تخوف روسي من فقدان النفوذ في بلدان آسيا الوسطى

تقوم روسيا بتنسيق جهودها من أجل تعزيز حضورها العسكري والأمني في كافة أنحاء آسيا الوسطى، التي تعدّ حديقتها الخلفية، لأسباب كثيرة منها ما هو معلن ومنها ما يحرص الروس على أن يظلّ طيّ الكتمان. وعلى الرغم من أنّ الكرملين متوجّس من خطر انتشار العنف القادم من أفغانستان تحت عنوان الجهاد الإسلامي (وهو الدافع المعلن لنشر المزيد من الجنود) فإنّ السبب الخفيّ متعلّق بانزعاجها بشكل أكبر بكثير مما تراه تغلغلا صينيا وغربيا داخل أراض طالما كانت تحت نفوذها. وهذا هو الانشغال الذي يبدو أنه سيشكل سلوك موسكو في آسيا الوسطى على مدى السنوات القادمة.
الجمعة 2015/05/22
روسيا تستغل الفزع من تنامي نفوذ تنظيم داعش لتبرير عودتها إلى آسيا الوسطى

موسكو – لعبت آسيا الوسطى دورا مهما في عرض القوة العسكرية الروسية منذ توسع الإمبراطورية الروسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. حيث أرسلت روسيا، خلال تلك الفترة، مراكز عسكرية عديدة في تنافسها مع الإمبراطورية البريطانية على بسط النفوذ في المنطقة حينها. وقد أسهم ذلك، مع حلول منتصف القرن التاسع عشر، في ضم الإمبراطورية الروسية لعدد من البلدان الآسيوية مثل كازاخستان وأوزباكستان وتركمانستان وقيرغيستان وطاجيكستان، ثم دمجت تلك البلدان في الاتحاد السوفييتي مع بداية القرن العشرين.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أبقت روسيا على حضورها العسكري في آسيا الوسطى، ولعبت دورا بارزا في الصراعات الإقليمية مثل الحرب الأهلية الطاجيكية بين 1992 و1997. ومازالت اليوم تملك قواعد عسكرية في قيرغيستان وطاجيكستان. أما كازاخستان فهي عضو في منظمة معاهدة الأمن المشترك، تلك الكتلة العسكرية الواقعة تحت الهيمنة الروسية. وعلى الرغم من أنّ أوزباكستان وتركمانستان ليستا عضوتين في تلك الكتلة، إلاّ أنهما مرتبطتان بروسيا من خلال علاقات أمنية وعسكرية مهمة، تترجمها صفقات الأسلحة.

مخاوف من أعمال التمرد

يُمثل النفوذ الروسي طويل المدى، والمتعلق بالشؤون العسكرية في منطقة آسيا الوسطى، إطارا لعدّة تحركات روسية حصلت مؤخّرا. وفي الثاني من أبريل المنصرم، قال قائد القاعدة العسكرية الروسية رقم 201 في طاجيكستان إنّ بلاده ستزيد في عدد الجنود المتمركزين هناك من 5900 إلى 9000 عنصر على مدى السنوات الخمس المقبلة، وستضيف المزيد من العتاد العسكري من الآن إلى سنة 2020.

السبب الروسي المعلن للعودة إلى آسيا الوسطى يتعلق بتنامي المد الجهادي والخفي يتعلق بالخوف من التوسع الغربي في المنطقة

وفي الثالث من نفس الشهر صرّح مصدر من هيئة الأركان للقوات المسلحة الروسية، خيّر عدم الكشف عن اسمه، لصحيفة “كمارسنت” الروسية، بأنّ روسيا مستعدة لمنح طاجيكستان 1.2 مليار دولار في شكل مساعدات عسكرية على مدى السنوات الخمس القادمة. وتقول مصادر كذلك أنّ مختصين عسكريين روس قد أُرسلوا إلى الحدود التركمانستية الأفغانية في الرابع والعشرين من مارس الماضي.

وفي الوقت الذي لم يؤكّد فيه المسؤولون التركمان هذه المعلومة، نقلت وسائل إعلام محلية أنّ عشق آباد طلبت المساعدة الروسية لحماية حدودها مع أفغانستان.

وعلى المستوى الرسمي تُربط هذه التطورات بتزايد المخاوف من انتشار العنف الجاري في أفغانستان وتوسعه إلى منطقة آسيا الوسطى، وهو خوف مشروع لعدة حكومات في المنطقة، في الوقت الذي يخفض فيه كل من الحلف الأطلسي والولايات المتحدة قواتهما في أفغانستان. وقد عبّرت حكومات المنطقة عن انزعاجها من تزايد أعمال التمرد في شمال أفغانستان ومن الخطر الجهادي الذي تمثله كلّ من طالبان و”الدولة الإسلامية”.

هذه المخاوف بلغ صداها إلى روسيا، إذ زعم الممثل الخاص للرئيس فلاديمير بوتين في أفغانستان أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” في الشمال يدرّب آلاف المقاتلين بالقرب من الحدود مع طاجيكستان وتركمانستان. وقد ركزت قمم منظمة معاهدة الأمن المشترك على هذه المسألة وحثت طاجيكستان في قمة دوشانبي في الأول والثاني من أبريل الماضي الكتلة على عمل المزيد من أجل مجابهة هذا التهديد المتنامي.

وعلى الرّغم من تصاعد مؤكّد للهجمات الجهادية في شمال أفغانستان، لم يظهر أي دليل ملموس على هجمات عبر الحدود في دول آسيا الوسطى. وكانت آخر موجة كبرى من أعمال التمرد في منطقة آسيا الوسطى حدثت بين 1999 و2001 عندما نفذت الحركة الإسلامية في أوزباكستان هجمات في وادي فرغانة في طاجيكستان وقيرغيستان وأوزباكستان. وعند تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر اختفى هذا التنظيم، ثمّ تفرقت عناصره المتبقية في كامل المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان.

