إنتاج هذا “الجهل” وهذا “التخلف” وهذه “الطائفية”، عن قصد أو عن غير قصد.

فالشعب يهمه أن يعيش قبل أي شيء آخر. تهمه حاجاته الأساسية في الأمن ولقمة العيش قبل أن يفكر في أية مواجهة ثقافية أو سياسية أو طائفية أو مذهبية. وليس أدل على مقاربتنا لحقيقة هموم الناس ومطالبها الأساسية من الشعارات والهتافات الأولى في الانتفاضات الشبابية والشعبية العربية التي ابتدأت في كل مرة بعبارة “عيش” أو خبز: عيش، حرية، كرامة إنسانية..

وحين ترى الطبقات المسيطرة أن سيطرتها أصبحت على المحك، نتيجة لسلوكها الاستغلالي ولفسادها المستشري، وحين تجد أن ما تبقيه للطبقات الشعبية والكادحة من إمكانيات العيش ومقومات الكرامة الإنسانية بات تحت الحد الأدنى، فإنها تبادر إلى استخدام ما تمكنت منه من قدرات من أجل إعادة إنتاج التخلف المجتمعي بأي شكل من الأشكال كي تعيد إنتاج نظام سيطرتها. وهذا الأمر أصبح قضية حيوية بالنسبة إلى الطبقات المسيطرة ليس محليا فحسب، بل عالميا أيضا.

بعد تلاشي المباغتة التي فجرتها الانتفاضتان التونسية والمصرية، عمدت القوى المسيطرة محليا وإقليميا ودوليا، كل من موقعه وبطريقته، إلى تطويق الانتفاضات الشعبية ومحاصرتها وتفخيخها من الداخل بقوى شديدة الرجعية: طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو إقليمية أو شوفينية… كانت مهمتها الأولى التعمية على الأسباب المادية للثورات وحرفها عن أهدافها الحقيقية باتجاهات عدمية وتدميرية في محاولة منها لتلقين الشعوب دروسا في الطاعة والخضوع.

كل ذلك في غياب قوى جذرية منظمة ذات مشروع تغيير ثوري قادرة على صياغة البرامج الملائمة لتلك الانتفاضات وحمايتها وتجذيرها. ولو أن الأمر اقتصر على غياب “اليسار” نهائيا لكان أيسر وأسهل، ولكن “اليسار” كان موجودا، ويكيل الاتهامات للشعوب “الخاضعة” والجاهلة والتي لا تثور! وعندما ثارت انحاز ضد ثورتها متهما إياها بالتآمر لصالح الامبريالية والرجعيات، دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتبصر في الأسباب المادية لثورتها ولا في الطبيعة الطبقية لمن بادروا إلى الثورة.

ودون أن يكلف نفسه عناء الانخراط في تلك الثورة والعمل على ترشيدها وتجذيرها، بل انحاز بشكل فاقع إلى الاستبداد ودافع عن مقولاته وروج لادعاءاته، ما أساء إلى فكرة واسم اليسار في ذهن الشعوب الثائرة، فأخذت مسارات تجريبية عالية التكلفة وشديدة الخطورة، حيث تُرِكت الساحة للقوى الظلامية والليبرالية المرتبطة بالنظامين الإقليمي والدولي والتي توظف في خدمة مصالحهما التي هي في أساس الأسباب المادية لتلك الثورات.

من هنا نلحظ أنه حيث ينكفئ المثقف وتتخلف القوى السياسية عن ممارسة دورها، نتيجة تبعيتها للنظام المسيطر أو نتيجة لسياسة كم الأفواه والحجر على العقول قمعا واعتقالا وقتلا ونفيا، ينصب اهتمام الناس على كيفية البقاء على قيد الحياة وتحصيل لقمة العيش، بالطرق المتاحة، وتكون الثقافة المسيطرة ثقافة الطبقة المسيطرة.

وهذه الطبقة تمارس كل ما تستطيع، لأنها تستحوذ على مقدرات المجتمع، لضمان سيطرتها وتأبيدها من خلال إجهاض أي بارقة يمكن لها أن تقدم أي فعل تنويري ثقافي يمكن أن يهدد مستقبل هذه السيطرة. فالاغتيالات والاعتقالات وتشويه السمعة تبقى من الوسائل التي اعتادت هذه الطبقة ممارستها بحق المفكرين والناشطين. وهذه الطبقة وقواها السياسية وأدواتها الثقافية تستمر في ضخ الوعي الزائف، وكل ما من شأنه إعادة إنتاج شروط سيطرتها. ومنها الطائفية والمذهبية والمناطقية والإثنية… وذلك عبر أخطبوطها الإعلامي والثقافي والتربوي الذي تحتكر السيطرة عليه.

من هنا فإن على الناشطين والمثقفين الذين يدعون الحرص على النهوض والتقدم، أن يكفوا عن استخدام “البروباغاندا” التي لا تخدم إلا التغطية على أسباب التخلف والجهل والانقسام وتردها إلى الشعب والمجتمع، وأن يشيروا بوضوح إلى أعداء التقدم الذين يقفون وراء هذه الأمراض.

ثم إن إشاعة التعابير المنوه بها أعلاه، تتضمن انفصالا عن الشعب وعن المجتمع وتعاليا عليه. وهذا ليس من صفات الثوريين حملة راية التغيير والتقدم. فمن أراد لشعبه ولمجتمعه أن يتحلى بالثقافة والعلم، عليه أن يتفاعل مع هذا المجتمع وأن يمارس دوره في تلمس واقع المجتمع وحاجاته وما يكتنزه من إمكانيات.


كاتب لبناني

9