تخلي الأم عن إرضاع مولودها يفقده طوق النجاة من المتاعب النفسية

حملة جديدة تدفع الأمهات لاختيار الرضاعة الطبيعية، والرضاعة الصناعية تسبب الانحرافات السلوكية عند الكبر.
الخميس 2019/03/28
تقارب صناعي لا حميمية فيه

تحوّل إقبال الأمهات على الرضاعة الصناعية إلى ظاهرة مقلقة فيها مخاطرة بتكوين الأطفال وتقديم الرعاية لهم بشكل سليم. ويظن كثيرون أن فوائد الرضاعة الطبيعية مرتبطة بالجانب الصحي فقط، لكن دراسات حديثة أثبتت أن غياب علاقة الرضيع بثدي أمه له مخاطر جمة على شخصيته وتكوينه المعرفي السلوكي في المستقبل.

أثارت حملة قادها بعض الناشطين والناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي لدعم الرضاعة الطبيعية على حساب الصناعية جدلا واسعا في أوساط الأسر العربية، بعد أن أصبح اختيار الرضاعة الصناعية حلا سهلا لدى الكثير من الأمهات العربيات مؤخرا، بحثا عن الراحة وتخفيفا من صعوبات الأيام الأولى للولادة وصعوبة الرضاعة وتقليلا لعبء التواجد الدائم مع الرضيع.

ودشنت مجموعة من الأمهات، وأغلبهن طبيبات، صفحة باسم “احمي طفلك بالرضاعة الطبيعية”. وذكر القائمون على الصفحة لائحة طويلة من فوائد الرضاعة من ثدي الأم، بعيدا عن تقديم وجبة للمولود في زجاجة من اللبن الطبيعي.

ويرى استشاري الأطفال والباحث بمركز البصيرة للخصوبة وأمراض الأطفال سعيد الشيشتاوي، أن العالم العربي أضحى أمام ظاهرة خطيرة لا يدركها كثيرون، وهي استسهال الأمهات اللجوء إلى الرضاعة الصناعية تجنبا للمتاعب الجسدية التي تواجههن من الرضاعة عن طريق الثدي.

ويوضح في تصريحات لـ”العرب”، أنه شارك في بحث جديد أجري بالتعاون مع عدد من المراكز البحثية على عينة تكونت من 100 أم وضعت رضيعها قبل 12 شهرا، أوجد أن نحو 40 بالمئة من العينة تخلت عن الرضاعة الطبيعية في فترات تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر من الولادة.

ولفت الشيشتاوي إلى أن النسبة الكبيرة منهن تكونت في الأغلب من سيدات يعشن في مناطق حضرية وتأثرن بانتشار الأنماط الحديثة في الرضاعة والتي وفرت اللبن الصناعي في الصيدليات وجعلت فكرة الاستسهال مسألة مكررة لدى الأمهات.

ورغم إدراك الكثير من الأمهات فوائد الرضاعة الطبيعية المثبتة علميا منذ أكثر من نصف قرن، لكن البحث عن الراحة، لاسيما مع صعوبة فترة ما بعد الولادة الأولى واستكشاف الأم لمشاعر وسلوكيات الأمومة، جعل الحليب الصناعي يمثل الحل الأنسب للكثير من الأمهات.

ويرى علماء أن الرضاعة من الثدي لا تفيد الطفل فقط، لكن الأم أيضا، خاصة مع إفراز هرمون “أوكسايتوسين” الذي يُساعد الرحم في العودة إلى حجمه الطبيعي، ويقلل نزيف الولادة، ويحد من خطر الإصابة بسرطان الرحم والمبايض، ويوفر للطفل ما يحتاجه من بروتينات وفيتامينات ودهون وأجسام مضادة للفيروسات والبكتيريا.

وتتمثل المشكلة الأكبر من غياب الرضاعة الطبيعية في تكوين شخصية وسلوك الرضيع، وهي مسألة تشغل بال الأمهات اللاتي يعتقدن أن الطفل في الأشهر الأولى لا يتفاعل سوى عن طريق التغذية فقط، الأمر الذي أثبتت الكثير من الدراسات عكسه.

ولعل أشهر الدراسات البحثية كانت عام 2014 لوزارة الصحة الصينية، التي أجرت بحثا على عينة مكونة من أكثر من ألف طفل، وربطت بين الرضاعة الطبيعية والتكوين السلوكي للوليد.