ومنذ ذلك الحين شهدت كل من أوزباكستان وطاجيكستان وكازاخستان بعض الهجمات من طرف المتمردين الإسلاميين، لكن الكثير منها مرتبط بديناميات سياسية وليس بالحركة في أفغانستان. ويمكن القول أنّ انتشار أعمال التمرد من أفغانستان إلى الدول المجاورة ممكن، لكن التهديد إلى حد الآن مازال في حدّه الأدنى.

قدرة موسكو على تدعيم موقعها في آسيا الوسطى ستكون محدودة نظرا لضعف الاقتصاد الروسي

وبما أن انتشار أعمال العنف الجهادي من شمال أفغانستان إلى بلدان آسيا الوسطى مازال يشكل خطرا ضعيفا، نسبيا، يمكن أن تكون لتعزيز الحضور الروسي في آسيا الوسطى دوافع أخرى؛ فموسكو الآن في صراع محتد مع الغرب حول أوكرانيا التي تعتبر أحد مسارح التنافس لبسط النفوذ على أطراف الاتحاد السوفييتي سابقا. وبالطبع آسيا الوسطى هي منطقة مهمة أخرى في هذا التنافس، خاصّة وأنها تملك موارد كبيرة من النفط والغاز تجذب إليها الاتحاد الأوروبي، نظرا إلى أنه يسعى إلى تنويع مصادر تزوده بالطاقة وإنهاء تبعيته لروسيا. حيث أنّ أوروبا سعت بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية إلى إقناع تركمانستان بالانضمام إلى مشروع الأنبوب العابر للقزوين.

توجس من التوسع الأميركي

الولايات المتحدة هي الأخرى كانت ناشطة في آسيا الوسطى خاصّة من الناحية الأمنية، لكنّها اليوم لم تعد تستخدم قواعدها العسكرية في تلك المنطقة، والتي كانت سابقا مراكز لوجستية للعمليات في أفغانستان مثل القاعدة الجوية ماناس في قيرغيستان أو قاعدة كارشي خاناباد في أوزباكستان. خاصّة أنّ تلك القواعد تركت إرثا إقليميا، إذ تحافظ واشنطن على بعض العمليات الأمنية التي تشمل تدريبات في محاربة المخدرات مع قيرغيستان وطاجيكستان.

وعلى الرغم من ذلك فقد عبّرت الولايات المتحدة في كثير من المناسبات عن اهتمامها بزيادة التزاماتها تجاه بلدان المنطقة، إذ سبق لقائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال لويد أوستن أن صرّح بـ”أنّ الولايات المتحدة مستعدة لتوفير معدات وتكنولوجيات عسكرية لمعاضدة جهود تركمانستان في تأمين حدودها مع أفغانستان”.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أبقت روسيا على حضورها العسكري في آسيا الوسطى، ولعبت دورا بارزا في الصراعات الإقليمية
كما أعلنت الولايات المتحدة في يناير الماضي بأنها ستمنح أكثر من مئتي عربة مقاومة للألغام ومحميّة ضدّ الكمائن إلى أوزباكستان، تمّ استعمالها سابقا في أفغانستان. وتدلّ هذه الخطوات على رغبة الولايات المتحدة في تطوير المزيد من علاقات التعاون الأمني مع دول آسيا الوسطى، وهو ما يقلق موسكو بشدّة التي لا تخفي نزعاتها التوسعية في تلك المنطقة المحسوبة عليها تاريخيا.

وتعود جهود التوسّع الروسي العسكري والأمني، في جزء منها إلى توجّس موسكو من هذه التحركات التي تقوم بها الولايات المتحدة. لكن روسيا لم تكتف بنشر موظفين عسكريين، بل وسعت مجال اتحادها الأوراسي وعضويته ليشمل تعاونا أوسع حول قضايا تضم مراقبة الحدود.

ونجد أن كازاخستان عضو في هذا الاتحاد، أما قيرغيستان فستنضم عن قريب. كما قامت روسيا بزيادة عدد التمارين التي يحتضنها أعضاء منظمة معاهدة الأمن المشترك. كما دعت أوزباكستان وتركمانستان لمزيد التعاون مع الكتلة الأمنية على الرغم من أنهما كانتا مترددتين في ذلك من قبل.ويرى محللون أنّ قدرة موسكو على تدعيم موقعها في آسيا الوسطى ستكون محدودة نظرا لضعف الاقتصاد الروسي، خاصّة أنّ الكثير من المهاجرين من آسيا الوسطى الذين كانوا يعملون في روسيا قد غادروا البلاد، ممّا نتج عنه انخفاض في التحويلات الروسية إلى المنطقة.
ومن ثم سيستمر الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، في بسط نفوذه وتوجيه بوصلته نحو هذه المنطقة، كما ستستمر الصين في شقّ طريقها في ميدان الاقتصاد والطاقة في وسط آسيا.

وفي الوقت نفسه من المحتمل أن يتفاقم الاضطراب الأمني في المنطقة إذ لدى كل من كازاخستان وأوزباكستان أزمات محتملة في انتقال السلطة، إضافة إلى إمكانية تسبب النمو الديمغرافي والتنافس حول الموارد في تهديد أمن المنطقة.

وفي هذا الخضم سيكون موقع روسيا في منطقة آسيا الوسطى موضع اختبار في السنوات القادمة، وما تنامي ظاهرة الجهاد الإسلامي سوى مشكل واحد من بين عديد المشاكل بالنسبة إلى موسكو وحكومات آسيا الوسطى.
6