وقدمت الدراسة ارتباطا فريدا بين الرضاعة والتواصل اللغوي بين الأم وطفلها أثناء الرضاعة، ففي أيامه الأولى مع الحياة، تكون حواس الطفل غير مكتملة، ويصبح احتكاكه الأول والأساسي مع ثدي أمه الذي يستشعر فيه اللذة ويكتفي منه بسد احتياجاته الأساسية، ولذلك فإن انقطاع العلاقة الفريدة واستبدالها بأخرى صناعية تزيد الاضطراب المعرفي السلوكي لدى الرضيع، وتؤثر على علاقته بوالدته مستقبلا.

ووصف العالم الشهير سغموند فرويد، فترة الرضاعة الطبيعية بأنها المدرسة الأولى للطفل، ومنها يتعلم احتياجاته ويدرك متطلباته ويبدأ التعبير عنها عن طريق البكاء ثم العويل وأحيانا الإشارة وإطلاق بعض الأصوات الأخرى.

وأكدت إلهام سعيد، واحدة من المشاركات في حملة دعم الرضاعة الطبيعية، أن الأم تظلم نفسها عندما تستبدل الحليب الصحي والطبيعي ليكون بداية النشأة الصحيحة لطفلها بآخر صناعي، ليس فقط لأنها تمنعه من الحصول على الجرعة الصحيحة من الفيتامينات، لكنها تؤثر على إدراكه.

الأطفال الذين رضعوا طبيعيا، وتواصلت معهم أمهاتهم لغويا في الرضاعة، تنخفض نسبة إصابتهم بالانحرافات السلوكية

وكشفت في تصريحات لـ”العرب”، أنه عندما تغني الأم لطفلها أو تهدهده خلال عملية الرضاعة، تؤسس فهمه لقواعد التربية، وتقوّض نشأة الانحرافات الشخصية مستقبلا.

وكانت دراسة لجامعة “ميرلاند” الأميركية أكدت أن هناك صلة بين التواصل اللغوي والرضاعة، ويحدث ذلك عندما تتحدث الأم لرضيعها أثناء عملية الرضاعة.

وأقرت الدراسة أن هناك انخفاضا في نسبة إصابة الأطفال الذين رضعوا طبيعيا، وتواصلت معهم أمهاتهم لغويا في أثناء الرضاعة، من الانحرافات السلوكية النفسية والآلام الجسدية، بالإضافة إلى انخفاض خطورة التعرض إلى الاكتئاب والقلق.

ويرتبط اكتساب الطفل المهارات التعبيرية سريعا مع طول مدة الرضاعة عبر القدرة على تقديم نفسه والتعبير عن رغباته في مراحل مبكرة من العمر، وكلما كان الطفل قادرا على تحقيق تقارب حقيقي مع الأم وإشباع رغباته المادية والعاطفية كان أكثر ثقة وراحة وشعورا بالأمان، ولن يحدث ذلك دون ترابط حقيقي واحتواء الأمهات لأطفالهن عبر الرضاعة.

وأشارت سعيد إلى أن الرضيع يشعر بالخوف والريبة مع أيامه الأولى، لأنه مازال لا يعلم شيئا عن حياته، ويتعلم عندما يلتقي فمه مع ثدي أمه، وتحتويه بين ذراعيها، أنه في أمان، وأن ذلك هو بيته وملاذ راحته.

ولفتت سعيد إلى أن مهمة الرضاعة الطبيعية صعبة ومعقدة، ولا يجب إخفاء تلك الحقيقة، فالمواليد الذين يعتمدون على الرضاعة الطبيعية يتمتعون بمزاج حاد، مقارنة بالرضاعة الصناعية، ويصبحون أكثر إزعاجا، ويبكون أكثر ويضحكون أقل من غيرهم خلال هذه الفترة من حياتهم، ما يُقلق بعض المرضعات.

لذلك تظل الرضاعة الصناعية مغرية لأنها تزيح عن الأم عوائق السيطرة على تقلبات ابنها، وتجعل الطفل أكثر هدوءا، إلا أن ذلك له ثمن، وأول وأوضح أعراضه أن الرضاعة الصناعية تزيد وزن الطفل بسرعة شديدة بسبب الإفراط في التغذية.

وتلقى الكثير من المسؤولية في النهاية على الأطباء والصيادلة، فهم موكلون بمواجهة الظاهرة والحد من الإفراط وسوء استخدام الحليب الصناعي؛ أولا عبر جلسات توعية مستمرة للأمهات، وثانيا من خلال فرض قيود أكثر على استخدام الحليب الصناعي.

21